السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«عن مُعاذٍ أنَّه كَتَبَ إلى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يسألُه عن ‌الخَضْراواتِ وهي البُقُولُ، فقال: «ليس فيها شيءٌ».


رواه الترمذي برقم: (638)، ورواه الدارقطني برقم: (1916) بلفظ: «ليس في الخضراواتِ زكاةٌ».
صحيح الجامع برقم: (5411) وإرواء الغليل برقم: (801).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌الخَضْراواتِ»:
يعني بها الفاكهة الرّطبَة والبُقُول. درة الغواص، للحريري (ص:277).
قال ابن سيده -رحمه الله-:
الخَضْراواتِ: جَمْعُه جمع الْأَسْمَاء كورقاء وورقاوات، وبطحاء وبطحاوات؛ لِأَنَّهُ صفة غالبة غلبت غَلَبَة الْأَسْمَاء. المحكم، لابن سيدة (5/ 41).

«البُقُولُ»:
يقال: كل نبات اخضرت له الأرض فهو بقل. الصحاح (4/ 1636).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
البقل من النبات: ما ليس بشجر دقَّ ولا جل، وفرق ما بين البقل ودق الشجر بغلظ العود وجلته، فإن الأمطار والرياح لا تكسر عيدانها، تراها قائمة أكل ما أكل وبقي ما بقي. مقاييس اللغة (1/ 274).


شرح الحديث


قوله: «عن مُعاذٍ أنَّه كَتَبَ إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يسأله عن الخضراوات، وهي البقول»:
قال الزمخشري -رحمه الله-:
«الخضراوات» قيل: هي من الفواكِه، مثل التفاح والكمثرى وغيرهما، وقيل: البُقُول، وإنَّما جازَ جمع فعلاء هذه بالألف والتَّاء، ولا يُقال: نسَاء حمراوات لاختلاطها بالأسماء. الفائق (1/ 380).
وقال الركبي -رحمه الله-:
قوله: «الخضراوات» هي البقول والفواكه، وفي الحديث: «ليس في الخضروات صدقة» قال مجاهد: أراد التفاح والكمثرى، وما أشبهها، والعرب تقول للبقول: الخضراء. النظم المستعذب (1/ 149).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«وهي البقول» هذا تفسير من بعض الرواة. تحفة الأحوذي (3/ 231).

قوله: «فقال: ليس فيها شيء»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ليس فيها شيءٌ» قال بعض الشراح: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس في الخَضْرَوات صدقة» رُوِيَ بأَلفاظ متعددةٍ عن عدة من الصحابة منهم: عليٌّ ومعاذ وطلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك ومحمد بن عبد الله بن جحش وعائشة -رضي الله عنهم-، بأَسانيدَ مضعَّفة ومرسلة، قال البيهقيُّ: وهذه الأحاديث يشد بعضُها بعضًا، ومعها قول بعض الصحابة. فتح باب العناية بشرح النقاية(1/ 521).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: لم يوجب اللهُ تعالى فيها زكاة. التنوير (9/ 257).
وقال البغوي -رحمه الله-:
أما الخضراوات فلا عُشْر فيها عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة: يجب فيها العشر إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي، وخالفه صاحباه فلم يوجبا فيه العُشْر.
وروي عن موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إنما أمره أنْ يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر. شرح السنة (6/ 40).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه أنَّ الزكاة إنما هي فيما يكال مما يدخر للاقتيات حال الاختيار، وهو قول الشافعي ومالك وقال أبو حنيفة: تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء في الأرض إلا القصب والحطب. فيض القدير (5/ 374).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لأنها لا تقتات، والزكاة تختص بالقوت كما مر، وحكمته أنَّ القوت ما يقوم به بدن الإنسان؛ لأن الاقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها، فوجب فيه حق لأرباب الضرورات. مرقاة المفاتيح (4/ 1296).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
(سُئل الإمام مالك) عن صدقة الخضراوات، فقال: هذه ‌مَبَاقِيل ‌أهل ‌المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أبي بكر، ولا عمر -رضي الله عنهما-، يعني: وهي تنبت فيها الخضراوات. الإجماع (ص:25).
وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
قد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول ‌الخضروات ونحوهما هل هو ملتحق بالشجر أو بالزرع؟ وفيه وجهان: ينبني عليهما مسائل متعددة. فتح الباري(8/ 9).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
«ليس فيها شيءٌ» إنَّ النفي فيه محمول على ‌صدقةٍ تُرفع إلى بيت المال (وهذا التأويل على مذهب الحنفية) فلا دليلَ فيه على نفي الصدقة رأسًا، فخرجَ منه أنَّ المسألةَ فيما يتسارعُ إليه الفساد أنْ لا ترفعَ زكاتُه إلى بيت المال، بل يؤديها صاحبها بنفسه، وفيه إشارة إلى أنَّ إطلاقَ الصدقة في عُرفهم كان على ‌صدقة تُرفع إلى بيت المال. فيض الباري (3/ 150).
وقال البابرتي الحنفي -رحمه الله-:
ووجه الاستدلال: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- نفى الصدقة عن ‌الخضراوات وليس الزكاة منفية بالاتفاق، فتعين العشر، وله ما روينا: يعني قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أخرجت الأرض ففيه العشر» (ومرويهما) وهو «ليس في الخضراوات صدقة» (محمول على صدقة يأخذها العاشر) يعني: إذا مر بالخضروات على العاشر، وأراد العاشر أن يأخذ من عينها لأجل الفقراء عند إباء المالك عن دفع القيمة لا يأخذ (وبه) أي: بهذا المروي (أخذ أبو حنيفة) في حق هذا المحمل الذي حملناه عليه. العناية شرح الهداية (2/ 243).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
ولأبي حنيفة -رضي الله عنه- (من الأدلة) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} البقرة:267، وأحق ما تناوله هذه الآية الخضروات؛ لأنها هي المُخْرَجَة من الأرض حقيقة، وأما الحبوب فإنها غير مخرجة من الأرض حقيقة، بل من المخرج من الأرض، وقولُه تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}الأنعام:141، وأحق ما يحمل الحق عليه الخضروات؛ لأنها هي التي يجب إيتاء الحق منها يوم القطع، وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى وقت التنقية، وقولُ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر» من غير فصل بين الحبوب والخضروات، وأما الحديث فغريب، فلا يجوز تخصيص الكتاب والخبر المشهور بمثله، أو يحمل على الزكاة، أو يحمل قولُه: «ليس في الخضروات صدقة» على أنه ليس فيها صدقة تُؤخَذ، بل أربابها هم الذين يؤدونها بأنفسهم، فكان هذا نفي ولاية الأخذ للإمام. بذل المجهود (6/ 410).
وقال ابن الهمام الحنفي -رحمه الله-:
أحسن ما فيها حديث مرسل، رواه الدارقطني عن موسى بن طلحة: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أنْ يؤخذ من ‌الخضراوات ‌صدقة» والمرسل حجة عندنا، لكن يجيء فيه ما تقدم من تقديم العام عند المعارضة. فتح القدير (2/ 244).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومما يدُلُّ أيضًا على وَهْيِ مذهبِ مَن أوجَب الزكاةَ في الخُضر: أنَّ الزكاةَ إنما تجبُ في العينِ المـُزكّاةِ بجزءٍ من أجزائها، وأكثرُ الذين أوجَبوا الزكاةَ في البقولِ أوجَبُوها في قيمتِها، ولا أصلَ لأخذِ القيمةِ في الزكاة. التمهيد (16/ 63).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث: يدلُّ على عدم وجوب الزكاة في الخضراوات، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي وقالا: إنَّما تجب الزكاة فيما يكال ويدخر للاقتيات، وعن أحمد أنها تخرج مما يكال ويدخر ولو كان لا يقتات به، وقال أبو يوسف ومحمد: وأوجبها في الخضراوات الهادي والقاسم إلا الحشيش والحطب؛ لحديث: «الناس شركاء في ثلاث»، ووافقهما أبو حنيفة إلا أنه استثنى السعف والتبن، واستدلوا على وجوب الزكاة في الخضراوات بعموم قوله تعالى: {خُذْ مِن أَمْوَالِهِم صَدَقَةً} التوبة: 103، وقوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِن الأَرْضِ} البقرة: 267، وقوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَومَ حَصَادِهِ} الأنعام: 141، وبعموم حديث: «فيما سقت السماء العشر» ونحوه، قالوا: وحديث الباب ضعيف لا يصلح لتخصيص هذه العمومات.
وأُجيب: بأنَّ طرقه يقوي بعضها بعضًا، فينتهض لتخصيص هذه العمومات، ويقوي ذلك ما أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فقال: «لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر» قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل.
وما أخرجه الطبراني عن عمر قال: «إنَّما سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزكاة في هذه الأربعة» فذكرها.
وهو من رواية موسى بن طلحة عن عمر قال أبو زرعة: موسى عن عمر مرسل، وما أخرجه ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: «إنما سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب» زاد ابن ماجه: «والذرة» وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو متروك، وما أخرج البيهقي من طريق مجاهد قال: «لم تكن الصدقة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في خمسة» فذكرها، وأخرج أيضًا من طريق الحسن، فقال: «لم يفرض الصدقة النبي - صلى الله عليه وسلم- إلا في عشرة فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة» وحكي أيضًا عن الشعبي أنه قال: «كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب» قال البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة، وهي يؤكد بعضها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى، ومعها قول عمر وعلي وعائشة: «ليس في الخضراوات زكاة» انتهى.
فلا أقل من انتهاض هذه الأحاديث لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها التخصيص بالأوساق والبقر العوامل وغيرهما، فيكون الحق ما ذهب إليه الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي من أنَّ الزكاة لا تجب إلا في البر والشعير والتمر والزبيب، لا فيما عدا هذه الأربعة مما أخرجت الأرض، وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب، فقد عرفت أنَّ في إسنادها متروكًا، ولكنها متعضدة بمرسل مجاهد والحسن. نيل الأوطار (4/ 170).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلًا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا لشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث. عارضة الأحوذي (3/109).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولم يكن من هَدْيه أخذُ الزكاة من الخيل والرقيق ولا البغال ولا الحمير، ولا الخضروات ولا المباطخ (جمع بطيخ) والمقاثي (جمع قثاء) والفواكه التى لا تُكال ولا تُدَّخر إلا العنب والرُّطب فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يُفرِّق بين ما يبس منه وما لم ييبس. زاد المعاد (2/ 11).
وقال الترمذي -رحمه الله- عن هذا الحديث:
إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء، وإنَّما يُروى هذا عن موسى بن طلحة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا، والعمل على هذا عند أهل العلم أنَّه ليس في الخضراوات صدقة. سنن الترمذي (3/ 21).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
أمَّا قول الترمذي: لم يصح في هذا الباب عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- شيءٌ، فإِنما هو باعتبار كل فردٍ، فلا ينفي صحة الأحاديث بجملتها، كالتواتر المعنوي، فينبغي حَمْلُه على صدقةٍ يأْخذها العاشر، وبه يقول أَبو حنيفة؛ ولِمَا في الصحيحين عن أَبي سعيدٍ الخُدْري قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دون خَمْسَةِ أَوسق صدقة». فتح باب العناية بشرح النقاية(1/ 522).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قد يُجَابُ عن تضعيف الحديث بأنَّ إسقاط البخاري له لا يقتضي ضعفه، وتضعيف الترمذي له إنَّما هو سبب إرسال موسى بن طلحة، فإنَّه رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو تابعي، ولكن الإرسال غير قادح عند كثير من الأئمة منهم الإمام المهدي إذا عُرِف من حال الراوي أنه لا يرسل إلا عن عدل، وقد رواه البيهقي من حديث موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ، مع أنَّه وصله الدارقطني، فرواه عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعًا، وقد روي من حديث على مرفوعًا أخرجه الدارقطني بسند ضعيف، وعن محمد بن جحش أخرجه الدارقطني وفيه عبد الله بن شبيب، قيل: إنه يسرق الحديث، وعن عائشة أخرجه الدارقطني، وفيه صالح بن موسى، وفيه ضعف، وعن علي وعمر موقوفًا أخرجها البيهقي، فهذه الروايات تقوي بعضها بعضًا، فيصلح للاحتجاج. البدر التمام (4/ 332).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
له طُرق لا تصح، وليس في هذا الباب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنَّما يُروى عن موسى ابن طلحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا. التوضيح (10/ 559).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قول أبي عيسى: لا يصح في الباب شيء يعني: لم يصح عنه -صلى الله عليه وسلم- شيء لا نفيًا ولا إثباتًا، وقد روينا في ذلك أحاديث كثيرة. عارضة الأحوذي (3/109).


إبلاغ عن خطأ