«عن عائشة -رضي الله عنها- أنها اشترت نُمْرُقَة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام على الباب فلم يدخل، فَعَرَفَتْ أو فَعَرَفْتُ في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله، فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما بال هذه النُّمْرُقَة؟ فقالت: اشتريتها لكَ تقعد عليها وتوَسَّدها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة».
رواه البخاري برقم: (2105)، ومسلم برقم: (2107) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«النُّمْرُقة»:
النُّمْرُقُ والنُّمْرُقَةُ: وسادة صغيرة، والنِّمرِقَةُ بالكسر: لغة وربما سمَّوُا الطِّنفيسة التي فوق الرَّحل نُمْرُقة. مختار الصحاح (ص: 688).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
النمرقة: جمعها: نمارق، وهي الوسادة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (14/ 228).
شرح الحديث
قوله: «أنها اشترت نُمْرُقَة فيها تصاوير»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«فيها تصاوير» أي: صور الحيوانات، إذ لا حُرْمَة في غيرها. الكوثر الجاري(4/ 398).
قولها: «فعرفْتُ -أو فعرَفَتْ- في وجهه الكراهية»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في وجهه الكراهية» أي: أثرها، فعرفَتْ وجه غضبه وعدم دخوله. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
قولها: «يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أتوب» أي: أرجع من المخالفة. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أتوب إلى الله وإلى رسوله» كرَّرَ الجار تأكيدًا وقصدًا إلى التوبة، والرجوع إلى رسول الله مستقلًا. لمعات التنقيح (7/ 457).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى الله وإلى رسوله» أي: رضاهما، وفي إعادة إلى دلالة على استقلال الرجوع إلى كل منهما. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
قوله: «فماذا أذنبت؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ماذا أذنبت؟» أي: ما أطلعت على ذنب. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ما أذنبت؟» فيه أدبٌ حسنٌ من الصديقة -رضي الله عنها- حيث قدَّمت التوبة على اطِّلَاعِها على الذنب، ونحوه قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} التوبة: 43، قدَّم العفو تلطُّفًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بدأ بالعفو قبل إبداء الذنب، كما قدَّمت التوبة على عرفان الذنب؛ ومن ثمَّة قالت: «ما أذنبت؟» أي: ما اطلعت على ذنب؛ ومن ثم حسن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما بال هذه النُّمْرُقَة». الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2946).
وقال العسقلاني -رحمه الله-:
«ماذا أذنبت؟» فيه: جواز التوبة من الذنوب كلها إجمالًا، وإن لم يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حصلت به مؤاخذته. إرشاد الساري (4/ 41).
قوله: «ما بال هذه النُّمْرُقَة؟»:
قال العسقلاني -رحمه الله-:
«ما بال هذه النُّمْرُقَة؟» ما شأنها فيها تماثيل. إرشاد الساري (8/ 77).
قوله: «فقالت: اشتريتها لك تقعد عليها وتوَسَّدها»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«توَسَّدها» من التوسيد، وفي بعضها من التَّوَسُّد. الكواكب الدراري (21/ 137).
قوله: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون»:
قال العسقلاني -رحمه الله-:
«أصحاب هذه الصور» المصورين ما له روح. إرشاد الساري (4/ 41).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أصحاب هذه الصور» وهو يشمل من يعملها ومن يستعملها. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» والجملة الثانية يحتمل كونها تفسيرًا للتعذيب...، ويحتمل: أن يكون خبرًا بعد خبر، أو حالًا من مرفوع الفعل قبله. دليل الفالحين (8/ 507).
قوله: «ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أحيوا ما خلقتم» أي: انفخوا الروح فيما صورتم. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أحيوا» أي: اجعلوه حيوانًا ذا روح، وهو الذي يسميه الأصوليون: أمر تعجيز. الكواكب الدراري(21/ 134).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: يُبَكَّتُون ويُلزَمون بإحياء ما صوروه، ولا قدرة لهم على ذلك البتَّة. دليل الفالحين (8/ 507).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«ما خلقتم» أي: ما قدرتم وصوَّرتم بصور الحيوان. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (14/ 228).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ما خلقتم» أي: ما صوَّرتم، فعدل إليه تهكُّمًا بهم، وبمضاهاتهم الخالق في إنشاء الصور. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2946).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
شبَّه تصويرهم بالخَلْقِ، فعبَّر عنه به سُخرية بهم. شرح المصابيح (5/ 81).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما نسب خلقها إليهم توبيخًا لهم وتقريعًا لهم في مضاهاتهم الله -عزَّ وجلَّ- في خلقه، فبَكَّتَهم بأن قال لهم: فإذ قد شابهتم بما صوَّرتم مخلوقات الرب، فأحيوا ما خلقتم كما أحيا هو تعالى ما خلق، فينقطعون بهذه المطالبة حين لا يستطيعون نفخ الروح في ذلك. شرح صحيح البخاري (10/ 554).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أحيوا ما خلقتم» ... ، دليل على أن هذا الوعيد في المصور لما له روح، خلاف ما لا روح فيه من الثمار، فقد أجاز هذا العلماء، وأجازوا صنعته والتكسب به، إلا مجاهدًا فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه، ولم يقله غيره. إكمال المعلم (6/ 638).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فدلَّ على أن التصوير حرام، وهو مُشْعِرٌ بأن استعمال الصور ممنوع؛ لأنه سبب لذلك، وباعث عليه مع ما فيه من أنه زينة الدنيا. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ويستفاد منه (يعني: من قوله: «أحيوا..») صفة عذاب المصورين، وهو أنه يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها، وهو لا يقدر على ذلك، فيستمرُّ تعذيبه. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 644-645).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الكرماني: ظاهره: أنه من تكليف ما لا يطاق.
وليس كذلك، وإنما القصد: طول تعذيبه، وإظهار عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في توبيخه، وبيان قبح فعله. فتح الباري (10/ 394).
قوله: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إن البيت الذي فيه الصورة» وهي بظاهرها تشتمل جميع الصور في جميع أماكن البيت. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فيه صورة» أي: صورة الحيوان، كما قاله ابن عباس، وقيَّده الفقهاء بأن يكون كامل الصورة، حتى لو كان مقطوع الرأس، أو كان مهانًا على البسط المفروشة لا بأس به. الكوثر الجاري(6/ 179).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«لا تدخله الملائكة» أي: الملائكة الطائفون في الأرض. الكوثر الجاري (4/ 399).
وقال العسقلاني -رحمه الله-:
المراد: غير الحفظة، أما الحفظة فلا يفارقون الإنسان إلا عند الجماع والخلاء. إرشاد الساري (4/ 41).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وكذا لا تدخله (يعني: البيت الذي فيه صور) الأنبياء وأتباعهم من الأولياء. مرقاة المفاتيح (7/ 2850).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الملائكة» فإن قلتَ: ما حكم الكرام الكاتبين؟
قلتُ: إما أنه عامٌّ مخصوص، وإما أن يلتزم عدم دخولهم. الكواكب الدراري(10/ 5).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الظاهر: العموم، والمخصِّصْ ليس نصًّا. المفهم (5/ 421).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على كلام القرطبي:
قلتُ: ويؤيده أنه ليس من الجائز أن يطلعهم الله تعالى على عمل العبد، ويسمعهم قوله وهم بباب الدار التي هو فيها مثلًا، ويقابل القول بالتعميم القول بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول من ادَّعى أن ذلك كان من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- ...، وهو شاذٌّ. فتح الباري (10/ 381).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه التمثال؛ لأن مُتَّخِذها في بيته قد تشبَّه بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم، ويعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك منه، فلم تدخل بيته هُجْرانًا له، وغضبًا عليه. المفهم (5/ 421-422).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يُعْبَدُ من دون الله تعالى. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 84).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تأويل خبر عائشة هذا، وحديث عبيد الله: «إلا رقمًا في ثوب» فقيل: خبر عائشة منسوخ؛ لأن الرخصة نَسَخَتِ الشِّدَّةَ، فإن النهي كان لِحُدْثانهم بكفر وبعبادة الصُّوَر، ثم أبيح ما كان رقمًا في ثوب للضرورة في اتخاذ الثياب، ولأن الجاهل يؤمن عليه تعظيم ما يطؤه ويمتهنه، وبقي النهي فيما يُرَفَّه ولا يُمْتَهَنُ، وفيما لا حاجة للناس في اتخاذه، وفيما كان في حجر يبقى وله ظل؛ لأن فيه التشبيه بخلق الله، وقيل: حديثها في النُّمْرُقة مُفَسِّر لكل حديث جاء في الصور وناسخ له؛ لأنه خبر، والخبر لا ينسخ، قاله الداودي.
وقال أبو عبد الملك: خبر عائشة منسوخ.
فإن قلتَ: كيف يُنْسَخُ وقد أخبر بما يكون في الآخرة، والخبر لا ينسخ؛ لأنه يدخل في ذلك الكذب؟
قيل له: هذا أمر اختلف فيه الناس، وإذا قارن الخبر الأمر جاز فيه النسخ، وهذا قارنه الأمر، ووقع النسخ في الأمر، وهي العبادة التي أمرهم بأن لا يتَّخذوها، ثم نسخ ذلك بالإباحة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (28/ 208).
وقال العسقلاني -رحمه الله-:
وإذا حصل الوعيد لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع سبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد. إرشاد الساري (4/ 41).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
وهذا يدل على تعظيم شأن الصور وشِدَّة خطرها، فلا يجوز تعليقها؛ ولهذا هتكها، وفيه الوعيد على الصور المرقومة كما هو الوعيد على الصور المجسمة. الحلل الإبريزية (4/ 63).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية) وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يُمْتَهَنُ أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، أو فلس، أو إناء، أو حائط، أو غيرها.
وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان؛ فليس بحرام؛ هذا حكمُ نفسِ التصويرِ.
وأما اتخاذ المصوِّر فيه صورة حيوان فإن كان معلَّقًا على حائط أو ثوب ملبوس أو عمامة ونحو ذلك مما لا يُعَدُّ مُمْتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يُمْتَهَنُ فليس بحرام...، ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 81).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على كلام النووي:
قلتُ: ويؤيد التعميم فيما له ظل، وفيما لا ظل له: ما أخرجه أحمد من حديث عليٍّ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره، ولا صورة إلا لطخها» أي: طمسها. فتح الباري (10/ 384).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف الناس في هذه الأحكام، فذهب بعضهم إلى أن الممنوع من ذلك ما كان له ظل، فأما ما لا ظل له فلا بأس به، وذهب بعضهم إلى منع الصور على العموم واستعمال ما هي فيه، ودخول البيت التي هي فيه، رقمًا كانت أو غير رَقْمٍ، في ثوب أو آلة أو حائط، يمتهن أو لا يمتهن، وهو مذهب ابن شهاب على ظاهر بعض الأحاديث العامة في ذلك، ومنه حديث النمرقة وغيره.
وذهب آخرون إلى جواز كل ما كان منها رقمًا في ثوب تمتهن أو لا تمتهن، مما يعلق أم لا، وكره ما كان له ظل أو كان مصوَّرًا في الحيطان وشبهها، مرقومًا أو غير مرقوم، وحجتهم: قوله: «رقمًا في ثوب»، فخَصُّوْهُ بالثوب، وهو مذهب القاسم بن محمد.
وذهب آخرون إلى كراهة ما كان منها في غير ثوب، وكراهة ما كان منها في ثوب لا يمتهن، أو يعلق لنصبه منصب العبادة، وعادة الكفار المعظمين لها، وأجازوا ما كان من ذلك رقمًا في ثوب يمتهن ويوطأ، وحجتهم: هتك النبي -صلى الله عليه وسلم- القِرَام، واستعماله للوسادتين منه بعد ذلك، واتكاؤه على إحداهما على ما جاء في الأحاديث، وهو أوسط الأقاويل وأصحها، والجامع للأحاديث المختلفة في ذلك، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، وقول مالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي، ولا يختلف في كراهة ما كان له ظل، ووجوب تغييره وكسره، إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل لها لابنته؛ لأنه ليس من أخلاق أهل المروءة والهيئات، وقد ذهب بعض الناس إلى أن اللعب بالبنات وإباحته منسوخ بهذه الأحاديث. إكمال المعلم (6/ 634-635).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا الحديث من أصح ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب، وهو مخالف لحديث أبي النضر في قوله: «إلا ما كان رقمًا في ثوب» لأن هذا قد صرَّح بأن الصورة في الثوب لا يجوز اتخاذها، ولا استعمال الثوب الذي هي فيه، وذكر فيه من الوعيد ما ترى، وهو غاية في تحريم عمل الصور في الثياب وغيرها، ولم يخص منها ما يوطأ ويتوسد مما يمتهن، وينصب، هذا ما يوجبه ظاهر هذا الحديث، وهو أشد حديث روي في هذا الباب، وهو أحسنها إسنادًا وأصحها نقلًا. الاستذكار (8/ 486).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وإذا ثبت التشديد في التصوير، فهو منكر من المنكرات يجب إنكاره إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر فالحضور مع عدم الاضطرار إليه مشاهدة منكر من غير ضرورة، فالقواعد تمنعه. شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (2/ 267).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقال بعض العلماء: إن رأس الصورة إذا قُطِعَتْ فهو تغيير لها، ويباح اتخاذها حينئذٍ، وقد جاء في هذا أثر ذكره أبو داود، وعليه تأول بعضهم اتخاذ القِرَام وسائد؛ إذ لعله في قطعه وهتك النبي -صلى الله عليه وسلم- له تقطعت صورته وانقسمت أشكالها، فلم يبق منها في وسادة منها صورة كاملة، وهذا يقوله من يمنعها في الممتهن وغيره، وإذا كان هذا لم تكن فيه حجة في جواز اتخاذها فيما يمتهن. إكمال المعلم (6/ 639).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه: بيان أن الصور أينما وجدت في سقف بيت، أو وجه جدار، أو فراش، أو بساط، كان لها شخص ماثل، أو لم يكن؛ فهي محرمة. أعلام الحديث (2/ 1028).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على أن امتناع دخول الملائكة في بيت فيه صورة، إنما هو لأجلها، سواء كانت مباحة أو حرامًا. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2946).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذه الأحاديث تدل على أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله عنه ورسوله، وما كان مثله من المناكير، ألا ترى أنه -عليه السلام- رجع من بيت عائشة حين رأى النمرقة بالتصاوير، وقد جاء الوعيد في المصورين أنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وأنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، فلا ينبغي حضور المنكر والمعاصي ولا مجالسة أهلها عليها؛ لأن ذلك إظهار للرضا بها، ومن كثَّر سواد قوم فهو منهم، ولا يأمن فاعل ذلك حلول سخط الله وعقابه عليهم، وشمول لعنته لجميعهم. شرح صحيح البخاري (7/ 292).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدلَّ به على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لِلُحُوْقِ الوعيد بمن تشبه بالخالق، فدل على أن غير الله ليس بخالق حقيقة، وقد أجاب بعضهم بأن الوعيد وقع على خلق الجواهر، وردَّ بأن الوعيد لاحِقٌ باعتبار الشكل والهيئة، وليس ذلك بجوهر، وأما استثناء غير ذي الروح فورد مورد الرخصة. فتح الباري (10/ 394).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذكر ما يستفاد منه، وهو على وجوه:
الأول: أن بيع الثياب التي فيها الصور المكروهة، فظاهر حديث عائشة: أن بيعها لا يجوز، لكن قد جاءت آثار مرفوعة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تدل على جواز بيع ما تمتهن فيها الصورة، منها: ستر عائشة فيه تصاوير فهتكه -صلى الله عليه وسلم- فجعلته قطعتين، فاتكأ -صلى الله عليه وسلم- على إحداهما، رواه وكيع عن أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها، فإذا تعارضت الآثار فالأصل الإباحة حتى يَرِدَ الحظر.
ويحتمل: أن يكون معنى حديث عائشة في النُّمْرُقة لو لم يعارضه غيره محمولًا على الكراهة دون التحريم، بدليل أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يفسخ البيع في النمرقة التي اشترتها عائشة؟
الثاني: أن تصوير الحيوان حرام، واختلفوا في هذا الباب، فقال قوم من أهل الحديث وطائفة من الظاهرية: التصوير حرام سواء في ذلك ظاهر حديث عبد الله، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» رواه مسلم وغيره.
وقال الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث: كل صورة لا تشبه صورة الحيوان كصور الشجر والحجر والجبل ونحو ذلك فلا بأس بها...
الثالث: فيه أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وقد مرَّ عن قريب أن المراد من الملائكة غير الحفظة. عمدة القاري (11/ 224).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل به على جواز تصوير ما لا روح له من شجر أو شمس أو قمر، ونقل الشيخ أبو محمد الجويني وجهًا بالمنع؛ لأن من الكفار من عبدها.
قلتُ: ولا يلزم من تعذيب من يصور ما فيه روح بما ذكر تجويز تصوير ما لا روح فيه. فتح الباري (10/ 394).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: تحريم التصوير، وأنه من كبائر الذنوب. تطريز رياض الصالحين (ص: 946).
وانظر تفصيل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- لحكم الصور وما الراجح فيها (هنا)