السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كانَ لِرجلٍ على رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- دَينٌ؛ فَهمّ بِهِ أصحابُهُ، فقال: دَعُوهُ، فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقَالًا، وقال: اشْتَرُوا له سِنًّا فأَعطُوها إيَّاهُ، فقالوا: إنَّا لا نَجِدُ سِنًّا إلا سِنًّا هي أفضلُ من سِنِّهِ، قال: فاشْتَرُوها، فأَعْطُوها إيَّاهُ، فإنَّ ‌من ‌خيرِكُمْ ‌أَحْسَنَكُمْ ‌قَضَاءً».


رواه البخاري برقم: (2606)، واللفظ له، ومسلم برقم: (1601)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (2390)، ومسلم برقم: (1601): «فأغلظ له فهم به أصحابه»


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فأَغْلَظَ»:
أي: شَدَّدَ في طلب دَيْنِهِ من غير كلام يقتضي الكفر، أو كان هو كافرًا. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 53).

«فهمّ»:
«فهَمّ أصحابه به» أي: قصدوه ليُؤذوه باللسان أو باليد. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 53).


شرح الحديث


قوله: «كانَ لِرجلٍ على رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- دَيْنٌ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌كان ‌لرجل» أعرابي لم يُسمّ، «على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌دين» بعير كان اقترضه -عليه الصلاة والسلام- منه. إرشاد الساري (4/ 356).
وقال سبط ابن العجمي -رحمه الله-:
هو أبو الشَّحم، وهو المراد في قوله بعده، قال: «كانَ لِرجلٍ على رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- حق». تنبيه المعلم (ص: 268).

قوله: «فأغلظ»:
قال الشيخ موسى لاشين -رحمه الله-:
«‌فأغلظ» أي: شدَّد في المطالبة، ومفعوله محذوف تقديره: ‌فأغلظ القول. المنهل الحديث في شرح الحديث (2/ 270).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «فأغلظ له...»: يحتمل أن إغلاظه إياه كان في طلب حقِّه، وتشدُّدِهِ فيه لا في كلامٍ مُؤْذٍ يُسمعُه إياه، فإن ذلك يُعَدُّ مَغَبَّة مع النبي -عليه السلام-، وقد يكون الفاعل هذا غير مسلم من اليهود أو غيرهم، كما جاء مفسرًا منهم في خبر هذا الحديث. إكمال المعلم (5/ 300).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «‌فأغلظ له» يحتمل أن يكون الإغلاظ بالتشديد في المطالبة من غير قدر زائد، ويحتمل أن يكون بغير ذلك، ويكون صاحب الدين كافرًا، فقد قيل: إنه كان يهوديًّا، والأول: أظهر؛ لما تقدم من رواية عبد الرزاق: أنه كان أعرابيًّا، وكأنه جرى على عادته من جفاء المخاطبة، ووقع في ترجمة بكر بن سهل في معجم الطبراني الأوسط عن العرباض بن سارية ما يُفهِم أنه هو؛ لكن روى النسائي والحاكم الحديث المذكور، وفيه ما يقتضي أنه غيره، وأن القصة وقعت لأعرابي، ووقع للعرباض نحوها. فتح الباري (5/ 56).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«‌فأغلظ له» في الطلب بكلام غير مُؤْذٍ؛ إذ إيذاؤه -عليه الصلاة والسلام- كفر. إرشاد الساري (4/ 223).
وقال البنا الساعاتي -رحمه الله-:
(«فأغلظ») أي: عنفه ولم يرفق به في طلب حقه، ولعل هذا المتقاضي كان من جفاة العرب أو ممن لم يتمكن الإيمان في قلبه. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (15/ 86).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه أنه يحتمل من صاحب الدين الكلام المعتاد في المطالبة، وهذا الإغلاظ المذكور محمول على تشدد في المطالبة ونحو ذلك من غير كلام فيه قدح أو غيره، مما يقتضي الكفر، ويحتمل أن القائل الذي له الدين كان كافرًا من اليهود أو غيرهم -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (11/ 38).

قوله: «فَهَمّ بِهِ أصحابُهُ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «فَهَمّ أصحابه» يريد أنهم عزموا على ردْعِهِ وزجره حيث أغلظ في تقاضيه. الشافي في شرح مسند الشافعي (4/ 153).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فهَمّ أصحابه» أي: قصد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يضربوا ويؤذوا ذلك الرجل؛ من أجل أنه غلظ الكلام على وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 465).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فهَمّ ‌به أصحابه» أي: أراد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يؤذوه بالقول أو الفعل؛ لكن لم يفعلوا أدبًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح الباري (5/ 56).

قوله: «فقال: دَعُوهُ، فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مَقَالًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «دعوه» أي: اتركوه، وهو أمر من: يَدَعُ. عمدة القاري (12/ 230).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«دعوه» يعني: اتركوا يا أصحابنا مَن طلب منا دينه ‌فأغلظ فلا تبطشوا به. فيض القدير (3/ 532).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله لأصحابه: «دعوه» دليل على حسن خلقه وحلمه وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن لصاحب الحق مقالًا» يعني به: صَوْلَةَ الطلب وقوَّة الحجة، لكن على مَن يَمْطُلُ (أي: يؤجل الوفاء) أو يسيء المعاملة، وأما مَن أنصف من نفسه فبذل ما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه، ولا كَهْرُهُ (نَهْرُه). المفهم (4/ 509).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإن لصاحب الحق مقالًا» يدل على جواز تشديد صاحب الحق على المديون المليء بالقول. شرح المصابيح (3/ 451).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «فإنّ لصاحب الحق مقالًا» يعني: سعة في القول، وتمكينًا من الكلام وبسطة في الإدلال، و«المقال» مصدر: قال يقول مقالًا. الشافي في شرح مسند الشافعي (4/ 153).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فإنّ لصاحب الحق مقالًا» أي: نوعًا خاصًّا من المقال، وهو ما فيه علو على المدين. دليل الفالحين (7/ 162).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما معنى قوله: «إن لصاحب الحق مقالًا؟» قلتُ: معناه: أن الحق ينطقه ويقويه على الكلام، بخلاف المبطل، وإن كان أفصح النَّاس لحصل له العِيّ والتلجلج. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (5/ 24).

قوله: «وقال: اشتَرُوا له سِنًّا فأَعطُوها إيَّاهُ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اشتروا له» أي: للرجل الدائن «سنًّا» أي: إبلًا ذا سن معين معلوم عندهم من العمر، «فأعطوه» أي: فأعطوا ذلك الرجل «إياه» أي: ذلك السن. الكوكب الوهاج (17/ 377).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«والسن» عبارة عن فريضة من فرائض الإبل، إما ابن مخاض أو ابن لبون، أو حِقٌّ أو جذع أو ثَنِيٌّ، وكل واحد من هذه الأسماء يقال لها: سِنّ. الشافي في شرح مسند الشافعي (4/ 153).

قوله: «فقالوا: إنَّا لا نَجِدُ سِنًّا إلا سِنًّا هي أفضلُ من سِنِّهِ»، وفي مسلم: «هي خيرٌ من سِنِّهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالوا» له -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّا لا نجد إلا سِنًّا» أي: إلا إبلًا ذا سنٍّ وعمر، «هو» أي: سِنُّه، «خير» أي: أكبر «من سنه» أي: من سن إبله. الكوكب الوهاج (17/ 377).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقالوا: إنا ‌لا ‌نجد ‌سِنًّا إلا سِنًّا هي ‌أفضل من سِنِّه» في الثمن والحسن والسنّ. إرشاد الساري (4/ 356).

قوله: «قال: فاشْتَرُوها، فأَعْطُوها إيَّاهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فاشتروه» أي: فاشتروا ذلك السنّ الخير له، «فأعطوه» أي: فأعطوا ذلك الرجل «إياه» أي: السنّ الخير. الكوكب الوهاج (17/ 377).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» -صلى الله عليه وسلم-: «فاشتروه»؛ أي: السن الذي هو أكبر من سنه «فأعطوه إياه». البحر المحيط الثجاج (28/ 22).

قوله: «فإنَّ ‌من ‌خيرِكُمْ ‌أَحْسَنُكُمْ ‌قَضَاءً»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإن من خيركم- أو» للشك من الراوي «خيركم- أحسنكم قضاء» واسم "إنّ" على الرواية الأولى قوله: «أحسنكم» بالنصب، وخبرها الجار والمجرور قبله، وعلى الرواية الثانية قوله: «خيركم»، و«أحسنكم» مرفوع على الخبرية لها. البحر المحيط الثجاج (28/ 22).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإن خيركم» أي: أخيركم، فالخير والشر يستعملان للتفضيل على لفظهما، بمعنى الأخْيَرِ والأَشَرِّ -والله أعلم-. عمدة القاري (12/ 230).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«فإن خيركم أحسنكم قضاء» أي: فإن أفضلكم في معاملة الناس، وأكثركم ثوابًا أحسنكم قضاءً للحقوق التي عليه دينًا أو غيره. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 319).
وقال البنا الساعاتي -رحمه الله-:
معناه: فإن خيركم معاملة أحسنكم قضاء لدينه بِرَدِّهِ أمثل منه. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (15/ 86).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن خيركم أحسنكم قضاء» في رواية عثمان بن جبلة عن شعبة الآتية في الهبة: «فإن من خيركم -أو خيركم-» كذا على الشك، وفي رواية ابن المبارك: «أفضلكم أحسنكم قضاء»، وفي رواية سفيان الآتية: «خياركم» فيحتمل أن يريد المفرد بمعنى: المختار، أو الجمع والمراد: أنه خيرهم في المعاملة، أو تكون "مِنْ" مقدرة ويدل عليها الرواية المذكورة، وقوله: «أحسنكم» لما أضيف أفعل، والمقصود به: الزيادة جاز فيه الإفراد، وقد وقع في رواية سفيان بعد باب: «من خياركم». فتح الباري (5/ 57).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فإن خيركم أحسنكم قضاء» فيه جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترَض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذٍ اتفاقًا، وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة إن كانت بالعدد مُنِعت وإن كانت بالوصف جازت. تحفة الأحوذي (4/ 456).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الوكالة في قضاء الديون وجميع الحقوق جائزة، قال المهلب: وفيه من الفقه: أن مَن آذى السلطان بجفاء أو استنقاص أن حقًّا على أصحابه وجلسائه أن يعاقبوه على ذلك، وينكروا عليه الجفاء وإن لم يأمرهم السلطان بذلك، وليس لهم أن يتركوا مثل هذا حتى ينهاهم السلطان عنه، كما نهى النبي -عليه السلام- الذين هموا بالذي أغلظ له، ويبين هذا قصة المغيرة بن شعبة مع الشاب الأنصاري الذي جَفَا على أبي بكر الصديق، فكسر المغيرة أنفه، فاستعدى عليه الأنصاري ليَقِيْدَهُ أبو بكر من المغيرة، فقال أبو بكر: والله لخروجهم من ديارهم أقرب إليهم من ذلك أقيد من وَزَعَةِ الله (الوزعة: جمع وازع، والوازع: الحابس، أي: مَن يكفون الناس عن الإقدام على الشر)، وكذلك فعل المغيرة برسول أهل مكة يوم المقاضاة، إذ كان يكلم النبي ويشير بيده نحو لحيته، فضربه المغيرة بسيفه مغمدًا، فقال: اقبض يدك عن لحية رسول الله قبل ألا ترجع إليك، فلم ينكر ذلك النبي -عليه السلام-. شرح صحيح البخاري (6/ 440).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
اختلف العلماء في استقراض الحيوان: فأجاز ذلك مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث، ولا يحل عند مالك وأهل المدينة استقراض الإماء؛ لأن ذلك ذريعة إلى استحلال الفرج، ومنع ذلك الكوفيون وقالوا: لا يجوز استقراض الحيوان؛ لأن وجود مثله متعذِّر غير موقوف عليه، وقالوا: يحتمل أن يكون حديث أبي هريرة قبل تحريم الربا، ثم حُرِّم الربا بعد ذلك، وحُرِّم كل قرض جَرَّ منفعة، ورُدَّتِ الأشياء المستقرضة إلى أمثالها، فلم يَجُزِ القرض إلا فيما له مثل، وحجة مَن أجاز ذلك قالوا: مُحال أن يستقرض النبي شيئًا لا يقدر على أداء مثله، ولا يُضبَط ذلك بصفة، ولو لم يكن له إلى ردِّ مثله سبيل لم يستقرضها؛ إذ كان -عليه السلام- أبعد الخلق من ظلم أحد، واحتج مالك لتفريقه بين الإماء وجميع الحيوان فقال: قد أحاط الله ورسوله والمسلمون الفروج، فجعل المرأة لا تنكح إلا بولي وشهود، ونهى النبي أن يخلو بها رجل في حضر أو سفر، ولم يحرُم ذلك في شيء مما أَحلَّ غيرها، فجعل الأموال مرهونة ومبيعة بغير بيِّنة، ولم يجعل المرأة هكذا حتى حاطها فيما حللها بالولي والشهود؛ ففرقنا بين حكم الفروج وغيرها بما فرق الله ورسوله والمسلمون بينها، وقال أهل المقالة الأولى: وأيضًا فإنه يجوز أن يرد أفضل مما استلف إذا لم يشرط ذلك عليه؛ لأن الزيادة في ذلك من باب المعروف؛ استدلالًا بحديث أبي هريرة، وهو قول ابن عمر وابن المسيب والنخعي والشعبي وعطاء، وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة، واختلف أصحاب مالك في ذلك، فقال ابن حبيب: لا بأس أن يرُدَّ أفضل مما استقرض في العدد والجودة؛ لأن الآثار جاءت بأن النبي -عليه السلام- رد أكثر عددًا في طعام، وأجاز أشهب أن يزيده في العدد إذا طابت نفسه بذلك، وقال ابن نافع: لا بأس أن يعطي أكثر عددًا إذا لم يكن ذلك عادة، وقال مالك: لا يجوز أن يكون بزيادة في العدد، وإنما يصلح أن تكون في الجودة، وقال ابن القاسم: لا يعجبني أن يعطيه أكثر في العدد ولا في الذهب والورق إلا اليسير مثل الرجحان في الوزن والكيل، ولو زاد بعد ذلك لم يكن به بأس، وهو قول مالك، وإنما لم يَجُزْ أن يشترط أن يأخذ أفضل؛ لأنه يخرج من باب المعروف ويصير ربًا، ولا خلاف بين العلماء أن اشتراط الزيادة في ذلك ربًا لا يحل. شرح صحيح البخاري (6/ 515-517).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه: جواز استسلاف الحيوان، وهو قول كافَّة العلماء، ولا خلاف بينهم في جواز استسلاف ما له مثل في العيش والمكيل والموزون، وأجاز جمهور العلماء استسلاف سائر الأشياء من الحيوان والعروض، واستثنوا من ذلك الجواري، وعِلَّته: أنه قد يردها بنفسها فتكون من عارية الفروج، وأجازه بعض أصحابنا بشرط أن يرد غيرها، وأجاز استقراض الجواري الطبري والمزني، وروي عن داود الأصبهاني، ومنع الكوفيون، فدخل جميع الحيوان، وهذا الحديث حجة عليهم، وليس للسنة موقع، وليس دعواهم النسخ بغير حجة تدفعها، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجوز استقراض غير المكيل والموزون، وذُكِرَ عن داود. إكمال المعلم (5/ 298).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: جواز اقتراض الحيوان، وفيه ثلاثة مذاهب: الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف: أنه يجوز قرض جميع الحيوان إلا الجارية لمن يملك وطأها فإنه لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها كمحارمها والمرأة والخنثى، والمذهب الثاني -مذهب المزني وابن جرير وداود-: أنه ‌يجوز ‌قرض ‌الجارية وسائر الحيوان لكل واحد، والثالث: -مذهب أبي حنيفة والكوفيين-: أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان، وهذه الأحاديث ترد عليهم، ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل. شرح صحيح مسلم (11/ 37).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
وفيه: جواز إقراض الحيوان خلافًا لأبي حنيفة -رضي الله عنه-. الكواكب الدراري (10/ 135-136).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومذهبنا (أي: الشافعية): أنه يستحب ‌الزيادة ‌في ‌الأداء ‌عما ‌عليه، ويجوز للمقرض أخذها؛ سواء زاد في الصفة أو في العدد؛ بأن أقرضه عشرة فأعطاه أحد عشر، ومذهب مالك: أن الزيادة في العدد منهي عنها، وحجة أصحابنا: عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خيركم أحسنكم قضاء». شرح صحيح مسلم (11/ 37).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد أجمع المسلمون نقلًا عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم-: أن اشتراط الزيادة في السلف ربًا، ولو كان قبضة واحدة من علف -كما قال ابن مسعود-: أو حبة واحدة...، وفيه: أن التداين في البرِّ والطاعة والمباحات جائز، وإنما يكره التداين في الإسراف وما لا يجوز -وبالله العصمة-. التمهيد (3/ 174).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله.
وفيه: حسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه، وأن مَن عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق، وأن مَن أساء الأدب على الإمام كان عليه التعزير بما يقتضيه الحال إلا أن يعفو صاحب الحق.
وفيه: ما ترجم له، وهو استقراض الإبل، ويلتحق بها جميع الحيوانات، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك الثوري والحنفية، واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو حديث قد روي عن ابن عباس مرفوعًا أخرجه ابن حبان والدارقطني وغيرهما ورجال إسناده ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلاف، وفي الجملة هو حديث صالح للحجة، وادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب، وتُعُقِّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن؛ فقد جمع بينهما الشافعي وجماعة بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين، ويتعين المصير إلى ذلك؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه، واعتلّ مَن منع بأن الحيوان يختلف اختلافًا مُتباينًا حتى لا يوقف على حقيقة المثلية فيه، وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف بما يدفع التغاير، وقد جوَّز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة.
وفيه: جواز وفاء ما هو أفضل من الْمِثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذٍ اتفاقًا، وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة؛ إن كانت بالعدد مُنِعَت، وإن كانت بالوصف جازت.
وفيه: أن الاقتراض في البر والطاعة وكذا الأمور المباحة لا يُعاب، وأن للإمام أن يقترض على بيت المال لحاجة بعض المحتاجين؛ ليوفي ذلك من مال الصدقات، واستدل به الشافعي على جواز تعجيل الزكاة؛ هكذا حكاه ابن عبد البر، ولم يظهر لي توجيهه إلا أن يكون المراد ما قيل في سبب اقتراضه -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان اقترضه لبعض المحتاجين من أهل الصدقة؛ فلما جاءت الصدقة أوفى صاحبه منها، ولا يعكر عليه أنه أوفاه أزيد من حقه من مال الصدقة؛ لاحتمال أن يكون المقترض منه كان أيضًا من أهل الصدقة؛ إما من جهة الفقر أو التألف أو غير ذلك بجهتين: جهة الوفاء في الأصل، وجهة الاستحقاق في الزائد، وقيل: كان اقتراضه في ذمته فلما حل الأجل ولم يجد الوفاء صار غارمًا؛ فجاز له الوفاء من الصدقة، وقيل: كان اقتراضه لنفسه فلما حل الأجل اشترى من إبل الصدقة بعيرًا ممن استحقه أو اقترضه من آخر، أو من مال الصدقة ليوفيه بعد ذلك، والاحتمال الأول أقوى، ويؤيده سياق حديث أبي رافع -والله أعلم-. فتح الباري (5/ 57-58).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف شغل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذِمَّته بدين، وقد قال: «إياكم والدين، فإنه شين، الدين هم بالليل، ومذلة بالنهار»، وقد كان كثيرًا ما يتعوذ منه، حتى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: «إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف»، لا يقال: إنما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن في ضرورة إلى ذلك، فإن الله تعالى خيره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، كما رواه الترمذي من حديث أبي أمامة واستحسنه؛ ومَن كانت هذه حاله لم يكن في ضرورة ولا حاجة؛ ولذلك قال الله تعالى له: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} الضحى: 8.
قلتُ: أما الأخذ بالدين عند الحاجة، وقصد الأداء عند الوجدان: فلا يختلف في جوازه، وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة، وأما النهي عن أخذه -إن صح-: فإنما ذلك لمن لم تدْعُه إليه حاجة؛ لما يطرأ من تحمّله من الأمور التي ذكرتها من الإذلال والمطالبة، وما يخاف من الكذب في الحديث والإخلاف في الوعد، وقد عصم الله نبينا -صلى الله عليه وسلم- من ذلك كله، فلم يحوجه إلى شيء من ذلك، ولا أجراه عليه.
وأما قولهم: إنه لم يكن في ضرورة؛ لأن الله خيره، فجوابه: إن الله تعالى لما خيره، فاختار أن يجوع ثلاثًا، ويشبع يومًا، أجرى الله تعالى عليه ما اختاره لنفسه، وما أشار إليه به صفيه، ونصيحه جبريل -صلى الله عليهما وسلم-، فسلك الله تعالى به من ذلك أعلى السبيل؛ ليصبر على المشقات والشدائد، كما صبر أولو العزم من الرسل، ولينال أعلى المقامات الفاخرة، ألا تسمع قوله لعمر -رضي الله عنه-: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» ثم لما أخلص الله جوهره، وطيَّب خُبْرَه وخَبَرَه؛ أغناه بعد العَيْلة، وكثَّره بعد القِلَّة، وأعزَّه به بعد الذِّلَّة، ومن تمام الحكمة في أخذه -صلى الله عليه وسلم- بالديون ليقتدي به في ذلك المحتاجون. المفهم (4/ 508-509).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
(فيه) دليل على أن هذا الحديث قضية أخرى غير قضية حديث أبي رافع، فإن ذلك الحديث يقتضي: أنه أعطاه من إبل الصدقة، وهذا اشْتُرِي له.
وفيه دليل: على صحة الوكالة في القضاء.
وفيه: جواز الزيادة فيه. المفهم (4/ 510).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وفيه: أنه لا بأس بالاستدانة أو القرض، وأنه لا بد أن ينوي أداء دينه، أما إذا أخذ أموال الناس وهو لا يريد قضاءها، أو أداءها فإن هذا يحاسبه الله، كما ثبت في صحيح البخاري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله». توفيق الرب المنعم بشرح صحيح مسلم(4/ 417).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- أيضًا:
في هذه الأحاديث: أن الفقر ليس دليلًا على إهانة الله للعبد؛ فالدنيا ليست مقياسًا ولا ميزانًا، فالدنيا يعطيها الله لمن يحب ومَن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فقد أنكر الله على الإنسان الذي يظن أن تضييق الرزق دليل على إهانته، وأن بسطه دليل على إكرامه، فقال سبحانه: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} الفجر: 15- 16، والمال والجاه والسلطان ابتلاء وامتحان من الله، قد يكون خيرًا للعبد، وقد يكون شرًّا له، فإذا استعمل الإنسان المال في وجوه مشروعة، وكسبه من وجوه مشروعة كان خيرًا له، وكذلك الجاه والسلطان إذا استعمله في طاعة الله، وجعله خادمًا للدين، ونافعًا له نفعه، وإذا استعمله ضد ذلك كان شرًّا ووبالًا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. توفيق الرب المنعم(4/ 417-418).


إبلاغ عن خطأ