«إذا كانوا ثلاثةً فلْيؤُمَّهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامةِ أقْرؤُهم».
رواه مسلم برقم: (672) من حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-،
وزاد ابن حبان برقم: (2132)، والبيهقي في الكبرى: (5126): «إذا كانوا ثلاثةً في سَفَرٍ...».
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (3979)، التعليقات الحسان برقم: (2129).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «إذا كانوا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا كانوا» أي: القوم. مرقاة المفاتيح (3/ 863).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إذا كانوا» في سفر أو غيره. فيض القدير (1/ 431).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إذا كانوا» أي: الناس المجتمعون في مكان واحد. البحر المحيط الثجاج (14/ 419).
قوله: «ثلاثةً»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا كانوا ثلاثة» مفهوم العدد غير مراد؛ لما تقدم من حديث أبي موسى: «الاثنان جماعة»، والحكم المذكور من إمامة الأقرأ ثابت في الاثنين، كما أفاده حديث مالك بن الحويرث قال: «أتيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال (الرجوع إلى مساكنهم) من عنده، قال لنا: إذا حَضَرَتِ الصلاة فأذِّنا وأقيما، ويؤمكما أكبركما»، ولأحمد ومسلم: «وكنا متقارِبَيْنِ في القراءة». التنوير (2/ 194).
وقال المناوي -رحمه الله-:
هذا لا ينافي أن أقل الجماعة اثنان؛ لأن ما هنا في أقل الكمال. فيض القدير (1/ 431).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنَّما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه سُئل عنهم -والله تعالى أعلم-. المفهم (2/ 296).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا القرطبي:
هكذا جزم بأنه سُئل عنهم، وهو محل نظر -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (14/ 419).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في رواية ابن حبان من طريق شعبة وهشام الدستوائي عن قتادة: «إذا كنتم ثلاثة في سفر». البحر المحيط الثجاج (14/ 419).
قوله: «فليؤمَّهُم أحدُهُم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فليؤمهم أحدهم» أي: يصلي بهم إمامًا. فيض القدير (1/ 431).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليؤُمُّهُم أحدهم» إشارة إلى جواز إمامة المفضول. مرقاة المفاتيح (3/ 863).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في قوله: «أحدهم» إشارة إلى جواز تقديم المفضول مع وجود الفاضل، إلا أنَّ الأولى تقديم الفاضل، كما قال: «وأحقُّهم بالإمامة أقرؤُهم». ذخيرة العقبى (10/ 492-493).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليؤُمُّهم أحدهم» للندب، وعلى قول مَن يُوجِب الجماعة للوجوب، أي: إذا كان القوم ثلاثة رجال أو أشخاص «فليؤُمُّهم أحدهم»، ويتناول المرأة، والتذكير للتغليب. الأزهار، مخطوط، لوح (165).
قوله: «وأحقُّهُم بالإمامةِ أقرؤُهُم»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وأحقهم بالإمامة أقرأهم» أي: أكثرهم حفظًا للقرآن، فإنَّ إمامته أفضل. مرعاة المفاتيح (4/ 49).
وقال المغربي -رحمه الله-:
يحتمل: أنْ يُراد به: أحسن تأْدِيَةٍ. البدر التمام (3/ 333).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد بالأقرأ: أكثرهم حفظًا للآيات والسور كما تفيده أحاديث أخرى. التنوير (2/ 194).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أقرؤهم» أي: أفقهُهُم؛ لأن الأقرأ إذْ ذَّاك كان هو الأفقه. فيض القدير (1/ 431).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد اختُلِفَ في المراد مَنِ الأقرأ:
فقيل: المراد: أحسنهم قراءة، وأعلمهم بأحكامها، وإن كان أقلَّهم حفظًا، وقيل: أكثرهم حفظًا للقرآن، ويدل عليه حديث عمرو بن سلمة، وقيل: المراد به: الأفقه؛ لأنك إذا اعتبرت أحوال الصحابة وجدت أن أفقهَهُم أقرؤُهم، فيكون المراد من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أقرؤهم..» أي: أعلمهم به. البحر المحيط الثجاج (14/ 426).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
محمله على أنه إذا اجتمع جماعة صالحون للإمامة؛ فكان أحدهم أكثر قرآنًا كان أحقَّهم بالإمامة للمزِيَّة الحاصلة فيه، فلو كانوا قد استظهروا القرآن كله؛ فيرجح من كان أتقنهم قراءة، وأضبط لها، وأحسن ترتيلًا، فهو الأقرأ بالنسبة إلى هؤلاء. المفهم (2/ 297).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: دليل لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابنا، وقال مالك والشافعي وأصحابهما: الأفقه مقدَّم على الأقرأ؛ لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر -رضي الله عنه- في الصلاة على الباقين، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- نصَّ على أن غيره أقرأ منه (يعني: أُبي بن كعب).
وأجابوا عن الحديث: بأنَّ الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. شرح صحيح مسلم (5/ 172-173).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا النووي:
قلتُ: وهذا الجواب يلزم منه: أنَّ مَن نصَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. فتح الباري (2/ 171).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
تمسَّك بظاهر هذا (يعني: الحديث) أبو حنيفة، فقال: القارئ أولى من الفقيه، وقال مالك: الفقيه أولى من القارئ؛ لأن الحاجة إلى الفقه أكثر، وهو أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة، وتأوَّل أصحاب الحديث بأنَّ الأقرأ فيه هو الأفقه؛ لأنَّ الأقرأ كان عندهم هو الأفقه؛ لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن، وقد كان مِنْ عُرْفِهم الغالب: تسميتهم الفقهاء بالقرَّاء.
قلتُ: إنْ صحت غلبة العُرْف فالقول ما قاله مالك. المفهم (2/ 297).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وذلك أنَّ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يُسْلِمون كبارًا، فيتفقَّهون قبل أن يقرؤوا، ومَنْ بعدَهُمْ يتعلمون القراءة صغارًا قبل أن يتفقَّهوا، فلم يكن فيهم قارئ إلا وهو فقيه. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1153).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا تعليل كون الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه:
لكن في قوله: «فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسُّنة» دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا. المنهاج شرح صحيح مسلم (5/ 174).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وبه (يعني: بما أجاب به النووي) يندفع هذا الجواب عن ظاهر الحديث؛ لأن التفقه في أمور الصلاة لا يكون إلا من السُّنَّة، وقد جُعِلَ القارئ مُقدَّمًا على العالم بالسُّنَّة.
وأما ما قيل من أن الأكثر حفظًا للقرآن من الصحابة أكثرهم فقهًا؛ فهو وإن صح باعتبار مطلق الفقه لا يصح باعتبار الفقه في أحكام الصلاة؛ لأنها بأسرها مأخوذة من السُّنَّة قولًا وفعلًا وتقريرًا، وليس في القرآن إلا الأمر بها على جهة الإجمال، وهو مما يستوي في معرفته القارئ للقرآن وغيره. نيل الأوطار (3/ 188).
وقال النووي -رحمه الله-:
ولنا وجه اختاره جماعة من أصحابنا: أن الأورع مقدم على الأفقه والأقرأ؛ لأن مقصود الإمامة يحصل من الأورع أكثر من غيره. شرح صحيح مسلم (5/173).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا الذي اختاروه من تقديم الأورع على الأقرأ قول مخالف لهذا الحديث الصحيح الصريح، فلا ينبغي الالتفات إليه، فالحق ما ذهب إليه الإمامان: أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله تعالى- من تقديم الأقرأ مطلقًا. البحر المحيط الثجاج (14/ 427).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
عندي: الأرجح: تفسيره بالأكثر حفظًا للقرآن؛ لحديث عمرو بن سلمة -رضي الله عنه-، فإن خير ما فُسِّرَ به الحديث ما جاء في حديث آخر. البحر المحيط الثجاج (14/ 426).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب؛ وذلك أنه جعل -صلى الله عليه وسلم- ملاك أمر الإمامة: القراءة...، والمعنى في ذلك: أنهم كانوا قومًا أُمِّيِّيْن لا يقرؤون، فمن يعلم منهم شيئًا من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة، وكانت ركنًا من أركانها صارت مقدمة. معالم السنن (1/ 166-167).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه: دليل على فضل من كان أقرأ لكتاب الله تعالى، حيث كان أحق بالتقدم في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.
وفيه: دليل أيضًا لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي -رحمهم الله-، وهو الراجح، بشرط أنْ يكون يعلم أحكام الصلاة.
وقال مالك والشافعي وأصحابهما -رحمهم الله-: الأفقه مقدم على الأقرأ. ذخيرة العقبى (10/ 493).