«خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كنَّا بالقاحَةِ، فمِنَّا المُحْرِمُ ومنَّا غيرُ المُحْرِمِ، إذْ بَصُرْتُ بأصحابي يَتَرَاءوْنَ شيئًا، فنظرتُ، فإذا حمارُ وحشٍ، فأسرجتُ فرسي، وأخذتُ رُمْحي، ثم ركبتُ، فسقطَ مني سَوْطي، فقلتُ لأصحابي وكانوا محرمينَ: ناولوني السَّوطَ، فقالوا: واللهِ لا نعينُكَ عليهِ بشيءٍ، فنزلتُ فتناولتُهُ، ثم رَكِبْتُ، فأدركتُ الحمارَ مِنْ خلفِهِ وهو وراءَ أَكَمَةٍ، فطعنتُهُ برُمْحي، فعقرتُهُ، فأتيتُ به أصحابي، فقالَ بعضُهم: كُلُوهُ، وقالَ بعضُهم: لا تأكُلُوه، وكانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمامَنا، فحركتُ فرسي، فأدركتُهُ، فقالَ: هو حلالٌ، فكُلُوهُ».
رواه البخاري برقم: (1824) ومسلم برقم: (1196) واللفظ له، من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (1824) ومسلم برقم: (1196): «قال: هل منكم أحدٌ أمَرَهُ، أو أشارَ إليه بشيءٍ؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقيَ من لحمِها».
وفي لفظ للبخاري برقم: (2854) ومسلم برقم: (1196): «فقال: هل معكم منه شيءٌ؟ قالوا: معنا رِجْلُهُ، قالَ: فأخذَها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأكَلَها».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«القَاحَة»:
بفتح الحاء المهملة مخففة: وادٍ بالعبادير على ثلاث مراحل من المدينة قبل السُّقْيا (قرية بين مكة والمدينة) بنحو ميل، كذا قيَّدها ابن السكن وأبو ذر والأصيلي بالقاف، وهي للهمداني والقابسي بالفاء، وفي كتاب القابسي فيها إشكال والصواب القاف. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 198).
«يَتَرَاءَوْنَ»:
قال شمر: يَتَرَاءَوْنَ: يتفاعلون، مِن رأيتُ، كقولك: تراءينا الهلال، وقال: معناه: ينظرون، وقال غيره: معنى يتراءون أي: يرون. تهذيب اللغة، للأزهري (15/ 234).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الترائي: تَفَاعُل من الرؤية، يقال: تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضًا، وتراءى لي الشيء أي: ظهر حتى رأيتُه. النهاية، لابن الأثير (2/ 177).
«أَكَمَةٍ»:
هي الرابية. النهاية، لابن الأثير (1/ 59).
وقال الفتني -رحمه الله-:
هي دون الجبل، وأعلى من الرابية، وقيل: دون الرابية. مجمع بحار الأنوار (1/ 73).
«فعقرتُهُ»:
أصل العَقْرِ: ضربُ قوائم البعير أو الشاة بالسيف، وهو قائم. النهاية، لابن الأثير (3/ 271).
شرح الحديث
قوله: «خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كنَّا بالقاحَةِ»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: من المدينة قاصدين مكة لعمرة الحديبية...
«حتى إذا كنَّا بالقاحة» بالقاف والحاء المخففة، وادٍ كبير من أودية الحجاز. منة المنعم (2/ 227).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«القاحة» بالقاف وبالمهملة وادٍ على نحو ثلاث مراحل من المدينة، ورواه بعضهم بالفاء وهو وهم. الكواكب الدراري (9/ 35).
قوله: «فمِنَّا المُحْرِمُ، ومنَّا غيرُ المُحْرِمِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فمنَّا المحرم، ومنَّا غير المحرم» أي: فبعضنا محرم بالعمرة، وبعضنا غير محرم. البحر المحيط الثجاج (22/ 263).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فمنَّا المحرم ومنَّا غير المحرم» الفاء ليست للترتيب، بل هي لتفصيل القصة، وغير المحرم منهم هو أبو قتادة وحده. منة المنعم (2/ 227- 228).
وقال السندي -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّ أبا قتادة خرج مع النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- من المدينة، وقد كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- أمره بأخذ الصدقات، وكانت طريقهم متحدة، فأحرموا كلهم غيره؛ بناء على أنه لم يقصد إذ ذاك مكة، ثم سار مع النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بناء على اتحاد الطريق حتى بلغوا الروحاء، فأُخبروا بالعَدُو، فوجّهه -صلى الله تعالى عليه وسلم- مع أصحاب له محرمين، فلما أَمِنُوا رجع على حالته التي كان عليها، فساغ له التأخير لذلك، وقيل: كانت هذه القصة قبل أن يؤقت النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- المواقيت، وأما قول عياض ومَن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- من المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة؛ فهو ضعيف مخالف لما أسلفناه من الروايات. المواهب اللطيفة (4/ 165).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
عندي أحسن الأجوبة في ترك أبي قتادة الإحرام: أنَّه كان قبل تحديد المواقيت؛ لأن القصة كانت عام الحديبية، وتحديد المواقيت كان عام حجة الوداع، كما بيانه في موضعه، فلا استشكال، ولا حاجة إلى هذه الأجوبة المتكلفة، فتبصر. البحر المحيط الثجاج (22/ 262).
قوله: «إذْ بَصُرْتُ بأصحابي يَتَرَاءَوْنَ شيئًا، فنظرتُ، فإذا حمارُ وحشٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذ بصُرتُ» (إذ) فجائية رابطة لجواب "إذا" أي: نظرتُ «بأصحابي» أي: برفقتي أي: حتى إذا كنا بالقاحة فاجأني النظر بأصحابي فرأيتهم «يتراءون شيئًا» أي: يُري بعضهم بعضًا شيئًا من بعيد، أي: يتكلفون النظر إلى جهة شيء ويريه بعضهم بعضًا، والترائي تفاعل من الرؤية، «فنظرتُ» إلى جهة ترائيهم «فإذا حمار وحش» موجود أي: ففاجأني رؤية حمار وحش. الكوكب الوهاج (13/ 325).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«يتراءون شيئًا» أي: يتكلفون ويطلبون رؤيته، ويريه بعضهم بعضًا. منة المنعم (2/ 228).
قوله: «فأسرجتُ فرسي، وأخذتُ رُمْحي، ثم ركبتُ»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فأسرجتُ فرسي» أي: شددتُ عليه سرجه. منة المنعم (2/ 228).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأسرجتُ فرسي» أي: شددتُ عليها السَّرْج، وهو رَحْلُها، وجمعه سُرُوج، مثل فلس وفلوس، «وأخذتُ رُمْحِي» بضم فسكون: قناةٌ في رأسها سِنَان، يطعن بها، جمعها رماح، وأرماح. البحر المحيط الثجاج (22/ 264- 265).
قوله: «فسقطَ مني سَوْطي، فقلتُ لأصحابي وكانوا محرمينَ: ناولوني السَّوطَ، فقالوا: واللهِ لا نُعِينُكَ عليهِ بشيءٍ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فسقط مني سوطي» بفتح، فسكون: هو ما يُضرب به من جلد، سواء كان مضفورًا أو لا، «فقلتُ لأصحابي وكانوا محرمين: ناولوني السوط» أي: أعطونيه، «فقالوا: والله لا نُعينك عليه» أي: على قتل هذا الحمار الوحشي «بشيء»؛ لأن صيده محرَّم علينا؛ للإحرام. البحر المحيط الثجاج (22/ 265).
وقال المازري -رحمه الله-:
في حديث أبي قتادة أنهم قالوا له: لا نُعينك عليه، وسألهم -صلى الله عليه وسلم-: هل أعانوه؟ وفي إطلاق المعونة حُجة على أبي حنيفة الذي يرى أن المعونة لا تؤثر إلا أن يكون الصيد لا يصح صيده دونها، وهذا الحديث ها هنا إنما ذكر فيه معونة مطلقة، ولم يشترط. المعلم (2/ 76).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا ظاهر في الدلالة على تحريم الإشارة والإعانة من المحْرِم في قتل الصيد، وكذلك الدلالة عليه وكل سبب، وفيه دليل للجمهور على أبي حنيفة في قوله: لا تحلُّ الإعانة من المحرم إلا إذا لم يمكن اصطياده بدونها. شرح صحيح مسلم (8/ 111).
قوله: «فنزلتُ فتناولتُهُ، ثم رَكِبْتُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال أبو قتادة: «فنزلتُ» من فرسي «فتناولتُه» أي: فأخذتُ السوط من الأرض «ثم ركبتُ» فرسي. الكوكب الوهاج (13/ 325).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فتناولتُه» زاد أبو عوانة: «بشيء» وبهذا يندفع إشكال مَن قال: ذِكْر التناول بعد الأخذ تكرار، أو معناه: تكلَّفْتُ الأخذ فأخذتُه. فتح الباري (4/ 28).
قوله: «فأدركتُ الحمارَ مِنْ خلفِهِ، وهو وراءَ أَكَمَةٍ، فطعنتُهُ برُمْحي، فعقرتُهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأدركتُ الحمار» أي: لحقتُه «مِن خلفه» أي: من ورائه «وهو» أي: والحال أنَّ الحمار مختفٍ عني «وراء أَكَمة» أي: تلٍّ، والأَكَمَة بفتحات هي التلّ من حجر واحد، أو ما ارتفع من الأرض، «فطعنتُه برمحي فعقرتُه» أي: فقتلتُه كما جاء في الرواية التالية: «فقتله»، وأما العقر بمعنى الجرح فلا يطلق في غير القوائم.
وفيه: أن عَقْرَ الصيد ذكاته، يقال: عَقَرَ البعير بالسيف عقرًا: إذا ضرب قوائمه به، وربما قيل: عقره إذا نحره. الكوكب الوهاج (13/ 325).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأدركتُ الحمار مِن خلفه، وهو وراء أَكَمَة» بفتحات: تلٍّ، وقيل: شُرفة كالرابية، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربما غلظ، وربما لم يغلظ... «فطعنتُه برمحي، فعقرتُه» أي: قتلتُه، وأصل العقر الجرح، وفي رواية:
«فشددتُ على الحمار، فعقرتُه، ثم جئتُ به، وقد مات»، وفي أخرى: «حتى عقرتُه، فأتيتُ إليهم، فقلتُ لهم: قوموا، فاحتملوه، فقالوا: لا نمسه، فحملتُه حتى جئتهم به». البحر المحيط الثجاج (22/ 265).
قوله: «فأتيتُ به أصحابي، فقالَ بعضُهم: كُلُوهُ، وقالَ بعضُهم: لا تأكُلُوه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال بعضهم: كلوا» قد تقدم من عدة أوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم به، ثم طرأ عليهم الشك كما في لفظ عثمان بن موهَب في الباب الذي يليه: «فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟» وأصرح من ذلك رواية أبي حازم في الهبة بلفظ: «ثم جئتُ به فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكُّوا في أكلهم إياه وهم حُرُم» وفي حديث أبي سعيد: «فجعلوا يشْوُون منه، ثم قالوا: رسول الله بين أظهرنا» وكان تقدَّمهم فلحقوه فسألوه. فتح الباري (4/ 28).
وقال المازري -رحمه الله-:
ذَكَرَ فيه أنَّ بعضهم أكل من الصيد وبعضهم لم يأكل، وأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يَلُمْ أحدًا منهم على ما فعل، وهذا دليل على أنَّ الاجتهاد في مسائل الفروع يسوغ. المعلم (2/ 76).
قوله: «وكانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمامَنا، فحركتُ فرسي، فأدركتُهُ، فقالَ: هو حلالٌ، فكُلُوهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أمامنا» بفتح أوله، أي: قُدَّامنا «فحركتُ فرسي» أي: أجريتُه وأسرعتُ به «فأدركتُه» -صلى الله عليه وسلم- أي: لحقتُه فأخبرتُه خبر ما جرى بيننا، «فقال» -صلى الله عليه وسلم-: «هو» أي: الحمار «حلال» لكم «فكلوه» أي: كلوا ما بقي معكم منه إن كان. الكوكب الوهاج (13/ 326).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال: كلوه حلال» كذا وقع بحذف المبتدأ، وبيَّن ذلك أبو عوانة «فقال: كلوه، فهو حلال» وفي رواية مسلم: «فقال: هو حلال فكلوه». فتح الباري (4/ 28).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «هو حلال فكلوه» صريح في أن الحلال إذا صاد صيدًا ولم يكن من المحرم إعانة ولا إشارة ولا دلالة عليه حلّ للمحرم أكله، وقد سبق أن هذا مذهب الشافعي والأكثرين. شرح صحيح مسلم (8/ 111).
قوله في رواية: «قال: هل منكم أحدٌ أمَرَهُ، أو أشارَ إليه بشيءٍ؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقيَ من لحمِها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هل منكم» من المحْرِمين «أحد أمره» أي: أمر أبا قتادة أن يحمل عليها «أو أشار» له «إليه» أي: إلى الحمار «بشيء؟» من يده أو رأسه أو طرفه، «قال» أبو قتادة: «قالوا: لا» أي: ليس منا أحد أمره، أو أشار له إليه، «قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فكلوا» إذن «مما بقي» معكم «من لحمها» فلا بأس عليه. الكوكب الوهاج (13/ 334).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال: أمنكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا» وفي رواية مسلم: «هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟» وله من طريق شعبة عن عثمان: «هل أشرتم أو أعنتم أو اصْطَدْتُم؟» ولأبي عوانة من هذا الوجه: «أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم؟» قوله: «قال: فكلوا ما بقي من لحمها» صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب؛ لأنها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال. فتح الباري (4/ 30).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ قالوا: لا، قال: فكلوا» وإذا دلّ المحرم الحلال على الصيد لم يؤكل.
واختُلف في وجوب الجزاء على الدالّ، فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه، وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء، وكذلك اختلفوا إذا دلّ محرمٌ محرمًا، فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا (المالكية) إلى أنَّ على واحد منهما جزاء، وقال الشافعي ومالك وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل وحده، وكذلك في هذا كله مناولة السوط والرمح فيه من الخلاف مثل ما تقدم، وكذلك كل ما قلّ وكثر من المعونة حكمها عند أصحابنا سواء، خلافًا لأبي حنيفة أنّه لا يؤثِّر فيه إلا معونة (لا) يُقدَر على الصيد إلا بها، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هل منكم أحد أمره وأشار إليه؟ قالوا: لا» دليل واضح في أنَّ للإشارة تأثيرًا في الصيد والجزاء، وفسّر شيوخنا هذه الإشارة المؤثرة والدلالة: بأن يصطاد للمشير والدالّ، والكلام في أكل ما كان بهذه السبيل كالكلام فيما ذبحه المحرم أو صاده، وقال الداودي في هذا الحديث: إنَّ المحرم إذا ضحك ليفطن الحلال بالصيد لم يمنع من أكله، وهو نحو مما تقدم، وليس في الحديث أنهم ضحكوا لينبهوه، ولعلهم إنما ضحكوا إعجابًا بِتَأَتِّي هذا الصيد، وتَأَتِّي صائده الحلال ولم يفطن له. إكمال المعلم (4/ 200- 202).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟» فيه دليل على أنهم لو فعلوا ذلك لكان سببًا للمنع.
وقوله -عليه السلام-: «فكلوا ما بقي من لحمها» دليل على جواز أكل المحرم لحم الصيد، إذا لم يكن منه دلالة ولا إشارة. إحكام الأحكام (2/ 100).
قوله في رواية: «فقال: هل معكم منه شيءٌ؟ قالوا: معنا رِجْلُهُ، قالَ: فأخذَها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأكَلَها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«هل معكم منه» أي: من لحم الحمار «شيء؟» أي: بقية «قالوا» أي: قال أبو قتادة وأصحابه: «معنا رِجله» أي: رِجل الحمار، «قال» أبو قتادة: «فأخذها» أي: فأخذ تلك الرِّجل «رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأكلها» أي: فأكل تلك الرِّجل مع مَن معه، أو أمر بأكلها.
وفيه: الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهدية من الصديق. الكوكب الوهاج (13/ 337).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «هل معكم من لحمه شيء؟» وفي الرواية الأخرى: «هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رِجْله، فأخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأكلها» إنما أخذها وأكلها تطْيِيبًا لقلوبهم في إباحته، ومبالغة في إزالة الشك والشبهة عنهم بحصول الاختلاف بينهم فيه قبل ذلك. شرح صحيح مسلم (8/ 112).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
هذه لفظة غريبة (يعني قوله: «ولم يأكل منه حين أخبرتُه أني اصطدتُه له») لم نكتبها إلا من هذا الوجه، وقد روينا عن أبي حازم بن دينار، عن عبد الله بن أبي قتادة في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكل منها، وتلك الرواية أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما دون رواية معمر، وإن كان الإسنادان صحيحين، والله أعلم. السنن الكبرى (5/ 310).
وقال النووي -رحمه الله-:
قلتُ: ويحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة قضيتان للجمع بين الروايتين، والله أعلم. المجموع (7/ 326).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
آثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل (بين ما صيد له وما لم يُصَدْ له)، فروى البيهقي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محْرِم، وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إني لستُ كهيئتكم، إنما صِيدَ من أجلي».
وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها، وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، وحديث الصعب بن جثامة يدل على منعه منه، وحديث جابر صريح في التفريق، فحيث أكل عَلِمَ أنه لم يصد لأجله، وحيث امتنع عَلِمَ أنه صيد لأجله، فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه -صلى الله عليه وسلم- بحال. تهذيب سنن أبي داود (1/ 363- 365).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في حديث أبي قتادة من الفوائد:
أنَّ تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحْرِم منه لا يقدح في إحرامه، وأنَّ الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوي مَن حَمَل الصيد في قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} المائدة: 96 على الاصطياد.
وفيه: الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهدية من الصديق...
وفيه تسمية الفرس، وألحق المصنف به الحمار فترجم له في الجهاد...
وفيه: إمساك نصيب الرفيق الغائب ممن يتعين احترامه، أو ترجى بركته، أو يُتوقع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها.
وفيه: تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو، وتبليغ السلام عن قرب وعن بعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك رد السلام ممن بلغه؛ لأنه يحتمل أن يكون وقع وليس في الخبر ما ينفيه.
وفيه: أن عقر الصيد ذكاته.
وجواز الاجتهاد في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-...
وفيه: العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يُعاب واحد منهما على ذلك؛ لقوله: «فلم يعب ذلك علينا» وكأنّ الآكل تمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ.
وفيه: الرجوع إلى النصّ عند تعارض الأدلة.
وركض الفرس في الاصطياد، والتصيد في الأماكن الوعرة، والاستعانة بالفارس، وحمل الزاد في السفر، والرفق بالأصحاب والرفقاء في السير، واستعمال الكناية في الفعل كما تُستعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أنَّ الإشارة لا تحلّ...
وفيه: ذكر الحُكم مع الحكمة في قوله: «إنّما هي طُعمة أطعمكموها الله».
تكملة: لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إنْ صال عليه فقتله دفعًا، فيجوز ولا ضمان عليه، والله أعلم. فتح الباري (4/ 31).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث برواياته):
منها: بيان ما يجوز أكله للمحرم من الصيد، وهو الذي صاده الحلال، دون أن يساعده المحرم عليه بشيء، وهذا يقوِّي مَن حَمَل الصيد في قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} الآية المائدة: 96 على الاصطياد.
ومنها: أنَّ تمني المحرم أن يقع من الحلال الصيد؛ ليأكل منه لا يقدح في إحرامه؛ فقد قال أبو قتادة: «وأحبّوا لو أني أبصرتُه».
ومنها: جواز الاجتهاد في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-...
ومنها: العمل بما أدى إليه الاجتهاد، ولو تضاد المجتهدان، ولا يُعاب واحد منهما على ذلك؛ لقوله: «فلم يعب ذلك علينا» وكأن الآكل متمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ.
ومنها: الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة؛ حيث إنهم لما اختلفوا في أكله سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: تسمية الفرس؛ حيث إنّ فيه: «فركب فرسًا يقال له: الجرادة» وألحق البخاري به الحمار...
ومنها: حمل الزاد في السفر.
ومنها: أن ذكاة الصيد عقره.
ومنها: مشروعية الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهدية من الصديق...
ومنها: استعمال الكناية في الفعل كما تُستعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة؛ لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحلّ. البحر المحيط الثجاج (22/ 268- 270).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)