السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مَن عادَ مريضًا لم يحضُر أجلُهُ، فقالَ عندهُ سبعَ مرارٍ: أسألُ اللهَ العَظيمَ ربَّ العَرشِ العَظيمِ أن يَشفيَكَ، إلا عافاهُ اللهُ من ذلك المَرَضِ».


رواه أحمد برقم: (2138)، وأبو داود برقم: (3156) -واللفظ له-، والترمذي برقم: (2083)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند النسائي في الكبرى برقم: (10815): «فإن كان في أَجَلِه تأخير عُوفي مِن وجَعِه».
صحيح الجامع برقم: (6388)، مشكاة المصابيح برقم: (1553).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «مَن عَادَ مَريضًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن عادَ مريضًا» أي: زاره في مرضِه. فيض القدير (3/ 457).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
العيادة: الزّيارة، ولا يُقال ذلك إلا لزيارةِ المريضِ. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (9/ 543).

قوله: «لم يَحضُر أجَلُه»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لم يحضُر أجَلُه» صفة لقوله: «مريضًا»، وقد عرفَ أن الجملة بعد النكرة تكون صفةً، وبعد المعرفة تكون حالًا، ويستفاد من هذا القيْد: أن المريض الذي حضر أجلُه لا يفيده شيءٌ في تأخير عمرهِ، ولكنَّ العائد إذا قرأ عنده شيئًا يفيده في الآخرة، ويفيد القارئ أيضًا، وربما يُسهلُ عليه مرضهُ، ويهوِّن عليه سكَراتِ الموت؛ ببركة القراءة والدعاء. شرح سنن أبي داود (6/ 24).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لم يحضُر» في عِلمِ اللهِ «أجلُه». التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 622).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لم يحضُر أجلُه» أي: ليس الذي فيه مرضُ الموت...، أما إذا حضر الأجلُ فلا ينفع الدواءُ ولا القراءة؛ لأن الله -تعالى- قال {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} الأعراف: 34. شرح رياض الصالحين(4/ 483).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث مقيّدٌ بعدم حضور الأجل، فإذا كان قد حضر فكما قال الشاعر:
وإذا المنِيَّةُ أنشَبت أظفارَها *** ألفَيتُ كلَّ تَميمةٍ لا تنفعُ. تحفة الذاكرين(ص: 332).

قوله: «فقالَ عندهُ سَبعَ مرارٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيقولُ» أي: العائدُ «سبعَ مرَّات» لعله إشارةٌ إلى السبعةِ الأعضَاءِ. مرقاة المفاتيح (3/ 1135).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقالَ عنده» داعيًا له. التحبير لإيضاح معاني التيسير (6/ 622).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فيقول» أي: العائِد في دعائه له «سبعَ مراتٍ» هذا العددُ من أسرار النُّبوة، فليس لأحدٍ أن يطلبَ العلَّة لذلك، أو يبحث عن السبب، وهكذا كلُّ عددٍ يرِد عن الشارع -صلى الله عليه وسلم- مرعاة المفاتيح (5/ 247).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
العددُ الواردُ عن الشارع في العبادة، له سِرٌّ تترتَّب عليه ثمرتُه. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 240).

قوله: «أسألُ اللهَ العظيمَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «أسألُ اللهَ العظيمَ» أي: في ذاتهِ وصفاتِه. مرقاة المفاتيح (3/ 1135).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أسألُ اللهَ العَظيمَ» أي: العالي قدرُه، المرتفعُ سلطانُه، القاهرُ عبادَه. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 240).
وقال الطبري -رحمه الله-:
«العظيم» معناه: المعظَّمُ الذي يعظِّمه خلقُه ويهابُونه ويتَّقونهُ. جامع البيان (5/ 406).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
«الْعَظِيمُ» الجامعُ لجميع صفاتِ العَظَمة والكبرياءِ والمجد والبَهاء، الذي تحبُّه القلوبُ، وتعظِّمهُ الأرواحُ، ويعرف العارفون أن عَظَمة كلِّ شيءٍ، وإن جلَّت عن الصَّفة، فإنها مضمَحلَّةٌ في جَانبِ عَظمةِ العليِّ العظيمِ. يسير الكريم الرحمن (ص:954).

قوله: «ربَّ العرشِ العَظيمِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ربّ العرشِ» منصوب؛ لكونه صفة «لله»، ويجوز أن ترفع على أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «وهو ربُّ العرشِ العظيمِ»، ومعنى العظيم: ... في حق العَرش كونهُ أعظمُ المخلوقات...والعرش في اللغة: السرير، وهو سريرٌ ذو قوائم تحملُه الملائكة، وهو كالقبَّةِ على العالَم، وهو سقفٌ للمخلوقات، وبهذا بَطل كلام مَن يقول: إنه فلكٌ مستديرٌ في جميع جوانبه، محيطٌ بالعالَم من كل جهة، وهو الفلك التاسع، والفلك الأطلس، والأثير. شرح سنن أبي داود (6/ 24).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«رب العرش العظيم» فإنه أعظمُ مخلوقاته، ومحيطٌ بمكوناته، وفي نسخة بنصب: «العظيمَ» على أنه صفة الرب. مرقاة المفاتيح (3/ 1135).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «ربَّ العرشِ العَظيمِ» بدل أو بيان، والتخصيص للتشريف والتكريم، و«العظيمِ» بالجر على أنه صفة العرش. الفتوحات الربانية (4/ 62).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والعرشُ فوق المخلوقات كلِّها، وهو أعظم المخلوقات التي نعلمُها؛ لأنه جاء في الأثر: «أن السَّماوات السَّبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحِلقة أُلْقِيَت في فلاة من الأرض» السماوات السبع على سعتها، والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة بالنسبة للأرض، ألقِ حِلقةً من حِلَقِ المغفرِ في فلاة من الأرض، وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون؟ لا شيء! وهذه الحِلقة بالنسبة للفلاة؟ ليست بشيء، وفي بقية الأثر: "وإنَّ فضل العرش على الكرسي كفَضْل الفَلاة على هذه الحلقة"، إذًا: الكُرسي بالنسبة للعرشِ كحِلقة ألقيت في فلاة من الأرض، فانظر إلى عِظم هذا العرش؛ ولهذا وصفه الله بالعظيم، كما قال: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة: 129، وقال: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} البروج: 15، فوصفَه الله بالمجد والعظمة، وكذلك بالكرم، فهذا العرش استوى الله -تعالى- فوقه، فالله فوق العرشِ، والعرش فوق جميعِ المخلوقات. شرح رياض الصالحين (1/ 434).

قوله: «أن يَشفيَكَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أن يَشفيَكَ» بفتح أوله، شفاءً لا يغادر سقَمًا. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (13/ 305).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «يَشفيكَ» بفتح الياء...؛ أي ‌يُبرئك، ويَشفيك مِن كُلِّ داءٍ. فتح المنعم(8/537).

قوله: «إلا عافاهُ اللهُ من ذلك المَرضِ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
قوله: «إلا عافاهُ اللهُ من ذلك المَرض» دخول «إلّا» هنا من تحريف الرواة، فإنه ليس محلّ دخولها؛ لأنّها لا تدخل في جواب الشّرط، لا يقال: مَن جاءني إلَّا أكرمتُه، وكأنّ ذلك من الرّبيع بن يحيى الرّاوي عن شعبة، فقد رواه ابن السُّني في عمل اليوم والليلة من طريق محمد بن جعفر عن شعبة بلفظ: «ما من مسلمٍ يعود مريضًا لم يحضر أجلُه، فيقول سبع مرّات: أسال الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفيك إلَّا عوفي» وهذا محلّ دخول إلَّا. مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (2/ 796-797).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا عافاهُ اللهُ» استثناء مِنْ «مَنْ» الشرطية العامَّة، كأنه قال: "ما عاد أحدٌ مريضًا فقال كذا إلا عافاهُ الله" ... أي: أعطاه عافيةً تامَّةً، «من ذلك المَرض» ويشمل الوعد ما ينشأُ عنه، ففيه عافيةٌ مَن قيل عنده ذلك من مرضه القائم به، ومما يتسبب عنه، ويحتمل أن يكون قاصرًا عليه دون ما ينشأ عنه -والله أعلم-. دليل الفالحين (6/ 381).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «إلا عافاهُ اللهُ من ذلك المَرض» أي: لا يقول ذلك أحدٌ عند واحد من المرضى، إلا عافاه الله من مرضه، فأداة النفي مقدَّرة؛ ليصح الكلام بدليل ما يأتي في رواية الترمذي، ويحتمل أن «مَن» في قوله: «مَن عادَ» للاستفهام الانكاري بمعنى النفي، كقوله -تعالى-: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} البقرة: 255. المنهل العذب المورود(8/ 240).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إلا عافاهُ اللهُ» -تعالى- «من ذلك المرَض» الذي هو به، لكن لا يلزم أن يُعافَى في وقتِ الدعاء، بل يُعافى فيه أو بعدَه. شرح سنن أبي داود (13/ 305).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إلا عُوفي» من ذلك المرض، فينبغي لكل عائدٍ أن يقوله؛ فإنه لا يعلمُ أحدٌ مَن قد حضر أجلُه. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 508).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
ويجوز أن يقول هذا الدعاء سرًّا وجهرًا، فكل ذلك سائغ، ولكن إذا أسمع المريضَ فهو الأولى والأفضل؛ لأن فيه إدخال السرور عليه، وليس هناك دليلٌ يدل على أن المريض يدعو بهذا الدعاء لنفسه، لكن له أن يسأل الله الشفاء. شرح سنن أبي داود (362/ 11).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلَّ الحديث على أن عيادة المريض مشروعة، وعلى أن مَن حضر أجله لا مفر من موته، وعلى أن العدد الوارد عن الشارع في العبادة له سر تترتب عليه ثمرته، وعلى أن الدعاء ينفع. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 240)
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
لو لم يكن فيها -العيادة- من الفائدة إلا ما قال النّبي -صلى الله عليه وسلم-: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال له: سبع مرّاتٍ أسأل الله العظيم رب العرشِ العظيم أن يشفيك عوفي من ذلك المرض» وربما احتاج المريض إلى التمريض فيتناول ذلك العائد إن لم يكن له أهل، وهذا معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «عودُوا المريضَ» لجماعِ هذه الفوائد، والتمريض فرض على الكفاية، لا بد أن يقوم به بعض الخلق عن البعض، فالقريب ثم الصاحب ثم الجار ثم سائر الناس. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص1132-1133).


إبلاغ عن خطأ