أُتِيَ بأَبي قُحَافةَ يومَ فتحِ مكَّةَ، ورأسُهُ ولحيتُهُ كالثَّغامةِ بياضًا، فقال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «غَيِّرُوا هذا بشيءٍ، واجْتَنِبُوا السَّوادَ».
رواه مسلم برقم: (2102)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «غَيِّرُوا هذا بشيءٍ» دون ذِكر اجتناب السَّواد.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«كالثَّغامة»:
الثَّغامَةُ: نباتٌ ذو ساق، وجمعه ثَغامٌ، مثل هامة الشيخ. العين، للخليل بن أحمد (4/ 403).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هُوَ نبْت أبيضُ الزَّهْر وَالثَّمَرِ يشَبَّه بِهِ الشَّيب. وقِيلَ هي شجرة تَبْيَضُّ كأنها الثَّلجُ. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 214).
شرح الحديث
قوله: «أُتي بأبي قحافةَ يومَ فتحِ مكةَ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أبو قحافة اسمه عثمان بن عامر، والذي جاء به يوم الفتح ابنه أبو بكر الصديق. كشف المشكل (3/ 82).
قوله: «ورأسُه ولحيتُه كالثَّغامةِ بياضًا»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ورأسه ولحيته» أي: شعرهما. دليل الفالحين (8/ 475).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
ثَغَامة يعني: نبتًا أو شجرًا يقال له: الثَّغَام، وهو أبيض الثمر والزَّهْر، فشبَّه بياض الشيب به. غريب الحديث (2/ 278).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الثَّغامة» بالفتح: الشوكة البيضاء، وقيل: نبتٌ يَبْيَضُّ إذا يبس، ويُشَبَّه به الشيب، وقيل: شجر أبيض الثمر أو الزهر، و«بياضًا» تمييز عن النسبة التي هي التشبيه. تحفة الأبرار (3/ 156).
قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيِّروا هذا بشيءٍ»
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «غيِّروا هذا الشيب» أمر بتغيير الشَّيب، قال به جماعة من الخلفاء والصحابة، لكن لم يصر أَحد إلى أنه على الوجوب، وإنما هو مُستحب، وقد رأى بعضهم أنَّ ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره؛ متمسِّكين في ذلك بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تغيير الشَّيب على ما ذكروه، وبأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يغير شَيْبَهُ، ولا اختضب.
قلتُ: وهذا القول ليس بشيء؛ أما الحديث الذي ذكروهُ فليس بمعروف، ولو كان معروفًا فلا يبلغ في الصحة إلى هذا الحديث، وأما قولهم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يخضب فليس بصحيح، بل قد صح عنه أنه خضب بالحناء وبالصُّفرة. المفهم (5/ 418).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«غيِّروا هذا» أي: اخضبوه بخضاب سوى السَّواد. المفاتيح (5/ 39).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: الأمر في هذا محمول على حالين:
أحدهما: حيث كان عادة البلد الصبغ به، فأما إذا كان في موضع ترك فيه الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة يُستقبح.
وثانيهما: اختلاف حال الناس، فرُبَّ شَيبة نقيَّة هي أجمل منها في البياض من المصبوغة وبالعكس، فمَن قَبَّحه الخضاب اجتنبه، ومن حسَّنه استعمله. شرح سنن أبي داود (16/ 568).
وقال السندي -رحمه الله-:
«غيِّروا هذا» هذا إذا كان الشَّيب غير مستحسن عند الطباع، والناس في ذلك مختلفون -والله تعالى أعلم-. فتح الودود (4/ 179).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«غيِّروا» والجمهور على أن هذا الأمر للاستحباب، ومنهم من قال بوجوبه، لكن المرجَّح عند أهل العلم أنه مستحب استحبابًا متأكدًا. شرح الموطأ (174/ 15).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قد اختَلف السلف قَبْلنا في تغيير الشيب، فرأى بعضهم أنَّ أَمْرَ النبي -عليه السلام- بصَبْغِهِ نَدْبٌ، وأنَّ تغييره أولى مِن تركه أبيض، ذكر من رأى ذلك: روي عن قيس بن أبي حازم قال: كان أبو بكر الصديق يخرج إلينا وكأنَّ لحيته صرام العَرْفَج (اسم لنبت في البادية شديد الحمرة) من الحناء والكتم، وعن أنس أن أبا بكر وعمر كان يخضبان بالحناء والكتم، وكان الشعبي وابن أبي مليكة يخضبان بالسواد، ويقول: هو أَسْكَنُ للزوجة، وأَهْيَبُ للعدو، وعن ابن مليكة أن عثمان كان يخضب بالسواد، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يخضبون بالسواد، ومن التابعين: علي بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو بردة، وروى ابن وهب عن مالك قال: لم أسمع في صبغ الشَّعر بالسواد بنهي معلوم، وغيره أحب إليَّ، وممن كان يخضب بالصُّفرة علي بن أبي طالب وابن عمر والمغيرة بن شعبة وجرير البجلي وأبو هريرة وأنس بن مالك، ومن التابعين عطاء وأبو وائل والحسن وطاوس وسعيد بن المسيب، واعتلَّ مغيرو الشَّيب من حديث أبي هريرة وغيره بما رواه مطر الوراق، عن أبي رجاء، عن جابر قال: «جيء بأبي قحافة إلى النبي ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة بيضاء، فأمر رسول الله أن يغيروه، فحمَّرُوه».
ورأى آخرون ترك الشعر أبيض من تغييره، وأن الصحيح عنه -عليه السلام- نهيه عن تغيير الشيب، وقالوا: توفي النبي -عليه السلام- وقد بدا في عَنْفَقَتِهِ(وهي الشَّعر الذي في الشفة السُّفلى) ورأسه الشيب، ولم يُغيره بشيء، ولو كان تغييره الاختيار لكان هو قد آثر الأفضل، ذكر من رأى ذلك: قال أبو إسحاق الهمداني: رأيتُ علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية، وقاله الشعبي، وكان أُبي بن كعب أبيض اللحية، وعن أنس ومالك بن أوس وسلمة بن الأكوع أنهم كانوا لا يغيرون الشيب، وعن أبي الطفيل وأبي برزة الأسلمي مثله، وكان أبو مجلز وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب لا يخضبون، واعتلُّوا بما روى أبو إسحاق عن أبي جحيفة قال: «رأيتُ النبي -عليه السلام- عَنْفَقَتُه بيضاء».
والصواب عندنا: الآثار التي رُويت عن النبي -عليه السلام- بتغيير الشيب، وبالنهي عن تغييره كلها صحاح، وليس فيها شيء يبطل معنى غيره. شرح صحيح البخاري (9/ 151 - 153).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فرأى بعضهم أنَّ ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره، ورووا حديثًا في نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تغيير الشيب، وأنه لم يُغَيِّر هو شَيْبَهُ، ولا اختضب، وممن ذُكر ذلك عنه: علي وعمر وأُبَي في آخرين، قال: فرأى آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الخلفاء والصحابة والتابعين فمن بعدهم، واحتجوا بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخضاب بالأحاديث التي ذكر مسلم وغيره في ذلك.
ثم اختلفوا: فكان أكثرهم يخضب بالصفرة، منهم علي وابن عمر وأبي هريرة، في آخرين، وكان منهم من يخضب بالحناء وبالكتم، ومنهم من يصبغ بالزعفران، وكان منهم من يخضب بالسواد، وذكر ذلك عن عمر وعثمان والحسن والحسين وعقبة بن عامر ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله بن عباس وعروة وابن سيرين وأبي بردة، في آخرين، وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: هو أَسْكَنُ للزوجة، وأَهْيَبُ للعدو، وكان بعضهم لا يخضب، وبه أخذ مالك، وذكره عن علي بن أبي طالب، قال: وتغيير السواد أحبُّ إليَّ. إكمال المعلم (6/ 624 ، 625).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قال الشافعية: يستحب خضاب الشَّيب للرجل والمرأة بالحُمرة والصُّفرة، كالحناء والزعفران. الكواكب الدراري (14/ 93).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ويُستحب خضاب الشَّيب بغير السواد، قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به. المغني (1/ 125).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قال أهل العلم: وللخضاب فائدتان:
إحداهما: تنظيف الشعر مما يتعلَّق به مما يغير بياضه، من الغبار والدخان ويسمج لونه.
والأخرى: مخالفة أهل الكتاب؛ لقوله -عليه السلام- في الحديث ذلك كما تقدم، ويكون مخالفتهم لمعنيين:
أحدهما: لئلا يعتقدوا التسنن بهم، كما قالوه في غير ذلك، وقد كان يحب موافقتهم حتى أُمر بمخالفتهم.
الثاني: إظهار الشبيبة والكهولة للأعداء، وغيظ الكفار، وفيه أيضًا ما تقدم في حق النساء والمباعلة. إكمال المعلم (6/ 626).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قال قائل: فما فائدة خضاب الشيب؟
قيل له: فيه ثلاث فوائد:
إحداها: امتثال أمر الشارع؛ فإنه قال: «غيِّروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود»...
والفائدة الثانية: تختص بالمرأة، والنساء يكرهن الشيب جدًّا، فإذا غُيِّر كان أقرب حالًا عندهن، وأصلح لمعاشرتهن.
والفائدة الثالثة: تختص بالرَّجل، وهو أنَّ الشيب يؤثِّر فيه صورة ومعنى، فأما الصورة فيشينه؛ ولهذا قال أنس في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما شانه الله ببيضاء»، فقيل له: أوَ شين هو؟ فقال: كلكم يكرهه، وأما في المعنى: فإنه يضعف الأمل، ويقطع القلب؛ لعلم الإنسان بقرب الأجل.
وربما قال قائل: فنحن إنما ندور على ما يقصِّر الأمل، ويذكِّر بالآخرة، فكيف نشرع فيما ينسينا؟
فالجواب: أن الناس في هذا يختلفون، فمنهم الشديد الغفلة عن الآخرة فيحتاج إلى الموقظات، ومنهم الشديد اليقظة فيحتاج إلى التعديل بالمباحات، ومتى نصب الإنسان ذكر الموت بين عينيه، ولم يغالط نفسه، وتبسط لها في أملها، لم يقدر على نشر علم، ولم ينتفع بعيش، وهذا لا يفهمه إلا العلماء. كشف المشكل (3/ 298 - 300).
قوله: «واجتنبوا السَّواد»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«واجتنبوا السَّواد» قيل: هذا في حق غير الغُزاة، وأما مَن فعل ذلك من الغزاة؛ ليكون أهيَب في عين العدو، لا للتزيُّن فلا بأس به، روي أن عثمان والحسن والحسين خضبوا لحاهم بالسواد للمَهَابة. شرح المصابيح (5/ 53).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «واجتنبوا السَّواد» فيه أن الخضاب بالسواد حرام ومكروه. لمعات التنقيح (7/ 405).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في «وجَنِّبُوه» للوجوب. الأزهار مخطوط لوح (392).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«واجتنبوا السَّواد» وجوبًا، ولا تخضبوا به. دليل الفالحين (8/ 475).
وقال السندي -رحمه الله-:
«واجتنبوا السواد» لعل المراد الخالص. فتح الودود (4/ 179).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وتغيير الشيب إنما يُكره بالسواد دون الحمرة والصفرة. معالم السنن (4/ 213).
وقال المازري -رحمه الله-:
لم يحرِّم مالك -رضي الله عنه- التغيير بالسَّواد، ولا أوجب الصباغ، ولعله يحمل النهي عن التغيير بالسَّواد على الاستحباب، والأمر بالتغيير على حالةٍ هجَّن المشيب صاحبها. المعلم (3/ 135).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرَّجل والمرأة بصفرة أو حُمرة، ويحرم خضابه بالسَّواد على الأصح، وقيل: يُكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «واجتنبوا السَّواد» هذا مذهبنا. شرح صحيح مسلم (14/ 80).
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «واجتنبوا السَّواد» أمرٌ باجتناب السواد، وكرهَه جماعة، منهم علي بن أبي طالب، ومالك.
قلتُ: وهو الظاهر من هذا الحديث، وقد علل ذلك بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سواد في الوجه فيُكره؛ لأنه تشبُّه بسيما أهل النار.
وقد رَوى أبو داود أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها».
غير أنه لم يسمع أن أحدًا من العلماء قال بتحريم ذلك، بل قد روي عن جماعة كثيرة من السلف أنهم كانوا يصبغون بالسواد، منهم عمر وعثمان والحسن والحسين وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي وعلي بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو بردة في آخرين، وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: هو أَسْكَنُ للزوجة، وأَرْهَبُ للعدو.
قلتُ: ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟ فأقل درجاته الكراهة، كما ذهب إليه مالك، قلتُ: وأما الصباغ بالحناء بحتًا، وبالحناء والكتم فلا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لصحة الأحاديث بذلك، غير أنه قد قال بعض العلماء: إن الأمر في ذلك محمول على حالين:
أحدهما: عادة البلد، فمن كانت عادةُ موضِعِهِ تَرْكُ الصبغ فخروجه عن المعتاد شُهرة تقبح وتكره.
وثانيهما: اختلاف حال الناس في شيبهم، فرُبَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة، وبالعكس، فمن قبَّحه الخضاب اجتنبه، ومَن حسَّنه استعمله. المفهم (5/ 418- 420).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد رخص فيه (الخضاب بالأسود) طائفة من السلف منهم: سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد واختاره بن أبي عاصم في كتاب الخضاب له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: «يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة» بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر: «جنِّبوه السواد» بأنه في حق من صار شيب رأسه مُسْتبشعًا، ولا يطَّرد ذلك في حق كل أحد، انتهى.
وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: "كنا نخضب بالسواد؛ إذ كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه"، وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه: «مَن خَضَبَ بالسواد سوَّد الله وجهه يوم القيامة» وسنده ليِّن، ومنهم مَن فرَّق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل، واختاره الحليمي. فتح الباري (10/ 354-355).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإنْ قيل: فقد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسَّواد في شأن أبي قحافة؛ لمَّا أُتي به ورأسه ولحيته كالثَّغامة بياضًا، فقال: «غيِّروا هذا الشَّيب، وجنبوه السَّواد» والكتم يسوِّد الشعر، فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ النهي عن التسويد البحت، فأما إذا أضيفَ إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به؛ فإن الكتم والحناء يجعل الشَّعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوَسْمَةِ؛ فإنها تجعله أسود فاحمًا، وهذا أصح الجوابين.
الجواب الثاني: أنَّ الخضاب بالسَّواد المنهي عنه خضاب التدليس، كخضاب شَعْرِ الجارية، والمرأة الكبيرة تغُرُّ الزوج والسيد بذلك، وخضاب الشيخ يَغُرُّ المرأة بذلك؛ فإنه من الغِشِّ والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا، فقد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنهما كانا يخضبان بالسَّواد، ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعُقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين: منهم عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب، وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام. زاد المعاد (4/337- 338).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
أما استدلال المجوزين باختضاب أبي بكر -رضي الله عنه- بالحناء والكَتم فغير تام؛ لأنه ليس بِسواد، بل حُمرة شديدة مائلة إلى السَّواد، كذا قالوا، وما روي عن بعض الصحابة مثل الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص وجماعة من التابعين -رضي الله عنهم أجمعين-، فعلى تقدير صحته محمول على نحو ذلك، وبالجملة: الاختضاب بالحُمرة جائز بالاتفاق، والمختار في السواد الكراهة والحرمة، والله أعلم. لمعات التنقيح (7/ 406).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قد جاء عن بعض الصحابة أنه كان يصبغ، ومنهم من لا يصبغ، ولكن السنة جاءت بالصبغ، ولعل الذين لم يصبغوا لم يبلغهم الحديث، أو اعتبروا ذلك ليس على سبيل الوجوب، أو أن بعضهم لم يحصل منه؛ لأنه لم يوجد الشَّيب الخالص الذي ليس معه سَواد، وهذا يمكن أن يكون للإنسان، والشيب يغير إذا كان خالصًا، وإذا كان غير خالصٍ فيمكنه ألا يغير حتى يكون خالصًا، فيمكن أن يكون بعضهم كان كذلك. شرح سنن أبي داود (23/ 364).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
زعم بعضهم أنَّ قوله: «واجتنبوا السَّواد» مُدْرَج في الحديث، وحُجتهم في ذلك: ما في مُسند أحمد من أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير لَمّا حدَّثه بهذا الحديث قال: قلتُ لأبي الزبير: قال: «جنّبوه السواد؟» قال: لا، وهذا القول مردود؛ لأمور:
الأول: أنَّ الأصل في ألفاظ الحديث عدم الإدراج؛ إذ لا دليل عليه إلا الحكاية المذكورة، وليست هي دليلًا عليه؛ إذ غايتها أن يقال: إن أبا الزبير قد نسي حين حدَّث زهيرًا، وكم مِن محدِّث قد نسي حديثه بعدما حدّث به؟! وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «رحم الله فلانًا لقد أذكرني آيةً كنتُ أُنسيتها» رواه مسلم، وقد صرَّح الحافظ في النخبة أن الصحيح أنه لا يُردّ الحديث لنسيان الشيخ إلا أن يقول: كذب عليّ، لم أحدّث بهذا.
الثاني: أنه قد تابع ابن جُريج ليث بن أبي سُليم عند أحمد، وابن ماجه، وهو وإن كان مختلطًا، لكنه يصلح في المتابعة والشواهد، كما صرّح به مسلم في مقدّمة صحيحه.
الثالث: أنَّ للحديث شاهدًا صحيحًا، قال الإمام أحمد -رحمه الله- في مسنده: ثنا محمد بن سلمة الحرّانيّ، عن هشام، عن محمد بن سيرين قال: سُئل أنس بن مالك عن خِضاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن شابَ إلا يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خَضبا بالحنّاء والكتم» قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة يحمله، حتى وضعه بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: «لو أقررتَ الشيخ في بيته لأتيناه»؛ تكرمةً لأبي بكر، فأسلم، ولحيته ورأسه كالثَّغَامة بياضًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غَيِّروهما، وجنِّبوه السواد»...، قد تبيَّن بما سبق بطلان دعوى الإدراج للفظ «واجتنبوا السواد»، وأنَّ الحديث صحيح، لا كلام فيه، وأن صبغ من يصبغ بالسواد متعلّلًا بالإدارج المذكور باطل، فإياك وإياك أن تصبغ به، فتقع فيما نهى عنه النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فتدخل في الوعيد الشديد الذي ذكره الله -عزَّ وجلَّ- في قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور: 63، وقد ألَّف بعض المعاصرين المحقّقين في هذه المسألة رسالة، منهم المحدِّث الكبير الشيخ مقبل الوادعيّ اليمنيّ -رحمهُ اللهُ- في رسالته القيّمة في الخضاب، ومنهم الشيخ فريح بن صالح الهلال، فقد ألّف رسالة سمّاها: (إتحاف الأمجاد باجتناب تغيير الشيب بالسواد)، وقد قدّم لها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وهي رسالة مفيدة كافية في الموضوع، فعليك بمراجعتهما، فراجعهما تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. البحر المحيط الثجاج (35/ 51-53).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأخرج الطبراني في الأوسط نحوه من حديث أنس وفي الكبير من حديث عتبة بن عبد: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بتغيير الشعر؛ مخالفة للأعاجم»، وقد تمسك به من أجاز الخضاب بالسواد. فتح الباري(10/ 354).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا دليل على أن الأفضل أن الإنسان يغيِّر الشيب يصبغه، لكن بغير الأسود، إما بالأصفر كالحناء، أو بالأصفر الممزوج بالكتم، والكتم أسود، فإذا مُزج الأصفر بالأسود ظهر لون بُنِّي، فيصبغ الإنسان بالبُنِّي أو بالأصفر، كما أمر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولولا المشقة والمؤونة على بعض الناس لكان يفعل ذلك، لكن في مُراعاة ومُراقبة، ويخرج أسفل شعر أبيض وأعلاه مصبوغًا.
وفي قوله: «جنِّبُوه السواد» دليل على أنه يمنع اللون الأسود؛ لأن السَّواد يعني أنه يُعيد الإنسان شابًّا، فكان ذلك مُضادَّة لفطرة الله -عزَّ وجلَّ- وسُنته في خلقِه. شرح رياض الصالحين (6/ 380).