السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجع من غزوة تبوك، ‌فَدَنَا من المدينة، فقال: «إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ‌ما ‌سِرْتُم ‌مسِيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينةِ؟ قال: «وهم بالمدينةِ؛ حبسهُمُ العُذْرُ».


رواه البخاري برقم: (4423) واللفظ له من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-
ومسلم برقم: (1911)، من حديث جابر -رضي الله عنه- ولفظه: «حبَسهُم المرض».
وفي لفظ له: «إلا شرَكوكم في الأجر»، وفي لفظ له أيضًا برقم: (1911): «إِنَّ بالمدينة لَرِجَالًا».
وفي لفظ للبخاري برقم: (2839): «‌إن ‌أقوامًا ‌بالمدينة ‌خلفنا، ‌ما ‌سَلكنا ‌شِعبًا ‌ولا ‌واديًا ‌إلا ‌وهُم ‌معنا ‌فيه، ‌حبَسهم ‌العُذر».


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فَدَنَا» أي: قرب «من المدينة». إرشاد الساري (6/ 459).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن رسول الله كان رجع من غزوة تبوك» وفي نسخة بالتنوين، وهي أرض بين الشام والمدينة «فدنا من المدينة» أي: قاربها. مرقاة المفاتيح (6/ 2472).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«رجع من غزوة تبوك» موضع من الشام، وهو آخر غزواته -صلى اللَّه عليه وسلم-. لمعات التنقيح (6/ 556).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من غزوة تبوك» بفتح الفوقية، وهي في ‌طرف ‌الشام ‌من ‌جهة القِبلة بينها وبين المدينة النبوية نحو أربع عشرة مرحلة، وكانت غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة، وهي آخر غزواته. قال الأزهري: أقام بتبوك بضعة عشر يومًا. والمشهور ترك صرف تبوك للتأنيث والعلمية، وفي رواية صحيح البخاري في حديث كعب بن مالك:...«لم يَذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ تبوكًا» بالصرف في جميع النسخ باعتبار إرادة الموضع. دليل الفالحين (1/ 65).

قوله: «فقال: «إنَّ بالمدينةِ أقوامًا ‌ما ‌سِرْتُم ‌مسِيرًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: إن بالمدينة أقوامًا» أي: جماعات ممن يتمنون الغزو، ويحدِّثون أنفسهم بالخروج، ولهم مانع ضروري، «‌ما ‌سرتم ‌مسيرًا» أي: سيرًا، أو مكانًا. مرقاة المفاتيح (6/ 2472).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
(أقوامًا) أي: رجالًا بدليل الرواية السابقة؛ ولأن القوم مختص بالرجال، قال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} الحجرات: 11 الآية. وقال الشاعر: أقومٌ آل حصن أم نساء. دليل الفالحين (1/ 65).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» لمن معه من المجاهدين الذين رجعوا من غزوة تبوك: «إن بالمدينة» المنورة «لقومًا» من المؤمنين «ما سرتم» أيها المرافقون معي «مِن مسير» أي: ما سرتم سيرًا في سفرنا هذا. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (16/ 166- 167).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هؤلاء قوم صدقت نيَّاتهم في الخروج إلى تلك الغزاة، فحبسهم القدر بالمرض، فكانوا كأنهم غزوا، وعلى هذا جميع أفعال الخير متى نواها الإنسان فمنعه القدر كُتب له ثواب الفعل. ومن جنس هذا: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} الصافات : 105، وربما زادت النية الصادقة على الفعل؛ لأن الفاعل قد يلاحظ عمله، والممنوع بالعذر لا يرى إلا عجزه. كشف المشكل (3/ 112- 113).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقال: إن بالمدينة أقوامًا» وهم الذين يتمنون الغزو، ويحدِّثون أنفسهم به، ولهم مانع من الخروج. شرح المصابيح (4/ 322).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ما سِرْتُم مسيرًا» بفتح الميم وكسر السين أي: في ليل ولا نهار. شرح سنن أبي داود (11/ 96).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«إلاّ كانوا معكم» بالقلوب والنيّات. إرشاد الساري (6/ 459).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما ‌سرتم ‌مسيرًا» أي: سيرًا أو في مكان سير، فهو مصدر ميمي أو اسم مكان، «ولا قطعتم واديًا» فيه إشارة إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة : 120. إلى قوله: {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} التوبة : 121. دليل الفالحين (1/ 64).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ما ‌سرتم ‌مسيرًا» أي: ما خطوتم من خطوة. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 574).

قوله: «ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«قطعتم واديًا» قطعتُ الوادي: إذا جُزْتُه وعبرته، أراد به: مسيرهم في غزوهم ومقصدهم. جامع الأصول (2/ 622).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا قطعتم واديًا» أي: أرضًا في ذهابهم ومجيئهم، فالوادي كل منفرج بين جبال أو آكام يجري فيه السيل، «إلا وهم معكم فيه» بالنية.. شرح سنن أبي داود (11/ 96).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا قطعتم واديًا» تخصيص لكون قطع الوادي أشق، وليدل على الاستيفاء «إلا كانوا معكم» أي: بالقلب والهمة والدعاء. مرقاة المفاتيح (6/ 2472).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ولا قطعتم واديًا» من ذكر الخاص بعد العام. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 574).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ولا قطعتم» أي: ولا جاوزتم «واديًا» من الأودية التي بين المدينة وتبوك.
وقوله: «إلا كانوا معكم» استثناء من أعم الأحوال أو الأزمان؛ أي: ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا في حال من الأحوال؛ أي: في حال تعبكم وفي حال راحتكم، أو في زمن من الأزمان في ليل أو نهار إلا كان أولئك القوم الذين في المدينة معكم أيها المرافقون معي، «فيه» أي: في ذلك المسير والقطع؛ أي: إلا كانوا مشاركين معكم في ثواب ذلك المسير والقَطْع من أجل حسن نيتهم. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (16/ 167)
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«كانوا معكم» أي: لتعلُّق قلوبهم، وشغل ضمائرهم، فهم يقولون: هم اليوم بموضع كذا، فالمعية بالنية والثواب.
وهو دليل على أن المعذور له ثواب الفعل إذا تركه للعذر. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (11/ 452).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌إلا كانوا معكم» أي: بالقلب والهم والدعاء، وهذا يدل على أن كون المعية بالقلب مع بُعد الظاهر كهي بالظاهر، وأن المعتبر القرب بالأرواح لا الأشباح، وأن نيل المثوبة بالنية لا بالأعمال الظاهرة فقط، ولذلك ورد في حق الكل في التنزيل: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} النساء: 95. شرح المصابيح (4/ 322).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «إلا كانوا معكم» أي: بالقلب والهمة والدعاء، وبهذا شركوا في الأجر، أي: في أصله لا في قدْرِه، قال اللَّه -سبحانه وتعالى-: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء: 95. لمعات التنقيح (6/ 556).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا كانوا معكم» أي: شركوكم في الأجر كما في الرواية الثانية: «وكان لهم مثل أجركم مضاعفًا»؛ لصحة نيتهم في مباشرة كل ما باشره إخوانهم المجاهدون...دليل الفالحين (1/ 64- 66).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «إلا كانوا معكم» ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر: «إلّا شركوكم في الأجر» بدل قوله: «إلا كانوا معكم»...
قال المهلب: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} النساء: 95. الآية؛ فإنه فاضَلَ بين المجاهدين والقاعدين، واستثنى أولي الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين.
وفيه: أن المؤمن تبلغّه نيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل. التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 70).

وقوله: «قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينةِ؟»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وهم بالمدينة؟»، الواو فيه للحال. عمدة القاري(18/ 57).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالوا» أي: قال الحاضرون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا رسول الله» هل كانوا معنا «وهم» أي: والحال أنهم جالسون «بالمدينة؟» مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (16/ 167)

قوله: «قال: وهم بالمدينةِ، حبسهُمُ العُذْرُ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«حبسهم العذر» أي: منعهم من المسير معكم ما كان من أعذارهم، كالمرض وغيره. جامع الأصول (2/ 623).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
العذر: ‌الوصف ‌الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه. فتح الباري (6/ 47).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «حبسهم العذر» أي: الفقراء والضعفاء الذين لم يقدروا على الغزو لضعفهم، أو لعدم زادهم ومركوبهم حصل لهم ثواب الغزو وإن لم يغزوا؛ لأنهم يتمنون الغزو، ولكنهم لم يقدروا عليه. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 347).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
«قال: حبسهم العذر». فبينت هذه الآية (أي قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} والتي بعدها) مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين، وهم قوم عُرف عذرهم كأرباب الزَّمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون، فقال: ليس على هؤلاء حرج {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} التوبة: 91 إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه، قال العلماء: فعَذَر الحق -سبحانه- أصحاب الأعذار. الجامع لأحكام القرآن (8/ 226).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«حبسهم العذر» أي: الفقر والضعف، أي: من حيث استحقاق الثواب، و«حبسهم العذر» جوابًا لقول من يقول: لأي شيء يكونون معكم؟ قاله في شرح مشارق الأنوار. فتح القريب المجيب (1/ 319).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وهم بالمدينة حبَسَهم العذر» عن الغزو معكم، فالمعية والصحبة الحقيقة وإنما هي بالسير بالروح لا بمجرد البدن، ونية المؤمن خير من عمله، فتأمل هؤلاء كيف بلغت بهم نيتهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم في بيوتهم، فالمسابقة إلى الله تعالى وإلى الدرجات العوالي بالنيات والهِمم لا بمجرد الأعمال. إرشاد الساري (6/ 459).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «حبسهم العذر»؛ فإن القاعدين الموعود لهم الحسنى هم أولو الضرر كما نص عليه في كتاب اللَّه، وفي الحديث فضل نية الخير والتأسف على فوات ذلك. لمعات التنقيح (6/ 556).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حبسهم» أي: منعهم... فلصحَّة النية أعطاهم الله مثل أجر المباشر... «العُذر» والعذر بضم المهملة: وصف يَعرض للمكلف يناسب التسهيل عليه. دليل الفالحين (1/ 64- 66).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، ووقع في مسلم: «حبسهم المرض» وكأنه حمل على الأغلب. التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 70).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
فأعطى -صلى الله عليه وسلم- للمعذور من الأجر مثل ما أعطى للقوي العامل. وقد قال بعض الناس: إنما يكون الأجر للمعذور غير مضاعف، ويضاعف للعامل المباشر. قال ابن العربي: وهذا تحكُّم على الله تعالى وتضييق لسعة رحمته، وقد عاب بعض الناس فقال: إنهم يُعْطَون الثواب مضاعفًا قطعًا، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني على مقدار النيات، وهذا أمر مغيب، والذي يُقطع به أن هناك تضعيفًا وربك أعلم بمن يستحقه. الجامع لأحكام القرآن (8/ 292- 293).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (13/ 57).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وهذا الحديث يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي، فيحتمل أن يكون مساويًا، وفي فضل الله متسع للاستحقاق، فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل: يُعطى أجره من غير تضعيف، ويُعطى الغازي أجره بالتضعيف للمباشرة. شرح سنن أبي داود (11/ 96).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا أبين شيء فيما قلنا؛ لأن هؤلاء لما نووا الجهاد وأرادوه، وحبسهم العذر، كانوا في الأجر كمن قطع الأودية والشعاب، مجاهدًا بنفسه، وهذا أشبه الأشياء بالذي غلبه النوم، فمنعه من صلاة كان قد عزم عليها، ونوى القيام إليها. التمهيد (8/ 104).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفيه: أن المتجهز للغزو إذا حيل بينه وبينه يُكتب له أجر الغازي، ويقع أجره على قدر نيته. والآثار الصحاح تدل على أن من نوى خيرًا وهمَّ به ولم يصرف نيته عنه، وحيل بينه وبينه أنه يكتَب له أجر ما نوى من ذلك...
وفيه: دليل على أن الأعمال إنما تكون بالنيات، وأن نية المؤمن خير من عمله، على ما روي في الآثار، وهذا معناه عندنا أن نية المؤمن خير من عمل بلا نية. التمهيد (12/ 177- 178).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فهؤلاء بقلوبهم كانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الغزاة، فلهم معنى صحبته في الغزاة، فالله معهم بحسب تلك الصحبة المعنوية. منهاج السنة النبوية (8/ 488).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يدل هذا على أن القاعدين من الأضراء ‌يشاركون ‌المجاهدين ‌في ‌الأجر، ولا يدل على استوائهما فيه، والدال على نفي الاستواء قوله تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} النساء: 95. أي على الأضراء منهم، وقوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ} النساء: 95- 96. أي: على غير الأضراء منهم، وفضل الله تعالى المجاهدين على القاعدين الأضراء درجة وهي الغنيمة ونصرة دين الله في الدنيا، وفضَّل الله عليهم (المجاهدين) درجات في العقبى. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2641- 2642).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فيه: دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون لهم ثواب المجاهدين بل يكون لهم ثواب نياتهم إن كانت لهم نية صالحة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «ولكن جهاد ونية».
وفيه: أن الجهاد فرض كفاية وليس بفرض عين.
وفيه: رد على من يقول: إنه كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- فرض عين وبعده فرض كفاية، والصحيح: أنه كان فرض كفاية من حين شُرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء: 95...
فإذا تقرر ما ذكرناه فسَيْرُ القلوب أبلغ من سير الأبدان، كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت! وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متصل بالمحل الأعلى!...
فتح القريب المجيب (1/ 320- 322).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
والحديثان يُؤْذِنان بالمساواة بين المجاهدين والأضراء، وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} النساء : 95، وكلام الزجاج: إلا أولو الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، يعني في أصل الثواب لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلق بالفعل. إرشاد الساري (7/ 93).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فمعنى الحديث: أن الإنسان إذا نوى العمل الصالح، ولكنه حبسه عنه حابس فإنه يُكتب له أجر ما نوى.
أما إذا كان يعمله في حال العذر؛ أي: لما كان قادرًا كان يعمله، ثم عجز عنه فيما بعد؛ فإنه يُكتب له أجر العمل كاملًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» فالمتمني للخير الحريص عليه إن كان من عادته أنه كان يعمله، ولكنه حبسه عنه حابس كُتب له أجره كاملًا.
فمثلًا: إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي مع الجماعة في المسجد، ولكنه حبسه حابس، كنوم أو مرض، أو ما أشبهه فإنه يُكتب له أجر المصلي مع الجماعة تمامًا من غير نقص.
وكذلك إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي تطوعًا، ولكنه منعه منه مانع، ولم يتمكن منه؛ فإنه يكتب له أجره كاملًا، وكذلك إن كان من عادته أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ثم عجز عن ذلك، ومنعه مانع، فإنه يكتب له الأجر كاملًا...، أما إذا كان ليس من عادته أن يفعله فإنه يكتب له أجر النية فقط، دون أجر العمل. شرح رياض الصالحين (1/ 36- 37).


إبلاغ عن خطأ