«صلَّى بِنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العصر المُخَمَّص، فقال: إنِّ هذه الصلاة عُرضت على مَن كان قبلَكُم فضيَّعوها، فمَن حافظ عليها كان له أَجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد»، (والشاهد: النجم).
رواه مسلم برقم: (830)، من حديث أبي بصرة، حُميل بن بَصرة الغِفاري -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
«المُخَمَّص»:
بخاء معجمة: طريق في جبل عَيرٍ الى مكة. معجم البلدان لياقوت الحموي (5/٧٣).
شرح الحديث
قوله: «إن هذه الصلاة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إن هذه» أي: صلاة العصر. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
قوله: «عرضت»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عرضت» أي: بالمحافظة. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
قوله: «على من كان قبلكم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«على من كان قبلكم» أي: من اليهود والنصارى. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
قوله: «فضيَّعوها»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فضيَّعوها» أي: ما قاموا بحقِّها، وما حافظوا على مراعاتها، فأهلكهم الله تعالى، فاحذروا أن تكونوا مثلهم؛ ولذا قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} البقرة: 238، أي: العصر على الصحيح خُصَّتْ بالمحافظة. مرقاة المفاتيح(3/ 829).
قوله: «فمَن حافظ عليها كان له أجره مرتين»:
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «له أجره مرَّتين» أي: مضاعفًا. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1162).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أجره مرَّتين» أقول: إحداهما: للمحافظة عليها؛ خلافًا لمن قبلهم، وثانيتهما: أجر عمله كسائر الصلاة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1124).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أو أجر للمحافظة على العبادة، وأجر لترك البيع والشراء بالزهادة، فإن وقت العصر كان زمان سوقهم وأوان شغلهم. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن حجر (الهيتمي): مرَّة لفضلها؛ لأنها الوسطى، ومرَّة للمحافظة عليها، ومشاركة بقية الصلوات لها في هذا لا تؤثِّر في تخصيصها بمجموع الأمرين. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
ويحتمل: أنه وعدٌ من الله بمضاعفة الأجر عليها من غير سبب لذلك، إلا محض فضل الله. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1162).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ما قاله الطيبي -رحمه الله- أظهر؛ فتأمل -والله أعلم-. البحر المحيط الثجاج (16/ 597).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين» يشعر بتأكُّدِها على غيرها، وذلك مما يدل على أنها الصلاة الوسطى. المفهم (2/ 458).
قوله: «ولا صلاة بعدها»:
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «ولا صلاة بعدها» أي: لا تُصلُّوا بعدها؛ فهو نفي بمعنى النهي. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1162).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا صلاة بعدها» أي: بعد صلاة العصر، وفيه إشارة إلى أنها بذاتها غير ممنوعة، ولو كان حين الغروب -كما قاله أبو حنيفة-. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
قوله: «حتى يطلع الشاهد»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يطلع الشاهد» أي: يدل الدليل على دخول الليل. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
أما قوله: «حتى يطلع الشاهد» وفسره بأنه النجم، فيحتمل: أن المراد: أن الصلاة وإن حلَّت بغروب الشمس؛ لكن المقَدَّم صلاة الفرض، وهو لا يخلص منها حتى يطلع الشاهد، فيكون وقت صلاة النافلة، لكن يشكل عليه الحديث الصحيح في الركعتين قبل المغرب، فيكون ذلك مخصصًا لهذا العموم -والله أعلم-. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (4/ 1162).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تأويله: فمنهم من حمله على كراهة التنفُّل قبل المغرب حتى تصلى، وهو قول من كره ذلك من العلماء، وقال: قوله: «لا صلاة بعدها» إنما هو نهي عن التنفل بعد العصر؛ فيستمر النهي حتى تصلى المغرب، فإذا فرغ منها حينئذٍ جاز التنفل، وحينئذٍ تطلع النجوم غالبًا.
ومنهم من قال: إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس، وإنما علَّقه بطلوع الشاهد؛ لأنه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب نفسه.
ومنهم من زعم: أن الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها.
وزعم بعضهم: أن المراد بالشاهد: الليل، وفيه بُعْدٌ. فتح الباري (4/ 354-355).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي الأظهر والأرجح: أنه عنى بقوله: «حتى يطلع الشاهد» غروب الشمس؛ وذلك لأن ظهور النجم ورؤيته لا يكون إلا بغروبها، وهذا لا ينافي النصوص الثابتة: أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى المغرب بغروب الشمس، كما في الصحيحين وغيرهما، فلا حاجة لتضعيف هذا الحديث بالأحاديث التي دلت على استحباب. البحر المحيط الثجاج (16/ 598).
وقال العدوي –رحمه الله-:
ولم يقل: حتى تغرب الشمس، مع أن غروب الشمس أظهر في التقدير، ولعل وجه التقدير بطلوع ذلك النجم: أن وجوده دليل على تحقق الغروب. حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/ 247).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والعجب من استدلال الجلال للرافضة في قولهم بتأخير صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم؛ لحديث: «لا حتى يطلع الشاهد» ...، والشاهد: النجم، ثم تكميل هذا الاحتجاج الساقط بقوله، ولام النجم للاستغراق؛ فيا لله العجب من وقوع هذا المحقق في مثل هذه المضايق، التي يتحاشى كل عارف أن يقع في مثلها، وهب أن قول: والشاهد النَّجم ليس بمدرج، وأنه من كلام النُّبوة؛ فكيف يحمل على الاستغراق فيكون مدلوله: أن تطلع نجوم السماء كُلُّها حتى لا يبقى نجم، وهكذا لو قال قائل لآخر: لا أكرمك حتى يأتي الرجل، وهو غير مريد لرجل بعينه؛ كان مدلوله على ما زعم الجلال: امتناع الإكرام حتى يأتي كل رجل في الدنيا؛ فأي فهم يسبق إلى مثل هذا، أو أي علم يدل عليه ويُسْتَفاد منه. السيل الجرار (ص: 116).
قوله: «والشاهد: النجم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والشاهد: النجم» أي: أحد الشاهدين ظهوره؛ إذ بغيبة الشمس يظهر نوره. مرقاة المفاتيح (3/ 829).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
سمُّاه الشاهد؛ لأنه يشهد بالليل، أي: يحضر ويظهر، ومنه قيل لصلاة المغرب: «صلاة الشاهد». النهاية (2/ 514).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا:
أقول: ويجوز أن يحمل على الاستعارة، شبه النجم عند طلوعه دليلًا على وجود الليل بالشاهد الذي تثبت به الدعاوى. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1124).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: "والشاهد النجم"، يحتمل أن يكون مرفوعًا، كما هو ظاهر رواية المصنف والنسائي.
ويحتمل أن يكون مدرجًا من أحد الرواة، ويدل عليه ما في المسند: (6/ 397) قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، ثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني ابن لهيعة، أنا عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت أبا تميم الجيشاني، عن أبي بصرة الغفاري، قال: «صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في واد من أوديتهم يقال له: المخمص صلاة العصر، فقال: إن هذه الصلاة صلاة العصر عرضت على الذين من قبلكم، فضيعوها، ألا ومن صلاها ضُعِّف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد».
قلت لابن لهيعة: ما الشاهد؟ قال: الكوكب، الأعراب يسمون الكوكب شاهد الليل. انتهى.
فهذا يدل على أن التفسير من ابن لهيعة، وفيه ابن لهيعة؛ وهو متكلم فيه. البحر المحيط الثجاج (16/ 599).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: فضيلة العصر وشدَّة الحثِّ عليها. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 113).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دالٌّ على أجر المحافظة على صلاة العصر، وعلى أنه لا صلاة بعدها إلى غروب الشمس، وأما ما ورد من أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بعد العصر ركعتين، فإنه قد بيَّن سببها، وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- أتاه مال فشغله تفريقه عن ركعتي الظهر، ثم قضاهما بعد العصر، ثم استمر عليهما، وورد أنها قالت له أم سلمة: أنه هل يقضي أحد ركعتي الظهر بعد العصر كما صنع؟ فقال: «لا». التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 147).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان عظم شأن صلاة العصر، وشدة الحث عليها، حيث إنها عرضت على الأمم السابقة، وأمروا بالمحافظة عليها.
ومنها: بيان فضيلة هذه الأمة، حيث إنها قامت بالمحافظة على صلاة لم يقم بها من تقدمها من الأمم، وهذا فضل من الله -عزَّ وجلَّ- عظيم، وتوفيق منه جسيم، فله الحمد أولًا وآخرًا.
ومنها: بيان مضاعفة الأجر لمن حافظ على صلاة العصر مرتين.
ومنها: بيان النهي عن الصلاة بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، ولكن ليس على إطلاقه، فقد صح إباحة الصلاة بعد العصر، والشمس بيضاء مرتفعة، في حديث علي -رضي الله عنه-، وكذا إباحة ذوات الأسباب -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (16/ 601).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في صلاة العصر: «إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها..» يحتج به من يراها الصلاة الوسطى. إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 206).