الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«كان لمُطَرِّفِ بن عبدِ الله امرأتان، فجاء من عند إحداهما، فقالت الأخرى: جِئتَ من عندِ فُلانة؟ فقال: جِئتُ من عندِ عِمْرانَ بنِ حُصين، فحدَّثَنا أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: إنَّ أَقَلَّ ساكني الجنةِ النساءُ».


رواه مسلم برقم: (2738)، من حديث عِمْران بن حُصَين -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «إنَّ أَقَلَّ ساكِنِيِّ الجنَّة النِّساءُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والظاهر أنه جاء من عند عِمْران، فمر بامرأته الأخرى، أو بالعكس، ثم جاء إلى الثانية، فواجهته بهذا السؤال. البحر المحيط الثجاج (42/ 478، 479).
وقال محمد تقي العثماني -رحمه الله-:
وكأنَّه قد لقيه قبل أنْ يأتي إلى امرأته الأولى، أو بعد أنْ يخرج منها (أي: من عندها)، وإنَّما ذكر ذلك تنبيهًا لامرأته الثَّانية أنْ لا تسيء الظن به، وبامرأته الأولى، ولا تقع فيهما؛ لأنَّ ذلك قد يُسبِّب عذاب النَّار.
وحديث عِمْران بن حُصَين هذا رواه عنه أبو رجاء أَيضًا عند البُخَارِيّ، فالصحيح أنَّ أَبا رجاء سمع هذا الحديث من ابن عباس وعِمْران بن حُصَين كليهما، راجع فتح الباري(11/ 279) لتحقيقه. تكملة فتح الملهم (5/470).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«أقل ساكني الجنة النساء» قد بيَّن العلة في حديث الكسوف («تُكثرن اللعن، وتكفرن العشير»). إكمال المعلم (8/ 235).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ أقل ساكني الجنة النساء» أي: في أول الأمر قبل خروج عصاتهن من النار، فلا دلالة فيه على أنَّ نساء الدنيا أقل من الرجال في الجنة. التيسير (1/ 312).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«إنَّ أقل ساكني الجنة النساء»...وقال بعض المحققين: القلة يجوز كونها باعتبار ذواتهن إذا أريد ساكني الجنة المتقدمين في دخولها، وكونها باعتبار سكناهن بأن يُحْبَسْنَ في النار كثيرًا، فيكون سكناهن في الجنة قليلًا بالنسبة لمن دخل قبلهن، وإنما قلنا ذلك لأن السُّكنى في الجنة غير متناهية فلا توصف بقلة ولا كثرة. فيض القدير (2/ 428).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ أقل ساكني الجنة النساء» هو تصريح بمفهوم: «اطَّلعتُ على النار فرأيتُ أكثر أهلها... النساء» وعلله بأنهن: «يكثرن اللعن، ويكفرن العشير». التنوير (3/ 581).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«إنَّ أقل ساكني الجنة النساء» أي: الصالحات منهن في أول الأمر، قبل خروج عصاتهن من النار، حيث تكون الكثرة لهن في النار، ويؤيد ذلك حديث عِمْران بن حُصَين الذي قبل هذا بلفظ: «اطَّلعتُ في النار فرأيتُ أكثر أهلها النساء» فلا ينافي كثرتهن في الجنة بعد عقاب عصاتهن، والله أعلم. الفتح الرباني (19/ 304 ، 305).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قال علماؤنا: إنما كان النساء أقل ساكني الجنة لِمَا يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا؛ لِنُقْصَان عقولهن أن تَنْقَدْنَ بصائرها إلى الأخرى، فيضعفن عن عمل الآخرة، والتأهب لها؛ ولميلهن إلى الدنيا، والتزين بها ولها، ثم مع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تَصرف الرجال عن الأخرى لما لهم فيهن من الهوى والْمَيل لهن، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن، صارفات عنها لغيرهن، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدِّين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن -إلى الأخرى وأعمالها- من المتقين. التذكرة (ص: 818).
وقال القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
قال علماؤنا: لم يختلفوا في جنس النساء، وإنما اختلفوا في نوعٍ مِن الجنس، وهو نساء الدنيا ورجالها أيهما أكثر في الجنة؟ فإن كانوا اختلفوا في المعنى الأول، وهو: جنس النساء مطلقًا، فحديث أبي هريرة حجة، وإن كانوا اختلفوا في نوعٍ من الجنس وهم أهل الدنيا فالنساء في الجنة أقل.
قلتُ: يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار، وأما بعد خروجهن في الشفاعة ورحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال: لا إله إلا الله، فالنساء في الجنة أكثر، وحينئذٍ يكون لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا، وأما الحور العين فقد تكون لكل واحد منهم الكثير منهن. التذكرة (ص: 983).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
ويُجاب أيضًا: بأنَّ المراد بكونهن أكثر أهل النار نساء الدنيا، وبكونهن أكثر أهل الجنة نساء الآخرة، فلا تنافي. تحفة الباري (6/ 346).
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وجه الرد (رد مُطَرِّف بن عبد الله على زوجته): أنَّ كُفران العشير، وعدم تصديقه، والادعاء عليه بما ليس بحق سبب في دخولهن النار. فتح المنعم (10/ 289).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«إن أقلَّ ساكني الجنة النساء» وقد أشكل على بعض الناس الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في أهل الجنة: «لكل واحد منهم زوجتان» وفي صحيح مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: إما تفاخروا، وإما تذاكروا، الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب»؟
فرام بعضهم الجمع بين الحديثين بأن قلة النساء في الجنة إنما هو قبل خروج عصاة الموحدين من النار، فإذا خرجوا منها كان النساء حينئذٍ أكثر.
والصحيح: أن أبا هريرة أراد أن جنس النساء في الجنة أكثر من جنس الرجال؛ لأن كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال، ويدل على هذا: أنه ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة هذا الصحيحة: «لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين». التخويف من النار (ص: 267، 268).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ففي صحيح مسلم عن محمد بن سيرين قال: "إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟" فقال أبو هريرة: أَوَ لَم يقل أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب»...ويعارضه الحديث الآخر «إني رأيتكن أكثر أهل النار»، وفي الحديث الآخر: «اطلعتُ في النار فرأيتُ أكثر أهلها النساء» وكلاهما في الصحيح.
والجمع بينهما: أنهن أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار لكثرتهن، قال القاضي عياض: يخرج من مجموع هذا: أن النساء أكثر ولد آدم، قال: وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير.
قلتُ: وقد تقدم من عند الزبيدي من حديث أبي سعيد «إن أدنى أهل الجنة الذي له اثنتان وسبعون زوجة».
فإنْ قلتَ: كيف اقتصر في هذا الحديث على ذكر زوجتين؟
قلتُ: الزوجتان من نساء الدنيا، والزيادة على ذلك من الحور العين. طرح التثريب (8/ 270).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
بهذا يُعلم أنَّ نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم، وعن هذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «أقل ساكني الجنة نساء، وأكثر ساكني جهنم النساء» يعني: نساء بني آدم هن أقل في الجنة، وأكثر في النار. المفهم (7/ 181).
وقال العراقي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: وإذا قلنا بالأول -إنَّ لكل واحد منهم زوجتين من نساء الدنيا- فيشكل على ذلك قوله: «أقل ساكني الجنة النساء»، ولعل راويه رواه بالمعنى في فهمه، فأخطأ فَهْمَ من كونهن أكثر ساكني جهنم أنهن أقل ساكني الجنة، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يلزم، وأنهن أكثر ساكني الجهتين معًا؛ لكثرتهن، والله أعلم. طرح التثريب (8/ 270).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
دعواه خطأ الراوي في فهمه غير مقبول، بل المعنى عليه صحيح؛ إذ هو محمول على أول الأمر، فإنهن أكثر دخولًا النار، ثم يخرجن بالشفاعة، فيدخلن الجنة، فيكُنَّ أكثر من الرجال، حتى يكون لكل رجل زوجتان من نساء الدنيا، غير الحور العين، فإنهن أكثر، فَتَبَصَّر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (42/ 481).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يُشكل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر: «اطَّلعتُ في الجنة فرأيتُ أقل ساكنها النساء» ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار، يلزم منه أن يكنَّ أقل ساكني الجنة، وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، والله أعلم. فتح الباري (6/ 325).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
النساء أكثر من الرجال؛ إذ قد صح أنهن أكثر أهل النار، وقد صح لكل رجل من أهل الجنة زوجتان من الإنسيات، سوى الحور العين؛ وذلك لأنَّ مَن في الجنة من النساء أكثر من الرجال، وكذلك في النار، فيكون الخلق منهم أكثر. مجموع الفتاوى (6/ 432).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «للرجال من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حُلَّة، يُرى مخ ساقها من وراء الثياب»، فإن قيل: كيف تجمعون بين هذا الحديث، وبين حديث جابر المتفق عليه ... «إنَّ منكن في الجنة ليسير» فقالت امرأة: يا رسول الله، لم؟ قال: «إنكن تُكثرن اللعن، وتَكفُرن العشير»، وفي الحديث الآخر: «إنَّ أقل ساكني الجنة النساء»؟
قيل: هذا يدل على أنهن إنما كنَّ في الجنة أكثر بالحور العين التي خُلقن في الجنة، وأقل ساكنيها نساء الدنيا، فنساء الدنيا أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار، أما كونهن أكثر أهل النار فلِمَا روى البخاري في صحيحه من حديث عِمْران بن حُصَين قال: بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «اطَّلعتُ في النار فرأيتُ أكثر أهلها النساء، واطَّلعتُ في الجنة، فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء»، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اطَّلعتُ في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطلعتُ في النار، فرأيتُ أكثر أهلها النساء»... وأما كونهن أقل أهل الجنة فهي إفراد مسلم... «إنَّ أقل ساكني الجنة النساء». حادي الأرواح (ص: 125 - 127).


إبلاغ عن خطأ