«كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يعتكفُ في كلِّ رمضانٍ عشرةَ أيامٍ، فلمّا كان العامُ الذي قُبضَ فيه اعتكفَ عشرينَ يومًا».
رواه البخاري برقم: (2044)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (21277)، والنسائي في السنن الكبرى برقم: (3330)، وابن ماجه برقم: (1770)، من حديث أُبيّ بن كعب: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ، فسافرَ عامًا فلم يعتكفْ، فلمّا كان العامُ المقبلُ اعتكفَ عشرينَ يومًا».
وفي لفظ لهم: «عشرينَ ليلةً».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يعتكفُ»:
الاعتكاف معلوم في الشرع: وهو ملازمة المسجد للصلاة وذكر الله، وأصله في اللغة: اللزوم للشيء والإقبال عليه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 82).
شرح الحديث
قوله: «كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلمَ- يعتكفُ في كلِّ رمضان عشرةَ أيامٍ»، وفي رواية: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ»:
قال السندي -رحمه الله-:
«كان يعتكف العشر الأواخر» أي: يُدِيم على اعتكافها أداء أو قضاء، وذلك لما علم أنَّه فاتته أحيانًا لمانع، وإن حمل على الأداء فهو من باب إجراء الغالب مجرى الدوام، أو المراد: يُديم عليه بلا مانع على أن دلالة «كان يعتكف» على الدوام ممنوعة عند كثير من المحققين، فلا إشكال -والله تعالى أعلم-. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (2/ 696).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان عشرة أيام»، وكان أولًا يعتكف العشر الأوسط طلبًا لليلة القدر، ثم علم أنها في العشر الأخير فصار يعتكف كما يومئ إليه حديث سعيد المذكور في باب الاعتكاف من البخاري. دليل الفالحين (7/ 70).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «عشرة أيام» أي: من رمضان؛ إذ هو المتبادر؛ لكن قد جاء أنه فاته سنَةً فقضى، فيحمل على الغالب، أو يقال: المراد: عشرة أيام من رمضان أو غيره. حاشية على سنن ابن ماجه (1/ 537).
قوله: «فلمّا كانَ العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكفَ عشرينَ يومًا»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فلما كان العام» بالنصب على الظرفية خبرًا لكان، وبالرفع على أنها تامة، «الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا» زيادة اجتهاد في الطاعة؛ لدُنُوِّ الأجل، ولعله أخذه -أي: دنو الأجل- كما صرَّح به في خطابه لبنته السيدة فاطمة -رضي الله عنها-، من مدارسته جبريل معه ذلك العام القرآن مرتين، ففي الحديث: الحضُّ على الاجتهاد في التعبُّد، والإِعراض عن الأعراض الدنيوية عند خواتم العمر وسن الكبر. دليل الفالحين (7/ 70).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«واعتكف عشرين يومًا» هي العشر الأوسط والأخير. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (4/ 473).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» قيل: السبب في ذلك: أنه -صلى الله عليه وسلم- علم بانقضاء أجله؛ فأراد أن يستكثر من أعمال الخير؛ ليبين لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمل؛ ليلقوا الله على خير أحوالهم، وقيل: السبب فيه أن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين؛ فلذلك اعتكف قدر ما كان يعتكف مرتين، ويؤيده: أن عند ابن ماجه عن هناد عن أبي بكر بن عياش في آخر حديث الباب متصلًا به: «وكان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة؛ فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه عرضه عليه مرتين»...
وأقوى من ذلك: أنه إنما اعتكف في ذلك العام عشرين؛ لأنه كان العام الذي قبله مسافرًا، ويدل لذلك: ما أخرجه النسائي واللفظ له وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره من حديث أُبيّ بن كعب: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عامًا فلم يعتكف؛ فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين»، ويحتمل تعدد هذه القصة بتعدد السبب، فيكون مرة بسبب ترك الاعتكاف لعذر السفر، ومرة بسبب عرض القرآن مرتين. فتح الباري (4/ 285).
وفي رواية: «فسافرَ عامًا فلم يعتكفْ، فلمّا كانَ العامُ المقبلُ اعتكفَ عشرينَ يومًا»، وفي لفظ: «عشرين ليلة»:
قال السندي -رحمه الله-:
«فسافر عامًا» الظاهر أنه عام الفتح، وقد علمَ أنه سُنَّة بلا سفر أيضًا فقضى، وبالجملة: فكان يهتم بأمر الاعتكاف فيقضي إن فاته -صلوات الله وسلامه عليه-. حاشية على سنن ابن ماجه (1/ 538).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلم يعتكف عامًا» لأنه كان فيه مسافرًا، «فلما كان العام المقبل» بعده «اعتكف» فيه «عشرين ليلة» أي: متوالية العشر الأخير والأوسط الذي قبله، ويدل عليه تبويب البخاري على هذا الحديث: باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان، وذكر قبله حديث أبي سعيد: «اعتكفنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-العشر الأوسط من رمضان»، وقيل: السبب في اعتكاف عشرين: أنه -صلى الله عليه وسلم- علم بانقضاء أجله، فأراد أن يستكثر من أعمال الخير لأمته. شرح سنن أبي داود (10/ 610-611).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فلما كان العام المقبل» اسم فاعل من الإقبال، «اعتكف عشرين» بكسر العين والراء، وقيل: بفتحهما على التثنية. تحفة الأحوذي (3/ 433).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «اعتكف عشرين ليلة» أي: من رمضان: عشرة قضاء عما فاته في الماضي، وعشرة عن الحاضر، وهذا إما لأن الاعتكاف كان واجبًا عليه بخصوصه، أو لتأكد سُنِّيَّته. المنهل العذب المورود(10/ 230).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قُبِض فيه من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد أن يستكثر من عمل الخير؛ ليَسُنَّ لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا انقضاء العمر؛ ليلقوا الله على خير أحوالهم. شرح صحيح البخاري (4/ 181).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يُتِمَّه على ما نوى؛ فقال بعض أهل العلم: إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج من اعتكافه، فاعتكف عشرًا من شوال، وهو قول مالك، وقال بعضهم: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعًا، فخرج، فليس عليه أن يقضي إلا أن يحب ذلك اختيارًا منه، ولا يجب ذلك عليه، وهو قول الشافعي، قال الشافعي: فكل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلتَ فيه، فخرجتَ منه، فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة. سنن الترمذي (3/ 157).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أن النوافل المعتادة تُقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض، ومن هذا قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد العصر الركعتين اللتين فاتتاه لقدوم الوفد عليه واشتغاله بهم.
وفيه: مُستَدَلٌّ لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم ينشئه له، وذلك أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحق له.
وقد اختلف الناس في هذا؛ فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام أجزأه، وإليه ذهب الشافعي، وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وقال الأوزاعي ومالك: لا اعتكاف إلاّ بصوم، وهو مذهب أصحاب الرأي، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهو قول سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. معالم السنن (2/ 137-138).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
والظاهر: أن التشبيه لمجرد القضاء بعد الفوات وإلا فقضاء الفرائض فرض، وقضاء النوافل نفل. مرقاة المفاتيح (4/ 1449).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قلتُ: في الحديث دليل على أن مَن اعتاد اعتكاف أيام ثم لم يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاؤها، فكان قضاؤه -صلى الله عليه وسلم- له على طريق الاستحباب. مرعاة المفاتيح (7/ 156).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان» فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبي -عليه السلام-؛ فينبغي للمؤمنين الاقتداء في ذلك بنبيهم، وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبي -عليه السلام- لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله، وروى ابن نافع عن مالك قال: ما زلتُ أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي حتى قبضه الله تعالى وهم أتبع الناس بآثاره، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال المنهى عنه، وأراهم إنما تركوه لشدَّته، وأن ليله ونهاره سواء، قال مالك: ولم يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن، واسمه المغيرة، وهو ابن أخي أبي جهل، وهو أحد فقهاء تابعي المدينة، قال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخرساني أنه قال: كان يقال: مَثَلُ المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربِّه ثم قال: ربِّ لا أبرح حتى تغفر لي، ربِّ لا أبرح حتى ترحمني. شرح صحيح البخاري (4/ 181-182).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي هذه الأحاديث: جواز الاعتكاف في رمضان وشوال، ويقاس عليهما غيرهما من الشهور، وجوازه أول الشهر ووسطه وآخره؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وجوازه عشرًا وشهرًا كاملًا؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، في ظاهر الحديث الذي ذكره مسلم عن أبي سعيد، من رواية محمد بن عبد الأعلى.
ولا خلاف أنه لا حد لأكثره لمن نذره، ولا لأقله، واستحب أن يكون أكثره عشرة أيام؛ اقتداء بالنبي -عليه السلام-، واختلف في أقلِّه، وعن مالك في ذلك روايتان، قال: أقله يوم وليلة، وقال: عشرة أيام، وذلك فيمَن نذر اعتكافًا مبهمًا.
وفيه: استحباب كونه في العشر الأواخر من رمضان؛ لمواظبة النبي -عليه السلام- على ذلك؛ لقوله: «كان يعتكف»، وأكثر ما يستعمل هذا فيما كان يداوم عليه، مع ما دلت عليه نصوص الآثار من تكراره، ولأن ليلة القدر مطلوبة في ذلك العشر، على أكثر الأقوال التي قدمناها. إكمال المعلم (4/ 151).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه: دليل على استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فإنه انقطاع إلى الذكر، ومن شرطه: أن يكون في مسجد يقام فيه الجماعة؛ لئلا يعتكف في مسجد لا يقام فيه الجماعة فيفوته من فضيلة الجماعة ما لا يجبر بالاعتكاف؛ ومن شرطه ألا يشتغل إلا بقربة.
وينبغي للمعتكف: أن يفهم معنى الاعتكاف وهو أن يكون كما يكف قدمه عن السعي في غير قربة؛ فكذلك يكف قلبه وخاطره عن الفكر في غير قربة. الإفصاح (4/ 166-167).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وإنما كان يعتكف النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر؛ قطعًا لأشغاله، وتفريغًا للياليه، وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعلم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات؛ فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها، سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة قال: هو في النار، فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد خصوصًا في شهر رمضان خصوصًا في العشر الأواخر منه كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله. لطائف المعارف(ص: 190).