«عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمره كلَّه خيرٌ، وليسَ ذاكَ لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إنْ أَصابته سرَّاءُ شكرَ، فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرَّاءُ صبرَ، فكان خيرًا له».
رواه مسلم برقم: (2999)، من حديث صُهَيب -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«عَجَبًا»:
عَجِبَ: أي: عظُم ذلك عنده، وكبُر لديه. النهاية، لابن الأثير(3/ 184).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
عن ابن الأعرابي: العُجْبُ: النظرُ إلى شيء غيرِ مألوفٍ ولا مُعتادٍ. تاج العروس (3/ 319).
«سرَّاءُ»:
السراء: الرَّخاء، وهو نَقيضُ الضَرَّاءِ. الصحاح، للجوهري (2/ 683).
وقال الفيومي رحمه الله-:
السُّرورُ بالفتحِ: إذا أَفْرَحَه، والمَسَرَّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسان، والجمعُ: المَسارُّ، والسَّرَّاءُ: الخير والفضل، والسُّرُّ بالضَّمِّ: يُطلقُ بمعنى السُّرور. المصباح المنير (1/ 274).
«ضرَّاءُ»:
الضُّرُ والبلاء. الأزهار، للأردبيلي، مخطوط، لوح(536).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
(والضَّرّاءُ) بالمدِّ: (الزَّمَانَةُ) ومنه: الضَّرِيرُ بمعنَى الزَّمنِ، (و) الضَّرّاءُ، نقيضُ السَّرّاءِ...، والضَّرّاءُ: الحالةُ التي تَضُرّ، وهي نقيضُ السَّرّاءِ، وهما بناءَانِ للمؤنّث، ولا مُذكَّر لهما، وهي (الشِّدَّةُ) والفقرُ والعذابُ. تاج العروس (12/ 385).
شرح الحديث
قوله: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عَجَبًا» أي: عجبتُ عجَبًا «لأمر المؤمن» أي: لشأنه، وما له في كل حالة. مرقاة المفاتيح(8/ 3317).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عَجَبًا» نُصِبَ بفعلٍ محذوف وجوبًا، مثل سُقيًا له، عجبتُ أو أعجبُ «لأمر المؤمن» لشأنه وحاله، وما قدَّره الله له. التنوير (7/ 204).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أي: أنَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- أظهر العجَبَ على وجه الاستحسان «لأمر المؤمن» أي: لشأنه. شرح رياض الصالحين (1/ 197).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
المؤمن هنا: هو العالِم بالله، الراضي بأحكامِه، العامل على تصديق موعوده. المفهم (6/ 630).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «عجبًا لأمر المؤمن» زاد حمَّاد بن سلمة قبله عند الدارمي في سننه «بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس وضحك، فقال: ألا تسألوني مما أضحك؟ فقالوا: ممَّ تضحك؟ قال: عَجَبًا...» إلخ، وفي إسناده روح بن أسلم، قال البخاري: يتكلمون فيه، ووثقه ابن حبان. الكوكب الوهاج (26/ 437).
قوله: «إنَّ أمْرَهُ كلَّه خيرٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ» وفي نسخة: «له خيرٌ» أي: جميع أموره له خير. البحر المحيط الثجاج (45/ 274).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إنَّ أمره» أي: شأنهُ «كلَّه» بالنصب تأكيد، وبالرفع مبتدأ، خبره «له خيرٌ» والجملة خبر «إنَّ». دليل الفالحين (1/ 155).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنَّ أمْرَه كلَّه» بالنصب، ويجوز رفعه، كما قرئ بالوجهين في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} آل عمران: 154، أي: جميع أموره «له خيرٌ» أي: خيرٌ له في المآل، وإنْ كان بعضُه شرًّا صوريًّا في الحال، وقدَّم الظرف اهتمامًا. مرقاة المفاتيح(8/ 3317).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ أمْرَه كلَّه خيرٌ» أكّده بـ«كله» لأنه ذو أجزاء، باعتبار تفرُّق صفاته...، فكان أمره كله خير، هذا إنْ عمل بحقِّ الإيمان، فشكرَ وصبرَ، وإلا كان أمره كله شرًّا له، إنْ لم يشكر، ولم يصبر. التنوير (7/ 204).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنَّ أمرَه» وشأنه «كلَّه» خيرهُ وشرهُ «خير». الكوكب الوهاج (26/ 437).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ثم بيَّن وجه العَجَب بقوله: «إن أَمرهُ كلَّه له خير». السراج المنير (3/ 306).
قوله: «وليسَ ذاكَ لأحدٍ إلا للمؤمنِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وليس ذلك إلا للمؤمن» المؤمن هنا: هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده...؛ لأنه إنْ لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة، ولم يحتسبها، بل يتضجَّر ويتسخَّط، فينضاف إلى مصيبته الدنيوية مصيبته في دينه، وكذلك لا يعرف النعمة، ولا يقوم بحقها ولا يشكرُها، فتنقلب النعمة نقمة، والحسنة سيئة -نعوذ بالله من ذلك-. المفهم (6/ 630).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«إلا للمؤمن» مظهرٌ وقعَ موقعَ المضمرِ ليُشعر بالعِليَّة. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3334).
وقال ابن علان -رحمه الله- مُعلِّقًا:
«وليس ذلك» الخير في كل شأن «لأحدٍ إلا للمؤمن» الكامل، ووضع الظاهر موضع المضمر دفعًا للوهم وليشعر بالعِليَّة، أي: أنَّ إيمانه الكامل سبب خيريّته في كل حال. دليل الفالحين (1/ 155).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وجهُ حصر الخير في كل حال للمؤمن الكامل؛ لأنَّ غيره إنْ أصابته سراء شبع وبطرَ، وإنْ أصابته ضرَّاءُ جزع وكفرَ. مرقاة المفاتيح (8/ 3317).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «وليس ذلك إلا للمؤمن» ومِن ها هنا كان العارفون بالله لا يختارون إحدى الحالتين على الأخرى، بل أيّهما قدّر الله رضُوا به، وقاموا بعبوديته اللائقة به. نور الاقتباس (3/ 173-174).
قوله: «إنْ أصابته سرَّاءُ شكرَ، فكان خيرًا له»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنْ أصابته سرَّاء» أي: نعماء وسعة عيش ورخاء، وتوفيق لطاعة من أداءٍ وقضاء «شكرَ، فكان» أي: شكره «خيرًا له». مرقاة المفاتيح (8/ 3317).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنْ أصابته» بمنزلة الصفة، والقيد له، أو المراد: المؤمن الكامل. لمعات التنقيح (8/ 510).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنْ أصابته سرَّاء» يسرُّ به، ونعمة حادثة، «شكر، فكان» الشُّكر «خيرًا له» لما فيه من الأجر. التنوير (7/ 204).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ثم بيَّن وجه العَجَب بقوله: «إنْ أصابته سراء» كصحة وسلامة ومال وجاهٍ، «شكر» الله على ما أعطاه «وكان خيرًا له» فإنه يُكتب في ديوان الشاكرين. فيض القدير (4/ 302).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إنْ أصابته سرَّاء» بفتح السين، وتشديد الراء المهملتين، أي: ما يسرّه، «شُكر» أي: عرف قدر نعمة مولاه، فشكره «فكان» شكره «خيرًا له» من السراء التي نالها لكونه ثوابًا أُخرويًّا. دليل الفالحين (1/ 155).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في الحديث... الحث على الشُّكر عند السَّراء؛ لأنه إذا شُكر الإنسان ربه على نِعمه، فهذا من توفيق الله له، وهو من أسباب زيادة النِّعم، كما قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} إبراهيم: 7، وإذا وفَّق الله الإنسان للشكر؛ فهذه نعمة تحتاج إلى شكر مرة ثالثة...وهكذا؛ لأن الشُّكر قلَّ مَن يقومُ به، فإذا منَّ الله عليك وأعانك عليه، فهذه نِعمة؛ ولهذا قال بعضهم:
إذا كان شُكري نعمةَ الله نعمةً *** عليَّ له في مثلها يجبُ الشكرُ
فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفضلهِ *** وإنْ طالت الأيامُ واتّصل العمرُ
وصدق -رحمه الله-؛ فإنَّ الله إذا وفقك للشكر، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر جديد، فإنْ شكرتَ فهي نعمةٌ تحتاج إلى شكرٍ ثانٍ، فإنْ شكرتَ فهي نعمةٌ تحتاج إلى شُكر ثالثٍ، وهَلُمَّ جرًّا. شرح رياض الصالحين (1/ 199-200).
قوله: «وإنْ أصابته ضرَّاءُ، صبرَ، فكان خيرًا له»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإنْ أصابتهُ ضرَّاءُ» أي: فقر ومرض ومِحنة وبليَّة «صبرَ، فكان» أي: صبره «خيرًا له». مرقاة المفاتيح (8/ 3317).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وإنْ أصابته ضرَّاءُ» بالمد كمصيبة «صبرَ» واحتسب «فكان خيرًا له» فإنه يصير من أحزاب الصابرين الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه المبين. السراج المنير (3/ 306).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإنْ أصابته ضرَّاءُ صبر، فكان» الصبر، «خيرًا له» لأنه يحوزُ أجر الصابرين، الذين يوفُّون أجورَهم بغير حساب. التنوير (7/ 204).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وإنْ أصابته ضرَّاءُ» أي: ما يضرّه في بدنه، أو ما يتعلَّق به من أهل أو ولد أو مال، «صبر» واحتسب ذلك عند الله؛ رجاء ثوابه، ورضًا به؛ نظرًا لكونه فعْل مولاه الذي هو أرحم به «فكان» صبره في الضراء «خيرًا له» لأنه حصل له بذلك خير الدارين. دليل الفالحين (1/ 155).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إنْ أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيرًا له، فنال بهذا أجر الصابرين...، إذا رأيتَ نفسك عند إصابة الضراء صابرًا محتسبًا، تنتظر الفرَجَ من الله -سبحانه وتعالى- وتحتسب الأجر على الله، فذلك عنوان الإيمان، وإنْ رأيتَ العكس فلُم نفسَك، وعدِّل مسيرك، وتُبْ إلى الله. شرح رياض الصالحين (1/ 198-199).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضل الشكر على السراء، والصبر على الضراء، فمَن فعل ذلك حصل له خير الدارين، ومَن لم يشكر على النعمة، ولم يصبر على المصيبة، فاته الأجر، وحصل له الوزر. تطريز رياض الصالحين (ص: 37).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
في الحديث: دلالة على فضيلة الشكر والصبر، ولا ينبغي للمؤمن أنْ تخلو أوقاته عن واحدٍ منهما. الكوكب الوهاج (26/ 437).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
هذا الحديث يعمُّ جميع أقضيته لعبده المؤمن، وأنها خيرٌ له إذا صبر على مكروهها، وشكر لمحبوبها، بل هذا داخلٌ في مُسمّى الإيمان، كما قال بعض السلف: «الإيمان نصفان، نصفٌ صبر، ونصفٌ شُكر» لقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} إبراهيم: 5، وإذا اعتبر العبدُ الدينَ كلّه، رآه يرجعُ بجملته إلى الصبر والشكر. قاعدة في الصبر (ص: 89-90).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: تحسين حال المؤمن، واستحسان شأنه، والحث على الشكر في السراء، والصبر في الضراء. الأزهار، مخطوط، لوح (536).