عنِ الزُّبيرِ بنِ عَدِيٍّ، قال: «أَتَيْنَا أنسَ بنَ مالكٍ، فَشَكَوْنَا إليه ما نَلْقَى مِن الحجَّاجِ، فقالَ: اصْبِرُوا، فإنَّه لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا الذي بَعْدَهُ شَرٌّ منه، حتَّى تَلْقَوْا ربَّكُم؛ سمِعتُهُ مِن نَبِيِّكُمْ -صلَّى الله عليه وسلَّم-».
رواه البخاري برقم: (7068)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَشَكَوْنَا»:
الشَّكْوَى: هو أنْ تُخْبِر عنْ مكرُوهٍ أصابَك. النهاية، لابن الأثير (2/ 497).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الشَّكْوُ والشِّكايةُ والشَّكاةُ والشَّكوى: إظهار البثّ، يُقال: شَكَوْتُ واشْتَكَيْتُ، قال تعالى: {إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} يوسف: 86.
وأصل الشَّكْوِ: فتح الشَّكْوَةِ، وإظهار ما فيه، وهي: سِقاء صغير يجعل فيه الماء، وكأنَّه في الأصل استعارة، كقولهم: بثثتُ له ما في وعائي، ونفضتُ ما في جرابي: إذا أظهرتَ ما في قلبك. المفردات (ص: 463).
شرح الحديث
قوله: «عنِ الزُّبيرِ بنِ عَدِيٍّ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الزُّبير» مصغَّر الزَّبْر (بفتحِ الزَّاي وكسرِها: القوىُّ الشَّديدُ) بالزاي، والموحدة والراء «ابن عَدي» بفتح المهملة، وكسر الثانية، الهمْداني الكوفي، مات قاضيًا بالري، سنة إحدى وثلاثين ومائة. الكواكب الدراري (24/ 153).
قوله: «قال: أَتَيْنَا أنسَ بنَ مالكٍ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«قال: أتينا أنس بن مالك» -رضي الله عنه-، أي: بالبصرة. دليل الفالحين (2/ 304).
قوله: «فَشَكَوْنَا إليه»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فشكونا» ولأبي ذر عن الكشميهني «فشكوا». إرشاد الساري (10/ 175).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ووقع في رواية ابن أبي مريم عن الفريابي -شيخ البخاري- فيه عند أبي نعيم: «نشكو» بنون بدل الفاء. فتح الباري (13/ 20).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«فشكونا إليه...» في القرن الأول الصحابة متوافرون، وشكوا من الحَجَّاج، ولقُوا منه الظلم والذُّل حتى الصحابة -رضوان الله عليهم- ما سلِموا من ظُلمه. ولا شك أنَّ في هذا تسلية لمن يعيش في مثل هذه الأيام، الصحابة ما سلموا من ظلم الحجاج وذُلِّه وإذلاله للصحابة. شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (ص:44).
قوله: «ما نَلْقَى مِن الحجَّاجِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ما نَلْقَى» وللأصيلي: «ما يلقوا» ولأبي ذر وابن عساكر: «ما يلقون». إرشاد الساري (10/ 175).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وفي (نسخة) أخرى: «ما يلقون» وفيهما التفات. تحفة الباري (10/ 149).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ما يلقون» أي: الناس، من ظلمه، وكثرة تَعَدِّيْهِ. الكواكب الدراري (24/ 153).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«مِن الحَجَّاج» بفتح الحاء، أي: من ظلمه، وهو حجَّاج بن يوسف، رُوِيَ أنَّه قتل مائة وعشرين ألفًا، سوى ما قتل في حروبه. مرقاة المفاتيح (8/ 3388).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«الحَجَّاج» بفتح المهملة، وتشديد الجيم الأولى، ابن يوسف الثقفي، عامل عبد الملك بن مروان على الحجاز، ثم على العراق. دليل الفالحين (2/ 304).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«من الحَجَّاج» هو الظالم المشهور. الكوثر الجاري (11/ 14).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «مِن الحَجَّاج» أي: ابن يوسف الثقفي، الأمير المشهور، والمراد: شكواهم ما يلقون من ظلمه لهم، وتعديه، وقد ذكر الزبير (ابن بكار) في الموفقيات من طريق مُجَالِد عن الشعبي، قال: «كان عمر فمَن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس، ونزعوا عمامته، فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط، ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية، فلمَّا كان بشر بن مروان سمَّر كف الجاني بمسمار، فلما قدم الحجاج، قال: هذا كله لعب، فقتل بالسيف». فتح الباري (13/ 20).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله- معلِّقًا على ما رواه مُجَالِد عن الشعبي:
(«فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسِّياط») هذا هو الأولى...، أما حلق اللحية، وسمَّر الكفِّ، فمُنكر، وأما فعل الحجاج فهو الطامة الكبرى...، ومُجَاِلد فيه ما فيه...، (و) هل يُترحَّم على الحجاج؟ نعم، له حسنات، وله سيئات، وتنقيطه المصحف من حسناته. الحلل الإبريزية(4/ 388).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحَجَّاج: أحد الأمراء لخلفاء بني أمية، وكان معروفًا بالظلم، وسفك الدماء، وكان جبارًا عنيدًا -والعياذ بالله-، وهو الذي حاصر مكة لقتال عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه-، وجعل يرمي الكعبة بالمنجنيق؛ حتى هدَمَهَا، أو هدم شيئًا منها، وكان قد آذى الناس، فجاؤوا يشكون إلى أنس بن مالك -رضي الله عنه-. شرح رياض الصالحين (2/ 35).
قوله: «فقال: اصْبِرُوا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال: اصبروا» زاد عبد الرحمن بن مهدي في روايته: «اصبروا عليه». فتح الباري (13/ 20).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال: اصبروا» أي: على ما تلقون منه. دليل الفالحين (2/ 304).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اصبروا» أمرهم بالصبر على جور ولاة الأمور؛ وذلك لأنَّ ولاة الأمور قد يسلَّطون على الناس؛ بسبب ظلم الناس، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} الأنعام: 129، فإذا رأيتَ ولاة الأمور قد ظلموا الناس في أموالهم، أو في أبدانهم، أو حالوا بينهم وبين الدعوة إلى الله -عز وجل-، أو ما أشبه ذلك؛ ففكر في حال الناس؛ تجد أنَّ البلاء أساسه من الناس، هم الذين انحرفوا؛ فسلَّط الله عليهم مَن سلَّط من ولاة الأمور.. شرح رياض الصالحين (2/ 35-36).
قوله: «فإنَّه لا يأتي عليكم زمانٌ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّه» أي: فإنَّ الشأن والحال. عمدة القاري (24/ 185).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّه لا يأتي عليكم زمان» في رواية عبد الرحمن بن مهدي: «لا يأتيكم عامٌ» وبهذا اللفظ أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود نحو هذا الحديث موقوفًا عليه، قال: «ليس عام إلا والذي بعده شر منه» وله عنه بسند صحيح قال: «أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة». فتح الباري (13/ 20).
قوله: «إلَّا الذي بَعْدَهُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إلا والذي بعده» كذا لأبي ذر، وسقطت الواو للباقين، وثبتت لابن مهدي. فتح الباري (13/ 20).
قوله: «شَرٌّ منه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أشرُّ منه» كذا لأبي ذر والنسفي، وللباقين (الجمهور) بحذف الألف، وعلى الأول شرح ابن التين، فقال: كذا وقع «أشرُّ» بوزن أفعل، وقد قال (الجوهري) في الصحاح: فلان شرٌّ من فلان، ولا يقال: أشرُّ إلا في لغة رديئة. فتح الباري (13/ 20).
وقال العيني -رحمه الله-:
قلتُ: إنْ صحت الرواية بأفعل التفضيل لا يلتفت إلى ما قاله الجوهري وغيره. عمدة القاري (24/ 185).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
أخيَرُ وأشرُّ: أصلان متروكان، لا يكادان يُستعملان إلا نادرًا، وإنَّما المتعارف في التفضيل: خير وشر. تحفة الأبرار (3/ 328).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفي القاموس: هو شرٌّ منه، وأشرُّ منه قليلة أو رديئة، وفيه أيضًا: هو أخير منك كخير، ا. هـ. وفيه: تنبيهٌ أنَّ استعمال أَخْيَرَ، خير من استعمال أشر، ولعل السبب فيه: أنَّ خير يُستعمل للتفضيل وغيره، فيكون أخير نصًّا في المقصود، بخلاف شر، وإنَّما يبالغ فيه بإتيان الهمز، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. مرقاة المفاتيح (8/ 3388).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أشر» هذا دليل مَن قال: باستعمال الأخير والأشر. الكواكب الدراري (24/ 153).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«منه» فيما يتعلَّق بالدِّين، أو غالبًا، فيض القدير (6/ 441).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«شرٌّ منه» في رِكَّة الدِّين، بذهاب العلماء، وانقراض الصلحاء، وهو عمومٌ قد يُخَصُّ. التنوير (9/ 482).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا الذي بعده أشرُّ منه» أي: غالبًا، ومِن وجهٍ دون وجهٍ. مرقاة المفاتيح (8/ 3388).
وقال العيني -رحمه الله-:
«إلا الذي بعده أشر منه» فإنْ قلتَ: هذا الإطلاق مُشكل؛ لأنَّ بعض الأزمنة يكون في الشر دون الذي قبله، وهذا عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- بعد الحَجَّاج بيسير، وقد اشتهر خيرية زمانه، بل قيل: إنَّ الشر اضمحل في زمانه.
قلتُ: حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، فسُئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحَجَّاج، فقال: لا بد للناس من تنفيس، وقيل: إنَّ المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر، فإنَّ عصر الحَجَّاج كان فيه كثير من الصحابة أحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده. عمدة القاري (24/ 185).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: زمان نزول عيسى -عليه السلام- لا يكون أشر؛ إذ تمتلئ الأرض حينئذٍ عدلًا.
قلتُ: المراد منه: الذي وجد بعده، وعيسى -عليه السلام- وجد قبله، أو الذي هو من جنس الأمراء، وفي الجملة معلوم بالضرورة الدينية: أنَّ زمان النبي المعصوم غير داخل فيه، ولا مراد منه -صلوات الله على سيدنا محمد وعليه وعلى سائر النبيين-. الكواكب الدراري (24/ 153).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد بالأزمنة: ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده، ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحَجَّاج فما بعده، إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى -عليه السلام-، فله حكم مستأنف -والله أعلم-.
ويحتمل أنْ يكون المراد بالأزمنة المذكورة: أزمنة الصحابة بناءً على أنَّهم هم المخاطبون بذلك، فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور، لكن الصحابي فهم التعميم؛ فلذلك أجاب من شكا إليه الحَجَّاج بذلك، وأمرهم بالصبر، وهم أو جُلُّهم من التابعين، واستدل ابن حبان في صحيحه بأنَّ حديث أنس ليس على عمومه- بالأحاديث الواردة في المهدي، وأنَّه يملأ الأرض عدلًا بعد أنْ مُلئت جورًا، ثم وجدتُ عن ابن مسعود ما يصلح أنْ يُفسَّر به الحديث، وهو ما أخرجه الدارمي بسند حسن عن عبد الله، قال: «لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لستُ أعني عامًا...». فتح الباري (13/ 21-22).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
الأظهر أنْ يُقال: إنَّ زمن عيسى -عليه الصلاة والسلام- مُستثنى شرعًا من الكلام، وأما بقية الأزمنة، فيمكن أنْ تكون الأَشَرِّية فيها موجودة من حيثية دون حيثية، وباعتبار دون آخر، وفي موضع دون موضع، وفي أمر دون أمر، من علم وعمل، وحال واستقامة، وغيرها مما يطول تفصيلها، وهذا من مقتضيات البُعْد (و) البعدية عن زمان الحضرة النبوية، فإنَّها بمنزلة المشعل المنور للعالم، فكلما أبعد عن قُرْبه وقع في زيادة ظلام وحجبة، وقد أدركت الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- مع كمال صفاء باطنهم التغير من أنفسهم بعد دفنه -صلى الله تعالى عليه وسلم-. مرقاة المفاتيح (8/ 3388).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«شرٌّ منه» في الدين، وهذا الشر ليس شرًّا مطلقًا عامًّا، بل قد يكون شرًّا في بعض المواضع، ويكون خيرًا في مواضع أخرى وهكذا. شرح رياض الصالحين (2/36-37).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهذا النَّص يقصد به العموم، لا كُلِّ طائفة أو بلدٍ بعينها، وقد يُقال: إن الحديث خرج على الغالب، فما يقع من خير بعد شر، ولو كان عامًا، فإنه يُعدّ مخصصًا للحديث.. مجموع الفتاوى(2/٢١٠).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
(الحديث) مَحمولٌ على الأغلَب، فلا يَمنع أن يكون في بعضِ الزمانِ أحسنَ ممّا قبلَه، كما جرى في زَمانِ عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، فإنّ زمانَه أحسنُ من زمانِ سليمانَ والوليد، وكما حصل في زَمانِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وتلميذِه ابنِ القيّم، من ظهورِ السُّنّة، والرّدِّ على المبتدعة، وكما جرى في الجزيرةِ بعدَ دعوةِ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهّاب -رحمه الله-. مجموع الفتاوى(25/١٠٤).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
استشكل العلماء هذا بأنَّ الحَجَّاج كان قبل عمر بن عبد العزيز والشرُّ كان معدومًا في زمانه، وأجاب الحسن البصري بأنَّ ذلك كان تنفيسًا ضرورة، لا يُعتدُّ به؛ فإنَّ خلافته كانت أيَّامًا...
وعندي: أنَّ المراد من الزمان: ليس نفس الزمان؛ وذلك ظاهر، ولا الأمراء وأرباب الولايات، ولا كل فرد من أفراد الناس، بل الغالب، كما أشار إليه بقوله: «خير القرون قرني» فإنَّه أراد الغالب، ألا ترى إلى قول ذي الخويصرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومقاتلته ووجود المنافقين بين الصحابة، ثم مقتل عثمان، وخروج الخوارج على علي، ثم بعد ذلك في كل قرن كان يزداد من ظهور الزنا، وشرب الخمر، وأنواع البدع، والإنسان إذا تأمَّل من أول عمره إلى آخره يرى تفوّتًا ظاهر في الناس، فإنَّ الغالب فيمن رآهم في أول عمره، خير من الذين رآهم آخره. الكوثر الجاري (11/ 14).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وجدتُ عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد: وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: «سمعتُ عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لستُ أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالًا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم وإلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون» ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إلى قوله: «شرٌّ منه» قال: «فأصابتنا سنة خصب، فقال: ليس ذلك أعني، إنَّما أعني ذهاب العلماء» ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: «لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشرُّ مما كان قبله، أما إني لا أعني أميرًا خيرًا من أمير، ولا عامًا خيرًا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خَلَفًا، ويجيء قوم يفتون برأيهم»، وفي لفظ عنه من هذا الوجه: «وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم، فيثلمون الإسلام ويهدمونه»، وأخرج الدارمي الأول من طريق الشعبي بلفظ: «لستُ أعني عامًا أخصب من عام» والباقي مثله، وزاد: «وخياركم» قبل قوله: «وفقهاؤكم». فتح الباري (13/ 21).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فينبغي للإنسان أنْ يبادر لصالح الأعمال، وإنْ لحقته المتاعب والمشاقُّ والأتعاب، ولا يترقب الخلوّ عن ذلك، فما يأتي بعد أشد في ذلك مما في الزمان الذي كان فيه؛ لأنَّ الزمان لا يزال في البُعد عن مشكاة النبوّة، والقُرْب من البدع والفتن، فلا يمضي زمن فيه نقص لشيء من السنن أو ابتلاء بشيء من المحن إلا والذي بعده أشد منه في ذلك، بأنْ يعتقد أنَّ تلك السُّنة التي تُرِكَتْ أولًا للتمادي على تركها، والجهل بها بدعة، أو يصيبه من الكروب ما يتهوّن معه ما سلف له من الخطوب...
ولا يُشكِل على هذا الحديث حديث النسائي: «أُمتي كالمطر لا يُدرى أولها خير أم آخرها؟» لأنَّ ما في حديث الباب باعتبار الزمان كما تقدم؛ وذلك باعتبار أهله، وعطايا الله تعالى غير مختصَّة بزمن دون زمن، فكم وجد في الأزمنة الأخيرة من هو خير من كثير ممن تقدم في الأزمنة: كالأئمة العلماء العاملين الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، وكالأولياء والصالحين. دليل الفالحين (2/304-305).
قوله: «حتَّى تَلْقَوْا ربَّكُم»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حتى تلقوا ربكم» أي: حتى تموتوا، وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث آخر: «واعلموا أنَّكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». فتح الباري (13/ 21).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى تلقوا ربكم» فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. دليل الفالحين (2/ 305).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
الذي يظهر أنَّ المراد بالزمان: الأزمنة التي يحضرها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- في خطابهم: «حتى تَلْقَوا ربكم» ذلك أنَّ الصحابة كانوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أسعد الأزمنة، ثم كانوا بعده في زمن الخليفتين أبي بكر وعمر ومدة من زمن عثمان، ثم أقبلت الفتن، وذهبت تتزايد إلى أنْ انقرض الصحابة -رضي الله عنهم-. النظر الفسيح (ص:267).
قوله: «سمِعتُهُ مِن نَبِيِّكُمْ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «سمعتُه من نبيكم -صلى الله عليه وسلم-» في رواية أبي نعيم: «سمعتُ ذلك». فتح الباري (13/ 21).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«سمعتُه» أي: ما حدثتكم به «من نبيكم» أضافه إليهم؛ ليخف عنهم ألم ما يكابِدُونه من المشاق. دليل الفالحين(2/ 305).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قول أنس: «سمعته من نبيكم» رَفْعٌ للحديث، وتعظيم للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وتعميم لحُكْمِه، وبيان لإعجازه؛ وليس من التحقير والتخفيض في شيءٍ، وإنْ توهَّمه مُتوهِّمٌ فخطأٌ. الأزهار، مخطوط، لوح (442).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أنَّ الدنيا إلى انقضاء وتَوَلٍّ، ولعله أراد -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث أهل موضع بعينه، (و) إلا فالأحاديث التي قدّمت منها حديث حذيفة: «هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم» أوضح من هذا، فإنَّه حديث مجمل (و) تلك مفسرة، فتعيَّن ما تناولناه من أنَّه تحض موضعًا بعينه، أو قومًا بأعيانهم. الإفصاح (5/ 328).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
حديث أنس من علامات النبوة؛ لإخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بتغير الزمان، وفساد الأحوال؛ وذلك غيبٌ لا يُعلم بالرأي، وإنَّما يُعلَم بالوحي. شرح صحيح البخاري (10/ 14).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث: وجوب الصبر على ولاة الأمور، وإنْ ظلموا وجاروا؛ لأنَّك سوف تقف معهم موقفًا تكون أنت وإيَّاهم على حدٍّ سواء؛ عند ملك الملوك...، فاصبر وانتظر الفرج، فيحصل لك بذلك اطمئنان النفس والثبات، وانتظار الفرج عبادة، تتعبَّد لله به، وإذا انتظرت الفرج من الله فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «واعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يسرًا».
وفي هذا: التحذير من سوء الزمان، وأنَّ الزمان يتغير، ويتغير إلى ما هو أشر، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام- ذات يوم لأصحابه: «مَن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا» وأظن أننا -وعيشنا في الدنيا قليل بالنسبة لمن سبق- رأينا اختلافًا كثيرًا بين سنين مضت، وسنين الوقت الحاضر. شرح رياض الصالحين (2/ 38-39).