«كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ في دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ ما عَمِلْتُ، وشَرِّ ما لم أَعْمَلْ».
رواه مسلم برقم: (2716)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شرِّ مَا عمِلْتُ»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
هكذا أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي، وفي رواية للنسائي: «من شر ما عَلِمت، ومن شَرِّ ما لم أعلم» وهكذا في مصنف ابن أبي شيبة، وكلا اللفظين من جوامع الكلم التي تجري كثيرًا على لسان النبي المصطفوي.
وقد استعاذ -صلى الله عليه وسلم- من شر أعماله التي قد عملها، ومن شر أعماله التي سيعملها، كما استعاذ في الرواية الأخرى: من شر الأمور التي يعلمها، ومن شر الأمور التي لا يعلمها. تحفة الذاكرين (ص: 420-421).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الباء للإلصاق المعنوي للتخصيص، كأنه خص الرب بالاستعاذة، وقد جاء في الكتاب والسُّنة: (أعوذ بالله) ولم يسمع: بالله أعوذ؛ لأن تقديم المعمول تفنُّنٌ وانبساط، والاستعاذة حال خوف وقبض، بخلاف (الحمد لله) و(لله الحمد)؛ لأنه حال شكر وتذكير إحسان ونِعَم، «من شر ما عملت» أي: من شر عمل يحتاج فيه إلى العفو. فيض القدير (2/ 107).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«اللَّهم إني أعوذ بك من شر ما عملت» يحتمل أن كلمة (ما) مصدرية، أي: من شر عملي الذي عملته من صالح، فلا يصحبه رياء ولا سمعة ولا عدم قبول، ويحتمل أنها موصولة حُذِف عائدها وهو الأنسب بقوله: «ومن شر ما لم أعمل». التنوير (3/ 99).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، وما لم أعمل» هذا كقوله في الحديث الآخر: «اللهم إني أعوذ بك من كُلِّ شر» غير أنه نبّه في هذا على معنى زائد، وهو: أنه قد يعمل الإنسان العمل لا يقصد به إلا الخير، ويكون في باطن أمره شرٌّ لا يعلمه؛ فاستعاذ منه، ويؤيد هذا: أنه قد روي في غير كتاب مسلم: «من شر ما علمت، وما لم أعلم» ويحتمل أن يريد به ما عمل غيره، فيما يظن أنه يُقْتَدَى به فيه. المفهم (7/ 45).
وقال النووي -رحمه الله-:
قالوا: معناه: من شرِّ ما اكتسبتُه مما قد يقتضي عقوبةً في الدنيا، أو يقتضي في الآخرة، وإن لم أكن قصدتُه، ويحتمل أن المراد: تعليم الأمة الدعاء. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 38).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «اللهم إني أَعوذُ بِك من شرِّ ما عملت...» المراد من استعاذته من شرِّ ما عمل: طلب العفو والغُفران منه عمَّا عمل. المفاتيح (3/ 235).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«من شرِّ ما عمِلت» أي: من شَرِّ ما اكتسبته مما يقتضي العقوبة في الدنيا والآخرة. المنهل العذب المورود (8/ 210).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اللهم إني أعوذ بك من شر ما عمِلت» من الأعمال الصالحة بأن أُدخل فيه ما يحبط ثوابها كالعُجب والرياء والسمعة والمَحْمَدَة، فيعاقب عليه؛ لأنه شرك باطني. الكوكب الوهاج (25/ 112).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«من شرِّ ما عملتُ» المراد بهذا العمل: الطاعة والمعصية جميعًا، فالكل فيهما شرٌّ وآفةٌ. الأزهار، مخطوط، لوح (243).
قوله: «وشرِّ ما لَمْ أَعملْ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ومِن شَرِّ ما لم أَعملْ» وفي بعض النسخ: «وشرّ ما لم أعمل» بإسقاط "من". البحر المحيط الثجاج (42/ 329).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
معنى استعاذته مما لا يعمل، يخرَّج على وجهين:
أحدهما: ألا يُبتلى في مستقبل الزمان.
والثاني: ألا يتداخله العُجب في ترك ذلك، ولا يراه مِن قوةٍ به وصبرٍ وعزيمة منه، بل يراه من فضل ربه، فإن المعصوم من عَصَمَهُ الله. الميسر (2/ 576).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ومراده من الاستعاذة من شر ما لم يعمل: التجاؤه إليه ليحفظه من فعلٍ مذموم بعد ذلك اليوم. المفاتيح (3/ 235).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ومِن شَرِّ ما لم أَعمل» استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه تعالى، فإنه لا مأمن لأحد مِن مكرِهِ تعالى، قال تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} الأعراف: 99. شرح المصابيح (3/ 213).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
(شف) (أي: الأشرف البقاعي في شرح المصابيح، مخطوط): قيل: استعاذ من أنْ يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله، فإنه لا مأمن لأحد من مكر الله؛ {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} الأعراف: 99، وقيل: من أن يصير مُعجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأله أن يرى ذلك من فضل ربه. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1914).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وكُلُّ منها (أي: هذه الاحتمالات التي ذُكرت) في غاية من البهاء. مرقاة المفاتيح (4/ 1707).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
(ونَسَبه إلى الطيبي أيضًا وليس فيه): أو لئلا يصيبه شرُّ عملِ غيرِه، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال: 25، ويحتمل أنه استعاذ من أن يكون ممن يحب أن يُحمد بما لم يفعل، ا. هـ...
وأغرب ابن حجر (الهيتمي) حيث لم يفسر قوله: «من شر ما لم أعمل» بمعنى من المعاني، وأنه حمل على أنه (لا أدري) نصف العلم، ثم قال: والقول الثاني أقرب، بل في الأول من البعد عن ظاهر اللفظ ما لا يخفى ا. هـ.
وفيه: أنه إنما عدل عن ظاهر اللفظ لعدم استقامة التعوذ من شر ما لم أعمل إلى الآن، ويمكن أن يقع مني في مستقبل الزمان -والله المستعان-. مرقاة المفاتيح (4/ 1707).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومن شر ما لم أعمل» أي: بأن تحفظني منه في المستقبل، أو المراد: شر عمل غيره، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الأنفال: 25، أو ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله، وتقديم الميم على اللام (أي: في أعمل) فيهما هو ما في مسلم وغيره. فيض القدير (2/ 107).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ومن شر ما لم أعمل» أي: شر ما تركت من الخيرات، أو من شر ما كسبت وما لم يتعلَّق به شيء من المخلوقات. كفاية الحاجة (2/ 432).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومن شرِّ ما لم أعمل» أي: أعوذ بك من شر الذي لم أعمله من الأعمال التي يكون تركها سببًا للهلاك والغضب، ويحتمل أن يريد شر عملِ غيره من العصاة؛ فإن عقوبته تتعدى، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الأنفال: 25. التنوير (3/ 99).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ومن شر ما لم أعمل»...ويحتمل أن يكون المراد منه: ترك العمل فيما كُلِّفَ فيه بالعمل، وهذا يمكن في حقه -صلى الله عليه وسلم- بالسهو أو النسيان، كما وقع منه -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة عدة مرات، ويمكن في حق غيره بالعمد والقصد أيضًا، ويمكن أن يكون مراد الدعاء: التعوذ من عمل مباح قصد به الخير وكان في الباطن شرًّا. الكوكب الوهاج (25/ 112).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ومن شرّ ما لم أعمل» أي: أتحصّن بك من أن أعمل في المستقبل ما يتسبب في إيصال العقوبة إليّ. ذخيرة العقبى (15/ 248).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنْ قال قائل: ما وجه شر ما لم يعمل؟
فالجواب: أنه يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون استعاذ من شر ما سيعمله مما قد قُدِّرَ له عمله، وذلك لا بد من فعله لسابق القضاء به.
والثاني: أن يكون استعاذ مما لم يعمله ولا يعمله، وها هنا يقع الإشكال.
وجوابه: أن يكون مستعيذًا من شرِّ النية لذلك الفعل، أو الرِّضا به من الغير، أو إيثار النفس لذلك الفعل. كشف المشكل(4/ 415).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
هذا تعليمٌ منه -صلى الله عليه وسلم- لأُمته؛ ليقتدوا به، وإلا فجميع أعماله، سابقِها ولاحقِها، كُلها خير، لا شَرَّ فيها، وجميعُ ما يُعمله، سابِقِه ولاحِقِه، هو مُيَسَّرٌ لخيرِه، ومعصومٌ من شرِّه. تحفة الذاكرين (ص: 421).