عن الصَّعْبِ بن جَثَّامةَ الليثيِّ أنَّهُ أَهدَى لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حمارًا وحشيًّا، وهو بالأَبْوَاءِ أو بِوَدَّانَ، فرَدَّهُ عليه، فلمَّا رأى ما في وجهِهِ قالَ: «إنَّا لم نردَّهُ عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ».
رواه البخاري برقم: (1825)، ومسلم برقم: (1193).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«قوله: حمارًا وحشيًا»:
الوَحْشُ الوُحُوش وهي حيوان البَر، الواحد وَحْشِيٌّ، يقال: حِمارُ وَحْش بالإضافة، وحِمار وَحْشِيٌّ، وأرض مَوْحُوشَةٌ ذات وُحُوش، والوَحْشَةُ الخلوة والهمُّ. مختار الصحاح (ص: 740)
«الأَبْوَاءِ»:
هو بفتح الهمزة، وسكون الباء، والمد: جبل بين مكة والمدينة، وعنده بلد يُنسب إليه. النهاية، لابن الأثير (1/ 20).
«وَدَّان»:
هو بفتح الواو، وتشديد الدال: قريةٌ جامعة قريبًا من الجُحفة. النهاية، لابن الأثير (5/ 169).
شرح الحديث
قوله: «أنَّهُ أهدَى لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «أهدى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-» الأصل: أنْ يتعدَّى «أهدى» بـ"إلى" وقد يتعدَّى باللام، ويكون بمعناه، وقد يحتمل أن تكون اللام بمعنى "أجل" وهو ضعيف. إحكام الأحكام (2/ 102).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «أهدى» أي: وهب تودُّدًا. منحة العلام (5/ 226).
قوله: «حمارًا وحشيًّا»:
قال النووي -رحمه الله-:
«حمارًا وحشيًّا» وفي رواية: «حمار وحش» وفي رواية: «من لحم حمار وحش» وفي رواية: «عُجز حمار وحش يقطر دمًا» وفي رواية: «شِقّ حمار وحش» وفي رواية: «عضوًا من لحم صيد» هذه روايات مسلم، وترجم له البخاري: "باب إذا أُهدي للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل"، ثم رواه بإسناده، وقال في روايته: «حمارًا وحشيًّا»، وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك وغيره، وهو تأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدى بعض لحم صيد لا كله. شرح صحيح مسلم(8/ 104).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
إذا تأملتَ ما تقدم لم يحسن إطلاقه بطلان التأويل المذكور، ولا سيما في رواية الزهري التي هي عمدة هذا الباب، وقد قال الشافعي في الأم: حديث مالك أنّ الصعب أهدى حمارًا أثبتُ من حديث مَن روى أنّه أهدى لحم حمار، وقال الترمذي: روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب: «لحم حمار وحش» وهو غير محفوظ. فتح الباري(4/ 33).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قوله (أي: البخاري): "باب إذا أهدى أي: الحلال للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل"، كذا قيده في الترجمة بكونه حيًّا، وفيه: إشارة إلى أنَّ الرواية التي تدل على أنَّه كان مذبوحًا مُوهِمة. فتح الباري (4/ 31).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «حمارًا وحشيًّا» ظاهره: أنَّه أهداه بجُملته، وحمل على أنه كان حيًّا، وعليه يدل تبويب البخاري -رحمه الله-، وقيل: إنه تأويل مالك -رحمه الله-، وعلى مقتضاه: يستدل بالحديث على منع وضع المحرم يده على الصيد بطريق التملك بالهدية، ويقاس عليها: ما في معناها من البيع والهبة، إلا أنَّه رُدَّ هذا التأويل بالروايات التي ذكرها المصنف عن مسلم، من قوله: «عجز حمار» أو «شق حمار» أو «رِجل حمار» فإنها قوية الدلالة على كون المهدى بعضًا وغير حي، فيحتمل قوله: «حمارًا وحشيًّا» المجاز، وتسمية البعض باسم الكل، أو فيه حذف مضاف، ولا تبقى فيه دلالة على ما ذكر مِن تملُّك الصيد بالهبة على هذا التقدير. إحكام الأحكام (2/ 102).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
لا تبقى فيه دلالة على منع تملُّك بعض الصيد بالهبة، بل فيه دلالة على منعه من وجه آخر على هذا التقدير؛ لأنه إذا منع من تملك بعض الصيد بالهبة، فَلَأَن يحرم الكل بطريق الأَولى، ويكون من باب التنبيه بالأقل على الأكثر.
والبحث في هذا راجع إلى معرفة حقيقة الهدية والهبة، فالهدية ما حُملت إلى المهدَى؛ لقصد التودد وثواب الآخرة، بخلاف الهبة، فإن حقيقتها: العطية مطلقًا، سواء حُملت إلى الموهوب له أم لا، وهي لا تقتضي التودد عرفًا، بل تقتضي طلب المكافأة والثواب الدنيوي عليها.
فالاستيلاء على الصيد لغير المُحْرِم بشرطه بطريق الهدية جائز، وبطريق الهبة غير جائز؛ لكونه صيدًا يقتضي عوضًا دنيويًّا عُرفًا وتمنعًا، والإحرام ينافي ذلك جميعه، ألا ترى أنه يحرم عقد النكاح على المحرم والْمُحْرمة والولي، ولا ينعقد؛ لكونها حالة تنافي الإحرام، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1078- 1079).
قوله: «وهو بالأَبْوَاءِ أو بِوَدَّانَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وهو» أي: والحال أنه -عليه الصلاة والسلام-. إرشاد الساري (3/ 300).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وهو» -صلى الله عليه وسلم- مارٌّ «بالأبواء» والصعب نازل بالأبواء، ومرّ عليه -صلى الله عليه وسلم-. الكوكب الوهاج (13/ 317).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بالأبواء»: قيل: سمي الأبواء لوَبَائِهِ على القلب، وقيل: لأن السيول تَتَبَوَّؤُه أي: تحمله، قوله: «أو بودّان» شك من الراوي...، موضعٌ بقُرب الجُحفة، وقد سبق في حديث عمرو بن أمية أنه كان بالجُحفة، «وودّان» أقرب إلى الجُحفة من الأبواء، فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلًا، ومن ودّان إلى الجحفة ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة، وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودّان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء، والذي يظهر لي أن الشك فيه من ابن عباس؛ لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضًا. فتح الباري (4/ 33).
قوله: «فرَدَّهُ عليه»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فردّه عليه» ولأبي الوقت: «فرُدّ عليه» بحذف ضمير المفعول، أي: ردّ -عليه السلام- الحمار على الصعب (بن جثامة). إرشاد الساري (3/ 300).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فردّ عليه» أي: لم يقبل رسول الله -عليه السلام- ذلك الحمار منه. المفاتيح (3/ 348).
قوله: «فلمَّا رأى ما في وجهِهِ»:
قال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله: «فلما رأى ما في وجهه» يريد: من التَّغير بسبب الكراهة، وقد صرح بذلك في بعض الروايات: «فلما رأى ما في وجهه من الكراهة». العدة في شرح العمدة (2/ 1079).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «فلمَّا رأى ما في وجهي» يريد من التغير بسبب ردِّ هديته؛ وذلك أنه كره ردَّها عليه، فبان أثر ذلك عليه. الشافي (3/ 358).
قوله: «قالَ: إنَّا لم نردَّهُ عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّا لم نردُّه عليك إلا أنَّا حُرُم» «إنّا» الأُولى مكسورة الهمزة؛ لأنها ابتدائية، والثانية مفتوحة؛ لأنها حُذف منها اللام التي للتعليل، وأصله: إلا لأنَّا. إحكام الأحكام (2/ 102).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّا لم نردَّه عليك» المحدِّثون يقيدون «لم نردَّه» بفتح الدال المضاعفة المجزومة، وإنْ كان متصلًا بهاء الضمير المضمومة.
وقيّده المحققون: بضم الدال مراعاة للواو المتولدة عن ضمهم لها، ولم يحفلوا بالهاء لخفائها، وكأنهم قالوا: "رُدُّوا" كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف، وكأنهم قالوا: "ردًّا" وهذا مذهب سيبويه وأبي علي الفارسي وأهل التحقيق من أهل اللسان. المفهم (3/ 277- 278).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«والحُرُم» جمع حرام، وهو المحْرِم بالحج أو العمرة، وقوله: «إلا أنَّا حُرُم» يريد إلا لأنَّا حُرُم، فحذف اللام وهي مرادة؛ لأنها لام التعليل. الشافي (3/ 358).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قال: «إنا لم نردَّه» يعني: لم نردَّه عليه لتكبُّر أو لقِلَّة حرمتك عندنا، بل لأنَّ هذا صيد، ونحن مُحْرِمُون، ولا يحل الصيد على المحرم. المفاتيح (3/ 348).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فقد اتفقت هذه الآثار المروية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في حديث الصعب، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ردِّه الهدية عليه، أنها كانت في لحم صيد غير حيّ، فذلك حُجة لمن كره للمحرم أكل لحم الصيد، وإن كان الذي تولى صيده وذبحه حلالًا، وقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلاف ذلك... عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لحم الصيد حلال لكم وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم»... فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: كل صيد صِيدَ من أجل مُحْرِم وإن كان الذي صاده حلالًا فهو حرام على ذلك المحرم، كما يحرم عليه ما تولى هو صيده بنفسه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: كل صيد صاده حلال فلحمه حلال لكل محرم وحلال، وكان من الحجة لهم في حديث المطلب الذي ذكرنا، أنَّ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أو يُصاد لكم»، يحتمل أن يكون أراد به أو يُصاد لكم بأمركم، فإن كان ذلك كذلك فإنهم أيضًا كذلك يقولون: كل صيد صاده حلال لمحرم بأمره فهو حرام على ذلك المحرم، وقد رُوِيت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحاديث جاءت مجيئًا متواترًا في إباحة لحم الصيد الذي قد صاده الحلال للمحرم إذا لم يكن صاده بأمره، ولا بمعونته إياه عليه. شرح معاني الآثار (2/ 171).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلاف هذه الروايات يدل على أنه لم تكن قصة واحدة، وإنه كان في أوقات مختلفة، فمرة أُهدي إليه الحمار كله، ومرة أهدي إليه عَجُزه؛ لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه، حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة، والله أعلم، وقال إسماعيل بن إسحاق (المالكي): سمعتُ سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صِيد من أجل النبي -عليه السلام-، ولولا ذلك كان أكله جائزًا، قال سليمان: ومما يدل على أنه صِيد من أجله قوله في الحديث: «فردّه يقطر دمًا» كأنه صِيد في ذلك الوقت، قال إسماعيل: وأما رواية مالك: «أنه أهدى إليه حمار وحش» فلا تحتاج إلى تأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له إمساك صيد حيّ، ولا يذكِّيه، وإنما يحتاج إلى التأويل مَن روى: «أنه أهدى إليه بعض الحمار»، قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث غير مختلفة، أعني حديث الهدي في الحمار العقير وحديث أبي قتادة وحديث الصعب، ويفسرها كلها حديث المطلب عن جابر أن النبي -عليه السلام- قال: «صيد البَرِّ لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم»... قال الطبري: معناه: أو يُصد لكم بأمركم، قال غيره: وهذا الحديث يشهد لمذهب مالك أنه أعدل المذاهب وأولاها بالصواب.
قال المهلب: وفي حديث الصعب من الفقه: ردّ الهدية إذا لم تحلَّ للمهدَى له.
وفيه: الاعتذار لردّ الهدية. شرح صحيح البخاري (4/ 489).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قلتُ: والروايات الأُخَر تدل على أنه كان ميتًا، وأنه أتاه بعضو منه، ويصحّ الجمع بين هذه الروايات المختلفة؛ إما على القول: بأنه ميت، فإنه جاء بالحمار ميتًا فوضعه بقرب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قطع منه ذلك العضو، فأتاه به، فصَدَق اللفظان، أو يكون أطلق اسم الحمار، وهو يريد بعضه، وهذا سائغ، وهو من باب التوسع والتجوز.
وأما إن تنزَّلنا على أنَّ الحمار كان حيًّا، فيكون قد أتاه به، فلما ردّه عليه، وأقره بيده ذكَّاه، ثم أتاه منه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظنّ أنه إنما ردّه عليه لمعنى يخصّ الحمار بجملته، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد، لا يحل للمُحْرم قبوله ولا تملكه، وإنما احتجنا إلى هذه التكلفات لنرفع الاضطراب اللازم من تلك الروايات المختلفة على طريقتنا في روم الجمع بين الروايات المختلفة، فإنه الأحسن إذا أمكن، والله أعلم. المفهم (3/ 278- 280).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون إنما ردَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحد أمرين: إما لأنه لا يصحّ قبوله له، وإما لأنه يلزمه إرساله فلا فائدة في قبوله إلا الإضرار بمن كان له، ويجوز له الانتفاع به، وعلى الوجهين أن مَن أُهدي له صيد وهو محْرِم فإنه يجوز له الامتناع من قبوله، وفي المبسوط من رواية ابن نافع عن مالك: بلغني أنَّ الحمار الوحشي الذي أهدى الصعب بن جثامة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو محرم إنما ردّه عليه من أجل أن الحمار كان حيًّا. المنتقى شرح الموطأ (2/ 247).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أنَّ المحرم لا يجوز له تملُّك الصيد بقبوله إياه إن أُهدي إليه، وقياسًا عليه شراؤه إن بيع منه، ولو كان يجوز ذلك له لما ردَّه النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع قوله: «أجيبوا الداعي، ولا تردُّوا الهدية» وقوله: «لو أهدي إليّ ذراع لقبلتُ، ولو دعيتُ إلى كراع لأجبتُ».
وفيه: دليل على أنَّ مَن في يده صيد وأَحْرَم كان عليه إرساله، ورَفْعُ ملكه عنه، وقد اختلف الفقهاء فيمَن اشترى صيدًا وهو محرم؛ فقال الشافعي: لا يشتري الصيد، فإن اشتراه كان عليه إرساله، وكذلك قال أصحاب الرأي، وكان أبو ثور يقول في المحرم يشتري من المحرم صيدًا كان المحرم البائع اصطاده في الإحرام: لم يجز له بيعه، وكان عليه تخلية سبيله، وإنْ كان قد ملكه قبل ذلك فلا بأس به. أعلام الحديث (2/ 919- 920).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمع العلماء أنَّه لا يجوز للمحرم قبول صيدٍ، حتى إذا وُهب له بعد إحرامه، ولا يجوز له شراؤه، ولا إحداث ملكه؛ لعموم قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} المائدة: 96، ولحديث الصعب، فإنما ردّه -عليه السلام- لأنه لا يحل للمُحرم تذكية الصيد ولا إهلاله، وقال أشهب: سمعتُ مالكًا يقول: كان الحمار حيًّا. شرح صحيح البخاري (4/ 488).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
في ردّ النبي -صلى الله عليه وسلم- الحمار على الصَّعب بن جثَّامة وهو محرم دليل على أنَّه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما ردّه عليه؛ لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًّا، فدلّ هذا أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام، أو بالغصب والظلم، فإنه لا يجوز قبول هديته.
وفيه: الاعتذار إلى الصديق، وإذهاب ما يخشى أنْ يقع بنفسه من الوحشة وسوء الظن. شرح صحيح البخاري (7/ 90).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
في حديث جابر وفي حديث مالك، أنّ الصعب أهدى للنبي حمارًا، أثبت من حديث مَن حدَّث أنه أهدى له من لحم حمار، والله أعلم. اختلاف الحديث (8/ 655).
وقال المازري -رحمه الله-:
اختلف مالك والشافعي فيمَن أحرم وفي بيته صيد هل يرسله أم لا؟
وسبب الخلاف بينهما قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} المائدة: 96، هل المراد بالصيد ها هنا الاصطياد فلا يجب أن يرسل ما في البيت من الصيد، أو المصيد نفسه الذي هو الصيد فيرسله وإن كان تقدم اصطياده له قبل الإحرام؟ المعلم (2/ 74- 75).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
كافة العلماء على أن ما قتله المحرم من الصيد أو ذَبَحَه خطأ أو عمدًا أو ابتداء أو عَوْدًا فهو سواء في الجزاء والإثم، إلا الخاطئ فلا إثم عليه، وأن الصيد في كل هذا لا يؤكل وهو بمنزلة الميتة، وذهب الحسن وسفيان وأبو ثور والحكم في آخرين أنه يؤكل بمنزلة ذبيحة السارق، وروي عن الشافعي، والأول أصح عنه. إكمال المعلم (4/ 196).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- بعد ذكر الأقوال:
أرجح المذاهب عندي هو التفصيل الذي تقدم عن الجمهور، وهو أنه إن صاده الحلال لأجل المحرم مُنِعَ، وما صاده لا لأجله لم يُمْنَع؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب. البحر المحيط الثجاج (22/ 249).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فإنْ قيل: فهذا يُشكل على مذهب مالك؛ إذ يحكم بأن ما صيد لأجل محرم لا يحل أكله، وهو ميتة عنده، ولم ينههم النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل سوّغه لهم بتركه في أيديهم وإقرارهم عليه، فالجواب: إن ذلك الحكم إنما يلزم على مذهبه فيما تحقق أنه صِيد لأجل المحرم، وليس في هذا الحديث ما يدل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قطع بذلك ولا ظنَّه، وإنما امتنع من ذلك فيما يظهر ورعًا؛ كما قال في التمرة: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» والله أعلم. المفهم(3/ 278 - 279).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم، وقال الشافعي وآخرون: يحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد فإن صاده أو صِيد له فهو حرام، سواء صِيد له بإذنه أم بغير إذنه، فإن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلًا سواء صاده أو صاده غيره له أو لم يقصده فيحرم مطلقًا حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم-؛ لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} المائدة: 96، قالوا: المراد بالصيد: المصيد، ولظاهر حديث الصعب بن جثامة؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ردّه وعلّل ردّه أنه محْرِم، ولم يقل: لأنك صِدْتَه لنا، واحتجّ الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال قال للمحرمين: «هو حلال فكلوا»، وفي الرواية الأخرى قال: «فهل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رِجله، فأخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأكلها»، وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم» هكذا الرواية: «يُصاد» بالألف وهي جائزة على لغة... قال أصحابنا: يجب الجمع بين هذه الأحاديث، وحديث جابر هذا صريح في الفرق، وهو ظاهر في الدلالة للشافعي وموافقيه، وردٌّ لما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويُحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده، وحديث الصعب أنه قصدهم باصطياده، وتُحمل الآية الكريمة على الاصطياد وعلى لحم ما صِيد للمُحْرم؛ للأحاديث المذكورة المبيِّنة للمراد من الآية، وأما قولهم في حديث الصعب: إنه -صلى الله عليه وسلم- علل بأنه محرم، فلا يمنع كونه صِيد له؛ لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صِيد له بشرط أنه محْرِم، فبيَّن الشرط الذي يحرم به.
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنّا لم نردّه عليك إلا أنّا حُرُم» فيه جواز قبول الهدية للنبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف الصدقة.
وفيه: أنه يستحب لمن امتنع من قبول هدية ونحوها لعذر أن يعتذر بذلك إلى المهدي؛ تطييبًا لقلبه. شرح صحيح مسلم (8/ 104- 107).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
آثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل (بين ما صِيد له، وما لم يُصَدْ له)، فروى البيهقي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محْرِم، وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أُتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إني لستُ كهيئتكم، إنما صِيدَ من أجلي».
وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها، وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، وحديث الصعب بن جثامة يدل على منعه منه، وحديث جابر صريح في التفريق، فحيث أكل عَلِمَ أنه لم يُصَد لأجله، وحيث امتنع عَلِمَ أنه صِيد لأجله، فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه -صلى الله عليه وسلم- بحال. تهذيب سنن أبي داود (1/ 363- 365).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه فقتله دفعًا فيجوز ولا ضمان عليه، والله أعلم. فتح الباري (4/ 31).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها.
ومنها: الاعتذار إلى المهدي إذا لم يقبل هديته، ويُطيِّب قلبه بتبيين العذر.
ومنها: جواز الاصطياد لغير المحرم.
ومنها: حِلُّ أكل حمار الوحش لغير المحرم، وحلّه للمحرم إذا صاده الحلال ولم يكن للمحرم في صيده إعانة ولا تسبُّب.
ومنها: مراعاة جانب الشرع، وتقديمه على جانب الخلق وحظوظ النفوس. العدة في شرح العمدة (2/ 1079- 1080).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)