«صدقةُ السِّرِّ تُطفئُ غضبَ الربِّ، وصلةُ الرحمِ تزيدُ في العُمُرِ، وفعلُ المعروفِ يَقي مَصارِعَ السُّوءِ».
رواه البيهقي في شُعب الإيمان برقم: (3168) واللفظ له، والحارث في بغية الباحث برقم: (302)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ورواه الطبراني في الكبير برقم: (8014)، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1908) صحيح الترغيب والترهيب برقم: (889).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«صِلةُ الرَّحم»:
صلة الرحم: بِرّها. مشارق الأنوار، القاضي عياض (2/ 288).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
صِلة الرَّحم: هي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم. النهاية، ابن الأثير (5/ 191).
«مَصَارعَ»:
ومصارع القتلى: حيث قتلوا. تهذيب اللغة، الأزهري (2/ 17).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
الصَّرع: الطَّرْح بالأرض. المحكم(1/ 434).
شرح الحديث
قوله: «صدقةُ السِّرِّ تُطفئُ غضبَ الربِّ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ صدقة السِّر» إضافة المصدر إلى مفعوله أي: صدقة الرَّجُل في السر، «تطفئ غضب الرب» شبَّه الغضب بالنار وأثبت له الإطفاء. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 8).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«صدقة السر تطفئ غضب الرب» فهي أفضل من صدقة العلن {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: 271.
وفائدة الإخفاء: الخلوص من آفة الرياء والسمعة، وقد بالغ في قصد الإخفاء جمعٌ حتى اجتهد ألا يعرف القابض من المعطي؛ توسلًا إلى إطفاء غضب الرب. فيض القدير (2/ 456).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«صدقة السِّر» أي: المخلية، وتقدم في أحكامها أنها لا تَعلم يساره ما تخرج يمينه. «تطفئ غضب الرب» أي: تكون سببًا لذلك، فيحتمل ممن أغضب ربه بمعصية أن يتدارك ذلك بصدقة السِّر. التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 580).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أن صدقة السرِّ تطفئ غضب الرب» أي: فهي أفضل من صدقة العلن، قال تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: 271؛ وذلك لسلامتها من الرياء والسمعة، ويُستثنى ما إذا كان المُتصَّدق ممن يُقتدى به فجهره بها أفضل. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 98).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
لأن صدقة السِّر تطفئ غضب الرب الذي لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة، فإذا عمل الإنسان عملًا يتوسل إلى إطفائه كان أشد وأقوى من هذه الأجرام؛ ولأن فيها مخالفة النفس وقهر الشيطان، فإن الإنسان مجبول على الشح، وهذان الوصفان أعظم أيضًا من هذه الأشياء. شرح المصابيح (2/ 484).
وقال الغزالي -رحمه الله- في بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة:
الوظيفة الثالثة: الإسرار؛ فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة... وقال بعض العلماء: ثلاث من كنوز البِرِّ منها إخفاء الصدقة... وفي الخبر: «صدقة السِّر تطفئ غضب الرَّب»...
وفائدة الإخفاء: الخلاص من آفات الرياء والسمعة. إحياء علوم الدين (1/ 215- 216).
وقال الفخر الرازي -رحمه الله-:
البحث الأول: في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه، أو إظهاره، فلنذكر أولا الوجوه الدالة على أنَّ إخفاءه أفضل:
فالأول: أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة... والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما...
وثانيها: أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم، فكان ذلك يشق على النفس، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثوابًا.
وثالثها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الصدقة جهد الْمُقِلِّ إلى الفقير في سرِّ»...وقال -صلى الله عليه وسلم-: «صدقة السر تطفئ غضب الرب».
ورابعها: أن الإظهار يوجِب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه، والإخفاء لا يتضمن ذلك، فوجب أن يكون الإخفاء أولى، وبيان تلك المضار من وجوه:
الأول: أن في الإظهار هتك عِرض الفقير وإظهار فقره، وربما لا يرضى الفقير بذلك.
والثاني: أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال...
والثالث: أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة، ويظنون أنه أخذها مع الاستغناء عنها، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة.
والرابع: أن في إظهار الإعطاء إذلالًا للآخذ وإهانة له، وإذلال المؤمن غير جائز.
والخامس: أن الصدقة جارية مجرى الهدية، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «من أُهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها»، وربما لا يدفع الفقير مِن تلك الصدقة شيئًا إلى شركائه الحاضرين فيقع الفقير بسبب إظهار تلك الصدقة في فعل ما لا ينبغي، فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة التطوع أولى.
وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها، صار ذلك سببًا لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل. مفاتيح الغيب (7/ 62- 63).
وقال النيسابوري -رحمه الله-:
واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق، وفي نفسه شهوة أن يَرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره. فهذا الإنسان في محاربة الشيطان، فيكون إخفاؤه يفضل علانيته ... غرائب القرآن ورغائب الفرقان (2/ 51).
قال الشيخ عبد الرحمن الحطاب -رحمه الله-:
تنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ المراد بالصّدقة هُنا(في الآية الكريمة): صدقة التّطوع، أمّا صدقة الفرض فإظهارها أفضل، وحكى الطبري الإجماع على ذلك، والخلاف موجود. فتح العلام في بيان مآخذ الأحكام(ص 229).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وقوله: «غضب الرب» يمكن حمل إطفاء الغضب على المنع من إنزال المكروه في الدنيا ووخامة العاقبة في العُقبى من إطلاق السبب على المسبب، كأنه نفى الغضب وأراد الحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الحسن في العقبى... قال بعضهم: المعنى المقصود في هذا الموضع الحث على إخفاء الصدقة. فيض القدير (4/ 193).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف. تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد(ص: 56).
وقال ابن أبي العِز الحنفي -رحمه الله-:
مذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. شرح العقيدة الطحاوية(2/٦٨٥)
قوله: «وصلةُ الرحمِ تزيدُ في العُمُرِ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وصلة الرحم تزيد في العمر» تقدم الكلام على الرحم وهي القرابة. فتح القريب المجيب (5/ 416).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«صِلة الرَّحم» أي: الإحسان إلى القرابة «تزيد من العمر» أي: هي سبب لزيادة البركة فيه. فيض القدير (2/ 456).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«صلة الرحم تزيد في العمر» أي: هي سبب لزيادة البركة فيه؛ بأن يصرفه في الطاعات. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 98).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولا خلاف أنَّ صِلة الرَّحم واجبة على الجملة، وقطعها كبيرة. والأحاديث في هذا الباب مِن مَنْعِه الجنة يشهد لذلك، ولكن الصلة درجات، بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة.
وَصِلَتُها ولو بالسلام كما قال -عليه الصلاة والسلام-، وهذا بحكم القدرة على الصلة وحاجتها إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغَّب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلة يسمى قاطعًا، ولا من قصَّر عما ينبغي له ويقدر عليه يسمى واصلًا.
واختلف في حد الرَّحم التي يجب صلتها، فقال بعض أهل العلم: هي كل رحم محرمية مما لو كان أحدهما ذكرًا حرم عليه نكاح الآخر، فعلى هذا لا يجب في بني الأعمام وبني الأخوال وبني العمات، واستدل على قوله بتحريم الجمع بين الأختين والمرأة وعمتها وخالتها مخافة التقاطع، وجواز ذلك بين بني العم والخال.
وقيل: بل هذا في كل ذي رحم ممن ينطلق عليه ذلك في ذوي الأرحام في المواريث، محرميًا كان أو غيره. إكمال المعلم (8/ 20- 21).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فإن قيل: ما معنى قوله: «صلة الرحم تزيد في العمر»...ومعلوم أن الآجال والأرزاق مقدرة، وقد قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} الأعراف: 34؟
والجواب عنه من وجوه:
أحدها وهو الصحيح منها: أن الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن الضياع في غير ذلك...
الثاني: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ بالمحو والإثبات فيه: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} الرعد: 39. فكان الأثر ما يتبع الشيء فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة، إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الله -سبحانه وتعالى- بما سيفعل من ذلك وهو معنى قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} الرعد : 39، فبالنسبة إلى علم الله وما قدَّره لا زيادة ولا نقصان بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما يظهر للمخلوقين تصور الزيادة وهو مراد الحديث، أو المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت، وهذا أظهر؛ فإن الأثر ما يتبع الشيء...
والثالث: ما قاله القتيبي: إنَّ زيادة العمر هي من زيادة العافية والسعة والرزق، وقد قيل: الفقر الموت الأكبر...
والرابع: أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يمت، حكاه القاضي عياض وهو ضعيف أو باطل.
الخامس وهو أحسن ما قيل في هذا الباب: وذلك ما روي عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} الأنعام: 2، قال الحسن: {قَضَى أَجَلًا} الأنعام: 2، ما بين أن يخلق إلى أن يموت، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} الأنعام : 2، ما بين أن يموت إلى أن يبعث، فمن وصل رحمه فيزيد من أجل البعث في أجل الحياة، والدليل عليه قوله -عز وجل-: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} فاطر: 11، فكأنه إذا قطع رحمه أن ينقص من عمره، قال: سمعت أن الله -عز وجل- قدَّر لعبد أجلين ثم قضى إنْ قَطَعَ رحمة أن يستوفي الأجل الأقصى؛ بدلالة قوله -عز وجل-: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} الأنعام : 2. ا.هـ ذكره النعيمي وغيره. فتح القريب المجيب (10/ 512- 514).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ومعنى الزيادة فيه كما مر: البركة فيه، بالتوفيق للخير، والحفظ من الشر، فيتيسر له من العمل في المدة القليلة ما لم يتيسر لغيره في المدة الطويلة، أو هي زيادة حقيقية بالنسبة للوح المحفوظ، وإن كانت ليست زيادة لما في أم الكتاب وهي علم الله القديم، الذي لا يقبل التبديل والتغيير.
وهنا معنى القول بأنها زيادة بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة بأن يقال لهم: عمر فلان إن لم يصل رحمه خمسون سنة، فإن وصله فستون، إلا إلى ما عند الله، فإنه تعالى يعلم الواقع من الصلة، وأنه يعيش الستين أو من عدمها، وأنه لا يعيش إلا خمسين. إتحاف ذوي المروة والإنافة بما جاء في الصدقة والضيافة (ص: 162).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لا ينافي زيادتها في العمر {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} فاطر: 11؛ لأنه من تسمية الشيء بما يؤول إليه، أي: وما يعمَّر من أحد، ألا ترى أنه يرجع الضمير في قوله: {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} فاطر: 11 إليه، والنقصان مِن عُمر المعمَّر محال، وهو من التسامح في العبارة، فقد يفهم السامع هذا بحسب الجليل من النظر، وقضية النظر الدقيق أن المعمر الذي قدِّر له العمر الطويل يجوز أن يبلغ حد ذلك العمر وأن لا يزيد عمره على الأول وينقص على الثاني، ومع ذلك لا يلزم التغيُّر في التقدير؛ لأن المقدر على كل شخص الأنفاس المعدودة لا الأيام المحدودة والأعوام الممدودة، وما قدر من الأنفاس يزيد وينقص بالصحة والحضور والمرض والتعب ذكره ابن الكمال؛ أخذًا من الكشاف وغيره مما ورد أنه يزيد في العمر. فيض القدير (4/ 193).
قوله: «وفعلُ المعروفِ يَقي مصارعَ السُّوءِ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
المعروف: اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله -تعالى- والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات ونهى عنه من المقبحات. فتح القريب المجيب (5/ 416).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«تقي مصارع السُّوء» أن تحفظ منها. فيض القدير (2/ 456).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«فعل المعروف يقي مصارع السوء» قال العامري: المعروف هنا يعود إلى مكارم الأخلاق مع الخَلْق كالبر والمواساة بالمال والتعهد في مهمات الأحوال كسدِّ خُلة وإغاثة ملهوف وتفريج مكروب وإنقاذ محترم من محذور فيجازيه الله من جنس فعله بأن يقيه مثلها أو يقيه مصارع السوء عند الموت. فيض القدير (4/ 442).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«مصارع» أي: مهالك «السوء» أي: تحفظ منها. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 98).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تقي» تدفع عن فاعلها. «مصارع السوء» كُل مصرع لا يحبه الواقع فيه. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 8).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
إنّ الصدقة تَحمي صاحبها من السُّوء، وتُطفئ غضب الربِّ، وتُكفر الخطيئة، وتقي من النار، وفي الصحيح «اتقوا النار ولو بشق تمرة»المنهل الحديث (2/١٥٨).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)