«أن كعب بن مالكٍ حين أنزل اللهُ -تبارك وتعالى- في الشِّعْرِ ما أنزل، أتى النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: إنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- قد أَنْزَلَ في الشِّعرِ ما قد عَلمت، وكيف ترى فيه؟ فقال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: إنَّ المؤمنَ يُجاهد بسيفهِ ولِسانِهِ».
رواه أحمد برقم: (15785)، ورقم: (27174) واللفظ له، وابن حبان برقم: (4707)، والطبراني في الكبير برقم: (151)، والبيهقي في الكبرى برقم: (21108)، من حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (15796)، وابن حبان برقم: (4463) : «والذي نفسي بيدهِ، لكأَنَّما تَرْمُونَهُمْ به نَضْحُ النَّبلِ».
صحيح الجامع برقم: (1934)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1631).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «حين أنزل الله -تبارك وتعالى- في الشعر ما أنزل، أتى كعب بن مالك النبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كعب بن مالك» أنصاري خزرجي، وكان أحد شعراء النبي -صلى الله عليه وسلم- روى عنه جماعة، ومات سنة خمسين، وهو ابن سبع وسبعين سنة، بعد أن عَمِي. مرقاة المفاتيح (7/ 3017).
قوله: «فقال: إنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- قد أنزل في الشعر ما قد علمت، وكيف ترى فيه؟»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «أنزل من الشِّعر ما أنزل» أي: من قوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} الشعراء: 224، أي: فكيف لي أن أقول؟ حاشيته على مسند أحمد (5/620)).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
إنَّما سأل كعب ذلك؛ لأنه كان شاعرًا. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (417).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
كان شعراء المسلمين: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فكان كعب يخوفهم الحرب، وعبد الله يعيرهم بالكفر، وكان حسان يقبل على الأنساب.
قال ابن سيرين: فبلغني أن دوسًا إنما أسلمت فَرَقًا من قول كعب بن مالك:
قضينا من تهامة كل وتر *** وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيّرها ولو نطقت لقالت *** قواطعهنّ دوسًا أو ثقيفًا. الاستيعاب (3/ 1324).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ما أنزل» كأنه لما سمع قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} الشعراء: 224، أنكر على نفسه الشعر، وأنه من جملة الغاوين، فقال ما قال. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3103).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ اللَّه قد أنزل في الشعر ما أنزل» يعني: قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} الشعراء: 224، فأجاب -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنه ليس على إطلاقه، بل للهائمين في أودية الضَّلال، والذين يقولون ما لا يفعلون، وقد استثنى سبحانه المؤمنين بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} الآية، الشعراء: 227. لمعات التنقيح (8/ 126-127).
قوله: «فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه»:
قال المظهري -رحمه الله-:
يعني: هَجْوُ المؤمنِ الكفَّارَ جهادُه، وكأنما ترمونهم به. المفاتيح في شرح المصابيح (5/166).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه» تنبيهًا على أن هذا ليس من الغواية، بل هو مجاهدةٌ في سبيل الله. شرح المصابيح (5/ 228).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فأجابه -صلى الله عليه وسلم- بأنه ليس كذلك على الإطلاق؛ فإنَّ ذلك من شأن الهائمين في أودية الضلال، وأما المؤمن فهو خارج من ذلك الحكم؛ لأنه إحدى عُدَّتَيْه في ذَبِّ الكفار من اللسان والسنان، بل هو أعدى وأنكى، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «فإنه أشد عليهم من رشق النبل»، وإليه ينظر قول الشاعر:
جراحاتُ السّنانِ لها التئامُ *** ولا يُلْتامُ ما جَرَحَ اللسانُ. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3103-3104).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
جهاد اللسان إقامة الحجة على الكافر، ونحو ذلك، كما قال ¬-صلى الله عليه وسلم- لحسان: «إن هجوه لهم أشد عليهم من وقع النبل»؛ فهو إخبار أن جهاد اللسان كالجهاد بالسيف، ومنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 529).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن المؤمن يجاهد بسيفه» الكفار «ولسانه» الكفار وغيرهم من الملحدين والفرق الزائغة، بإقامة الحجة، ونصب البراهين، وغير ذلك، أو أراد بالجهاد باللسان: هجو الكفر وأهله، وهذا إلى ظاهر الأخبار أقرب.
ومقصود الحديث: أنَّ المؤمن شأنه ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر على جهاد أعداء الله بالسنان، بل يضم إليه الجهاد باللسان. فيض القدير (2/ 386).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه. الفتاوى الكبرى (5/ 538).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إن المؤمن يجاهد» فبيَّن أنَّ ما يكون من الشعر جهادًا في سبيل الله؛ فذاك لا منع منه، والمنع من غيره، مما ليس له تعلق بصلاح الدِّين، ونحوه. حاشيته على مسند أحمد (3/573-574).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
ويتوجه احتمال: يجب الجهاد باللسان، فيهجوهم الشاعر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت: «اهجُ المشركين» رواه البخاري ومسلم وأحمد، وله بإسناد صحيح: أن كعبًا قال له: إنَّ الله أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: «المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل»، وقد روى أحمد عن عمار قال: «شكونا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- هجاء المشركين، فقال: «اهجوهم كما يهجونكم». الفروع (11/ 359).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والجهادُ باللسانِ بإقامةِ الحُجةِ عليهم ودعائِهم إلى اللهِ تعالى، وبالأصواتِ عندَ اللقاءِ والزَّجرِ ونحوِه مُنْكلِّ ما فيه نكايةٌ للعدوِّ كما قال تعالى: {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} التوبة: 120، وقال -صلى الله عليه وسلم- لحسانَ: «إنَّ هجْوَ الكفارِ أشدُّ عليهمْ منْ وقعِ النبلِ». سبل السلام(7/١٩٧).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ هِجاء الكفار، كجهادهم...في الأجر والثواب، وأنَّ أجر هجائهم، كأجر ضربِهم بالسيف والسَّهم. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (417).