«جاءَ ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يسألونَ عن عبادةِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، قد غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّر؟! قال أحدُهم: أمَّا أَنا فإني أُصَلِّي الليلَ أبدًا، وقال آخر: أنا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِر، وقال آخر: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاءَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: أنتمُ الَّذينَ قُلْتُم كذا وكذا؟! أمَا واللهِ إني لأخشاكُم للهِ وأتقاكم له، لكني أَصُومُ وأُفْطِر، وأُصَلِّي وأرقُد، وأتزوَّجُ النساءَ؛ فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِني».
رواه البخاري برقم: (5063) واللفظ له، ومسلم برقم: (1401)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
ولفظ مسلم: «وقال بعضهم: لا آكُلُ اللَّحمَ، وقال بعضُهم: لا أَنام على فِراش».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (13727): «أنَّ ناسًا سألوا أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عنْ عِبادتِهِ في السِّرِّ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«رهط»:
الرَّهْطُ: ما دون العَشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، قال الله تعالى: {وَكَانَ فِيْ الْمَدِيْنَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} النمل: 48؛ فجمع وليس لهم واحد من لفظهم؛ مثل: ذَوْدٍ، والجمع: أرْهُطٌ وأرْهَاطٌ وأرَاهِطُ. مختار الصحاح، للرازي (ص: 267).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الرَّهط: جمع دون العَشرة مِن الرجال، لفظه مفرد، ومعناه: الجمع. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، للبيضاوي (1/ 122).
«تقَالُّوها»:
أَي: استقلُّوها، وهو تفاعُل مِنَ القِلَّة. لسان العرب، لابن منظور (11/ 563).
وقال الصنعاني-رحمه الله-:
بتشديد اللام المضمومة، أي: استقلُّوها، وأصل تقالُّوها، أي: رأى كل منهم أنها قليلة. التحبير، للصنعاني (1/ 292).
«رَغِبَ»:
رَغِبَ عن الشيءِ: تركه مُتَعَمّدًا، وزَهِدَ فيه وَلَمْ يُرِدْهُ، ورَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُ: رأَى لنفسِه عليه فضلًا. لسان العرب، لابن منظور (1/ 423).
شرح الحديث
قوله: «جاء ثلاثة رهطٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «جاء ثلاثة رهط» كذا في رواية حميد، وفي رواية ثابت عند مسلم: «أن نفرًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-»، ولا مُنافاة بينهما، فالرهط: من ثلاثة إلى عشرة، والنفر: من ثلاثة إلى تسعة، وكل منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه. فتح الباري (9/ 104).
قوله: «يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: العبادة السرية. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 25).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
ولعل السِّرَّ في أنهم لم يسألوه -صلى الله عليه وسلم- وسألوا زوجاته أنهم ظنوا أنه سيُخفي عبادته السرية عنهم قولًا كما أخفاها عملًا؛ شفقة منه على الأمة. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 27).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هؤلاء القوم حصل عندهم أن الانقطاع عن ملاذِّ الدنيا من النساء والطِّيب من الطعام والنوم، والتفرُّغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى، فلما سألوا عن عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبادته، لم يدركوا من عبادته ما وقع لهم أبدوا فارقًا بينهم وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-: بأنه مغفور له، ثم أخبر كل واحد منهم بما عزم على فعله، فلما بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: «إني أخشاكم لله»، وتقرير ذلك: إني وإن كنت مغفورًا لي فخشية الله وخوفه يحملني على الاجتهاد وملازمة العبادة، لكن طريق العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه وتركه؛ فليس على طريقي في العبادة. المفهم (4/ 86).
قوله: «فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقَالُّوها»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فلما أُخْبِرُوا» بالبناء للمجهول، والمعمول محذوف تقديره: فلما أخبروا بعبادته، وجواب «لما» محذوف تقديره: عجبوا. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 25).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كأنهم تقالوها» بتشديد اللام المضمومة، أي: استقلوها، وأصل تقالُّوها: تقاللوها، أي: رأى كل منهم أنها قليلة. فتح الباري (9/ 105).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الضمير في «تقالُّوها» يرجع إلى العبادة...، وقد ظنوا أن وظائف رسول الله -عليه السلام- من العبادات كثيرة...
واعلم أن قِلَّة وظائف النبي -عليه السلام- من العبادات إنما كانت رحمة على أمته؛ لأنه لو عمل عبادات كثيرة تجتهد أمته أن يعملوا مثل عمله، وحينئذٍ يلحقهم ضرر ومشقة؛ فلأجل هذا لم يعمل عبادات كثيرة. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 244).
قوله: «فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟» الاستفهام إنكاري، بمعنى النفي. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 26).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: بيننا وبينه بَوْنٌ بعيد، ومسافة طويلة، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة، وهو معصوم مأمون العاقبة، واثق بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الفتح:2، أعمالنا جُنَّة من العقاب، وأعماله مجْلَبَة للثواب، فنحن كالمضطر الذي لا مندوحة له عن العمل، وهو كالمتطوع الطالب للفضل. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 122-123).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وقد حفظوا الأدب ولم يعيبوا رسول الله -عليه السلام- بِقِلَّةِ عبادته، بل أظهروا عُذْرَهُ ولاموا أنفسهم في مقابلتهم أنفسهم بالنبي -عليه السلام-، وعلموا أن مقابلتهم أنفسهم بالنبي -عليه السلام- كان خطأ، فليتعلم المريدون والتلامذة مجالسة المشايخ والأُستاذين من هؤلاء، ولا ينبغي للمريد أن ينظر إلى الشيخ بعين الاحتقار، وإن رأى عبادته قليلة، بل ليظهر عذره، ولْيَلُمْ نفسه إن جرى في خاطره إنكار شيخه. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 244).
قوله: «قد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟!»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ما تقدم من ذنبه وما تأخر» كناية عن الكل والإحاطة. المنهل الحديث في شرح الحديث (4/ 26).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المعنى: أن من لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة، عسى أن يحصل بخلاف من حصل له، لكن قد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك ليس بلازم، فأشار إلى هذا بأنه أشدهم خشية، وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الربوبية. فتح الباري (9/ 105).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فيه وجوه كثيرة ذكرها السيوطي في رسالة مفردة، وأحسن الوجوه وأصوبها: أنها كلمة تشريف للنبي -صلى الله عليه وسلم- من ربه غير أن يكون هناك ذنب، وأراد أن يستوعب في الآية على عبده جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} الفتح: 2، والنعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} الفتح: 2، ودنيوية، وإن كانت ها هنا المقصود بها: الدين، وهي قوله تعالى: {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} الفتح: 3، فانتظم بذلك قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإتمام أنواع نعم الله تعالى عليه المعرفة على غيره؛ ولهذا جعل غاية الفتح المبين الذي عظمه بإسناده إليه بنون التعظيم، وجعله خاصًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، انتهى.
وملخصه: أنَّ هذه كلمة تشريف يشرف السيد عبده من غير أن يكون له ذنب يسنده إليه، فيقول: قد غفرت لك، فما عليك مؤاخذة عندي، فكن مجموع الهم، خليع العذار في خدمتي ومحبتي، فافهم -وبالله التوفيق-. لمعات التنقيح (1/ 451).
قوله: «قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أما أنا فأصلي الليل أبدًا» يعني: أصلي الليالي فلا أرقد. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 245).
قوله: «وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وقال الآخر: أنا أصوم..» أي: ولا أفطر في النهار، والإفطار: الأكل بعد الصوم. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 245).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أكَّد المصلي ومعتزل النساء بالتأبيد، ولم يؤكِّد الصيام؛ لأنه لا بد له من فطر الليالي، وكذا أيام العيد. فتح الباري (9/ 105).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: الصيام: اسم لترك المفطرات نهارًا، وليس فطر الليالي من مسماه، فطرها شرط فيه، وإلا كان مواصلًا، وهو منهي عنه، والأحسن أن يقال: ترك التقييد فيه لأنه يعلم بالقياس على أخويه إلا أنه يتعدد بعدد المتكلمين؛ لأنه لا يفيد أحد بكلام غيره، ووجه قيام الليل والصوم عبادة ظاهرة، وأما مجرَّد ترك الزواج، ففي كونه عبادة تأمل، إلا أنه لما دل على أن مراده ليتفرغ للعبادة، وأن التزوج أحد الأسباب المانعة عن التفرُّغ، والتوفر عليها عُدَّ عبادة. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 292).
قوله: «وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج» الاعتزال: الاجتناب والتباعد، يعني: أتباعد من النساء فلا أنكحهن أبدًا. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 245).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أنا أعتزل النساء» من باب إطلاق المسبب على السبب، أي: أنا أقصد اعتزال النساء ومجانبتها، فلا أتزوَّج أبدًا، وكذا التقدير في «أنا أصوم». الكاشف عن حقائق السنن (2/ 610).
قوله: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أنتم الذين» أي: أأنتم الذين، حُذِفَتْ همزة الإنكار التي وليت الفاعل المعنوي الْمُزَال عن مقرِّه؛ لمزيد الإنكار. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 610).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» يعني: أنتم الذين وضع كل واحد منكم على نفسه شيئًا من العبادات على مخالفتي، ولم أكن أمرت بها ولم أفعلها أنا؟. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 245).
قوله: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، «أما» بفتح الهمزة وتخفيف الميم معناه: اعلم، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والتثنية والجمع، أي: أشدكم خشية لله.
«وأتقاكم»، أي: أشدكم تقوى، والتقوى: الحذر والاجتناب من معصية الله تعالى، يعني: إن وضعتم هذه العبادات على أنفسكم من شدة خشيتكم وتقواكم لله تعالى، فإنَّ خشْيَتِي وتقواي أشد، ومع هذا ما وضعت على نفسي شيئًا مما وضعتم على أنفسكم، فلِمَ فعلتم شيئًا لم يأمركم به الله ولا رسوله؟! فلا تفعلوا هذا، فإن لأنفسكم عليكم حقًّا، وإن لأزواجكم عليكم حقًّا. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 245).
وقال فيصل بن مبارك -رحمه الله-:
الخشية: خوف مقرون بمعرفة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس. تطريز رياض الصالحين (ص: 115).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قال ابن المنير: هؤلاء بَنَوْا على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في خوف العقوبة، فلما علموا أنه -عليه السلام- مغفور له، ظنوا أن لا خوف، وحملوا قلَّة العبادة على ذلك، فردَّ -عليه السلام- ذلك، وبين أن خوف الإجلال أعظم من خوف العقوبة، وأبعث على العبادة، وحقق لهم أن الدوام أعظم من الإكثار المحقق؛ لأن الدائم -وإن قلَّ- أكثر من الكثير إذا انقطع. مصابيح الجامع (9/ 7-8).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أما والله إني لأخشاكم» أكَّد الحكم بكونه أخشى غاية تأكيد بأنواع مؤكِّدات، وهي: حرْفُ التنبيه؛ لئلا يغفل السامع عن سماعه، والقسم وإن واللام والجملة الاسمية. لمعات التنقيح (1/ 452).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أكَّد بالقسم زيادة في الحثِّ على الاقتداء به، وكالردِّ لما يظنونه من أن من غفر له لم يبق وجه لمخافته لدينه وخشيته من ربه؛ فأخبرهم مع كونه غير مبالغ في العبادة بأنه أخشاهم لله وأتقاهم له، وتأتي زيادة على هذا في النكاح. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 292).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» فيه إشارة إلى ردِّ ما بَنَوْا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة، بخلاف غيره، فأعلمهم أنه مع كونه يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يُشَدِّدون، وإنما كان كذلك؛ لأن الْمُشدَّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد، فإنه أمكنُ لاستمراره، وخير العمل ما داوم عليه صاحبه، وقد أرشد إلى ذلك في قوله في الحديث الآخر: «الْمُنْبَتُّ (وهو المسافر إذا هلكت راحلته) لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى». فتح الباري (9/ 105).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له» فإنه قاله جوابًا للقائلين، إنا لسنا كرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأعملهم أنه لم يزِدْه ذلك إلا خشية من الله وانفا له؛ لئلا يظنوا أنه خفَّف عبادة ربِّه اتِّكالًا على أنه قد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ولم يكن كذلك، بل الذي فعله هو الغاية القصوى في الجمع بين العبادات كلها، وعمارة الأرض بأسرها، ولا يكون الإنسان قادرًا على اتباع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عمارة الطرق بأسرها حتى يكون وفق الشرع، فيرى النكاح عبادة، والنظر عبادة إلى غيرهما من الأحوال التي يقوى على عمارة جميع الطرق. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 252-253).
وقال الملا علي القاري رحمه الله:
«وأتقاكم له» إشارة إلى أن الخشية التي لا تُوْرِثُ التقوى لا عبرة بها. مرقاة المفاتيح (1/ 228).
قوله: «لكني أصوم وأفطر»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «ولكني» استدراك من شيءٍ مطويٍّ دلَّ عليه السياق، كأنه قال: أنا، وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء، لكن أنا أعمل كذا. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 292).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لكني أصوم وأفطر» يعني: وإن كان يرى في الظاهر أن الكمال في الخشية والتقوى يقتضي الإفراط في الرياضة والمجاهدة، لكن الأمر ليس في الحقيقة كذلك؛ لأن الكمال إنما هو في التوسط والاعتدال، أو لأن الرحمة والشفقة على الأمة يقتضي ذلك. لمعات التنقيح (1/ 452-453).
قوله: «وأتزوج النساء»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وأتزوج النساء» لأن الله تعالى خلق النساء للرجال، وركَّب في الرجال والنساء الشهوة، كما خلق فيهم الاحتياج إلى الطعام، فكما أنه لا بد من الطعام فكذلك لا بد للرجال من النساء، والتزوج مباح، وهو سبب العبادات؛ لأنه يحصل به دفع الزنا من الرجال والنساء، ويؤجر الرجل بما يعطي زوجته من النفقة والكسوة، ويؤجر أيضًا بمكالمته ومجالسته إياها وتحصيل الأولاد.
والأولاد عباد الله، وأمة محمد -عليه السلام-، ولا شك أن تكثير عباد الله تعالى وأمة النبي -عليه السلام- عبادة، فإذا كان كذلك فلا ينبغي لمن يحتاج إلى النكاح ويقدر على تحصيل الكسوة والنفقة أن يترك التزوج. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 246).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وقد اختُلِف هل هو من العبادات أو المباحات؟، فقال الحنفية: هو سنة مؤكَّدة على الأصح، وقال الشافعية: من المباحات. إرشاد الساري (8/ 4).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
الصحيح عندنا (أي: الشافعية): أنه من المباحات؛ ولهذا يصح من الكافر. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (8/ 326).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
اعلم أن النكاح قد يكون واجبًا ومكروهًا وسنة، واجب على من قدر على مؤنة النكاح، وخاف على نفسه الزنا، ومكروهًا على من لم يخف من الزنا ولم يقدر على المؤنة، وسنة لمن قدر على المؤنة ولم يخف من الزنا، والحديث محمول على القسمين: الإيجاب والسنة. الكوثر الجاري (8/ 422).
قوله: «فمن رَغِبَ عن سنتي»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فمن رَغِبَ عن سنتي» كان من حق الظاهر: من رغب عن ذلك، فعمَّ ليشمل كل ما جاء به، وما أمر به ونهى عنه.
(الفاء) في «فمن رغب» متعلق بمحذوف، أي: لكني أفعل ذلك لأسُنَّ للناظر الطريقة المثلى والسُّنة الكملى؛ فمن رغب عنها فليس مني. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 610).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» المراد بالسنة: الطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من تَرَكَ طريقتي وأخذ بطريقة غيري، فليس مني، ولَمَّح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وَفَّوْه بما التزموه، وطريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- الحنيفية السمحة؛ فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل. فتح الباري (9/ 105).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: ما هو تلميح، بل هو تصريح على ما ذكره البغوي في المعالم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} المائدة: 87. مرقاة المفاتيح (1/ 228).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «فمن رغب عن سنتي» أي: مال عنه استهانة وزهدًا فيها، لا كسلًا وتهاونًا. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 123).
قوله: «فليس مني»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«فليس مني» أي: من أشياعي، وأهل ديني. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 123).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فليس مني» إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى: «فليس مني» أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كان إعراضًا وتنطُّعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحيَّة عمله؛ فمعنى: «فليس مني»: ليس على مِلَّتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر. فتح الباري (9/ 105-106).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فليس مني» يحتجُّ به من يقول بوجوب النكاح...، ولا حجة له فيه، إذ ذكر في أول الحديث: أن بعضهم قال: «لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش»، ثم قرن -عليه السلام- ذكر النكاح بالأكل والنوم، وعلى جميعه ردّ قوله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» لا على النكاح وحده، ولا قائل يقول بوجوب النوم على الفرش وأكل اللحم، فرد الكلام على النكاح وحده دون قرينة ولا دليل عليه: دعوى لا يُلْتَفَتُ إليها، فلم يبقَ إلا أن معناه ما تقدم. إكمال المعلم (4/ 528).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: لا يدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد: المداومة على إحدى الصِّفَتين، والحق: أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفُّه والبَطَرِ، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا؛ فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يُفْضِيْ إلى التنطُّع المنهي عنه، ويرد ُّعليه صريحُ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} الأعراف: 32، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يُفضي إلى الْمَلَلِ القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا، وترك التنفُّلِ يُفْضِي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط.
وفي قوله: «إني لأخشاكم لله» مع ما انضم إليه إشارة إلى ذلك، وفيه أيضًا: إشارة إلى أن العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقه أعظم قدرًا من مجرد العبادة البدنية -والله أعلم-. فتح الباري (9/ 106).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قلتُ: وترجم له (يعني: للحديث) البخاري باب: الترغيب في النكاح، وهذا يدل أيضًا على الترغيب في الصيام أحيانًا، والفطر أحيانًا، وعلى القيام تارة، والنوم أخرى، والكل طريقته -صلى الله عليه وسلم-، وهي أشرف الطرائق إلى الله وأعلاها، وخيرها وأولاها، والمراد من قوله: «أصلي وأرقد» أي: كل ليلة أفعل الأمرين، ولعل البخاري خصه بالدلالة على التزويج؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: وأدع الزواج، فدلَّ على أن ترك الزواج ليس من سننه بخلاف الفطر والنوم، فإفطاره طاعة ليتقوى على الصوم، ونومه طاعة ليتقوى على القيام، وهو دليل على فضل الاقتصاد في العبادة، وعدم الإفراط فيها، ودلَّ على ذمِّ التفريط في فرض العبادات الواجبة؛ ولذا قال لمن أقسم أن لا يزيد عليه ولا ينقص: «دخل الجنة إن صدق»، أو «أفلح» كما سلف. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 293).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه: أن النكاح من سنن الإسلام، وأنه لا رهبانية في شريعتنا، وأن من ترك النكاح رغبة عن سنة محمد -عليه السلام- فهو مذموم مبتدع، ومن تركه من أجل أنه أوفق له وأَعْوَن على العبادة فلا ملامة عليه؛ لأنه لم يرغب عن سنة نبيِّه وطريقته. شرح صحيح البخاري (7/ 160).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه: أن النكاح من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-... ومن الثابت برهانه على فضيلة النكاح أنه يجوز مع الإعسار، ولا ينتظر به حالة الثروة، بل هو سببها إن كانا فقيرين، قال الله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النور: 23، فندب إليه، ووعد به الغني، وقد سبق حديث الرجل الذي لم يجد خاتمًا من حديد يُصْدِقْ به زوجته، وهو نصٌّ على نكاح من لا يقدر على فطر ليلة بنائه بها، ولا شك أن الترجيح يتبع المصالح ومقاديرها مختلفة، وصاحب الشرع -صلى الله عليه وسلم- أعلم بتلك المقادير والمصالح. عمدة القاري (20/ 66).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في الحديث أحكام:
منها: وجوب تتبُّع آثاره -صلى الله عليه وسلم- في الجملة، فما كان منها واجبًا فُعِل على الوجوب، وما كان منها مندوبًا فُعِل على الندب، وقد يكون واجبًا عليه -صلى الله عليه وسلم-، مندوبًا في حقنا، وقد يكون عكسه.
ومنها: التوصل إلى العلم والخير بكل أحد من النساء والعبيد، إذا تعذر أخذه من أصل محله.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر ما اعتاده من الأعمال الشاقة التي يظن أنها طاعة؛ ليتبين أمرها، ويرجع عنها إلى السنة فيها.
ومنها: البيان بأفعال العلماء وأقوالهم، وأحوالهم.
ومنها: أن ملاذَّ النفس والبدن، إذا فعلها لامتثال الشرع فيما امتن به وأباحه؛ تصير طاعات مثابًا عليها.
ومنها: تحريم فعل الشيء الجائز أو الامتناع عنه رغبة عن السنة، بل إن فعله بغير مقصود شرعي عنادًا لمقصود الشرع اقتضى أن يكون كفرًا، وقد تقدَّم تأويل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من رَغِبَ عن سنتي فليس مني» ...، وإن كان جماعة من السلف قالوا: يُجْرَىْ كما ورد من غير تأويل؛ حيث إنه أبلغ في الردع عن مخالفة السنة.
ومنها: التنبيه على قاعدة عظيمة في باب التوحيد والتنزيه، وهي: أن الدوام وعدم الزوال ثابت لله، والتغيير وعدم الديمومة ثابت لما سواه.
ومنها: الحثُّ على متابعة السنة، والتحذير من مخالفتها -والله أعلم-. العدة في شرح العمدة؛ باختصار (3/ 1255-1257).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه.
وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة والاستحباب. فتح الباري؛ باختصار (9/ 106).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن معنى العبادة امتثال أمر المعبود، ومن ذلك: فضل الصلاة وقت الأمر بفعلها، وتركها وقت الأمر بتركها، وكذلك سائر العبادات، وقد جاءت شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبادات كثيرة من صوم، وصلاة، وحجٍّ، وجهاد، وإنفاق، وابتغاء ولد يخلف أباه في عبادة ربه وبِرِّه، وقراءة، وتعلُّم وتعليم إلى غير ذلك، فمتى مدَّ العابد الزمان في عبادة واحدة أضرَّ بباقي العبادات، فبِحَسب ما يزيد في شيء ينقص من غيره، وذلك لا يصلح. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 252).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال الطبري: وفيه ردٌّ على من منع من استعمال الحلال والمباحات من الأطعمة الطيبة والملابس اللَّيِّنَة، وآثر عليها غليظ الطعام، وخشن الثياب من الصوف وغيره، وإن كان صرف فضلها في وجوه البر؛ لأن حياطة (أي: حفظ الشيء من جميع جوانبه) جسم الإنسان، وصيانة صحته بذلك آكد وأولى، واحتج بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} الآية، الأعراف: 32، وقوله: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية، المائدة: 87.
قال القاضي (يعني: نفسه): وهذا باب قد اختلف فيه السلف كثيرًا؛ فمنهم من آثر ما قال الطبري، ومنهم من آثر ما أنكره، واحتج هؤلاء بقوله في ذمِّ أقوام: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} الأحقاف: 20، وقد احتج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بذلك، وحجة الآخر عليهم: أن الآية نزلت في الكفار، بدليل أول الآية وآخرها.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخذ بالأمرين، وشارك في الوجهين، فلبس مرة الصوف، والشملة الخشِنَة، ومرَّة البردة والرداء الحضرمي، وتارة أكل القِثَّاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجده، ومرَّة أكل الخوارين (جمع: خوران، وهو رأس المعي مما يلي الدبر)، ومختلف الطعام، كل ذلك ليدل على الرخصة بالجواز مرة، والفضل والزهد في الدنيا وملاذِّها أخرى، وكان يحب الحلواء والعسل، ويقول: «حُبِّبَ إِلَيَّ من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة». إكمال المعلم (4/ 528-529).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في الطاعات؛ لأن إتعاب النفس فيها والتشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع، والدين يسر، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، والشريعة الْمُطهَّرة مبنيَّة على التيسير وعدم التنفير. نيل الأوطار (6/ 123).
وقال فيصل بن مبارك -رحمه الله-:
وفي الحديث: النهي عن التعمُّق في الدين والتشبُّه بالمبتدعين. تطريز رياض الصالحين (ص: 115).
وقال الشيخ البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
1- حب الصحابة -رضي الله عنهم- للخير، ورغبتهم فيه وفي الاقتداء بنبيهم -صلى الله عليه وسلم-.
2- سماح هذه الشريعة ويسرها؛ أخذًا من عمل نبيها -صلى الله عليه وسلم- وهديه.
3- أن الخير والبركة في الاقتداء به، واتباع أحواله الشريفة.
4- أن ترك ملاذِّ الحياة المباحة زهادة وعبادةً، خروج عن السنة المطهرة واتباع لغير سبيل المؤمنين.
5- الرغبة عن الشيء تعني: الإعراض عنه، والممنوع أن يترك ذلك تنطُّعًا ورهبانية، فهذا مخالف للشرع، وإذا كان تركه من باب التورُّع لقيام شبهة في حله ونحو ذلك من المقاصد المحمودة لم يكن ممنوعًا. تيسير العلام، باختصار (ص: 567).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد كثيرة؛ منها:
ومنها: أن العبادة قد تكون مكروهة لا لذاتها؛ ولكن لما يعرض لها من وصف، فالصلاة من أحب الأعمال إلى الله، ومع ذلك إذا التزم بها الإنسان على هذا الوجه صارت إما محرمة أو مكروهة على الأقل.
ومن فوائد الحديث: مبادرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لإبطال الباطل؛ لأنه من حيث ما ذكروا له ذلك قام وخطب ونهى عنه، ويترتب على هذا أن نقتدي به، وأن نبادر بإنكار الباطل.
ومن فوائد الحديث: بيان ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الدين اليسر؛ لقوله: «أصلي وأنام، وأصوم وأفطر».
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه في العبادة؛ وذلك لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيَّن منهاجه وسيرته في عبادته أن يجمع بين راحة البدن وبين عبادة الله.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الصوم على وجه الإطلاق؛ لقوله: «أصوم وأفطر»، وهذا يشمل الصوم المطلق والصوم المعين المقيد؛ كصوم الاثنين والخميس.
ومن فوائد الحديث: مشروعية النكاح؛ لأنه هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لقوله: «وأتزوج النساء».
ومن فوائد الحديث: أن من اشتد تمسكه بالسنة فهو من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكن منه حِسًّا أو معنى؟ معنى، بمعنى: أنه تابع له تمام الاتباع.
ومن فوائد الحديث: أن السنة تطلق على الطريقة، فتشمل الواجب والمستحب. فتح ذي الجلال والإكرام؛ باختصار (4/ 427-429).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
وفيه: رفقه -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه وأخذهم بالتي هي أحسن.
وفيه: حث على وجوب اتباع الرسول في أعماله. المنهل الحديث في شرح الحديث، باختصار (4/ 28-29).