الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

سألَ رجلٌ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قال: «ظِلُّ فُسْطَاطٍ في سبيلِ اللهِ، أو خِدمةُ خادمٍ في سبيلِ اللهِ، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سبيلِ اللهِ».


رواه أحمد برقم: (22321) واللفظ له، والترمذي برقم: (1627)، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
ورواه الترمذي برقم: (1626)، من حديث عدي بن حاتم الطائي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1109)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1240).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فُسْطَاطٍ»:
الفُسْطاط والفِسْطاط: ضرب من الأبنية. العين، للخليل (7/ 217).

«طَرُوقَةُ فَحْلٍ»:
الطَّرُوقة: التي قد ضربها الفحل، واستحقت أن يضربها الفحل، يقال: طَرَقَ الفحل الناقة، إذا ضربها، يطرقها طرقًا، والفحل نفسه يسمى طَرْقًا. الزاهر، للهروي (ص:96 ، 97).


شرح الحديث


قوله: «أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«‌أي ‌الصدقة ‌أفضل؟» أيُّ أنواع الصدقة أفضل، وأكثر أجرًا؟ شرح سنن أبي داود (12/ 345).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«أي ‌الصدقة ‌أفضل؟» أي: أكثر ثوابًا، وأعظم أجرًا. المنهل العذب المورود (9/ 328).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أيُّ ‌الصدقة ‌أفضل؟» أي: عند الله. فتح المنعم (4/ 356).

قوله: «ظِلُّ فُسْطَاطٍ في سبيلِ اللهِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌ظل ‌فسطاط» الفسطاط: نوع من الخيمة، يعني: أفضل الصدقات إعطاء خيمة صدقة في سبيل الله؛ ليستريح بظلها المجاهدون، وكذلك جميع الصدقات ما يكون في سبيل الله منها أفضل مما يكون في غير سبيل الله. المفاتيح (4/ 351).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «‌ظلُّ فسطاط» بأنْ يُعطي خيمة في سبيل الله، يستظل بها المجاهدون، أو يضرب خيمة، ويجمع المجاهدين في ظلها. حاشيته على مسند أحمد (5/271).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌ظل ‌فسطاط» أي: خيمة يضربها «في سبيل الله» لاستظلال المجاهدين. شرح المصابيح (4/ 328).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في سبيل الله» وهو أعم من أن يعطي للغازي، أو الحاج ونحوهما، أو عارية، أو استظلالًا على وجه المشاركة. مرقاة المفاتيح (6/ 2477).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌ظل ‌فسطاط» بضم الفاء... والمراد هنا مُطلق ماله ظل من الأبنية «في سبيل الله» تقدَّم أنه الجهاد، وقد يُطلق على طرق الخير مطلقًا. التنوير (2/ 567).

قوله: «أو خدمةُ خادمٍ في سبيلِ اللهِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: إعطاء عبد في سبيل الله؛ ليخدم المجاهدين. المفاتيح (4/ 352).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: هبته وعطيته من غازٍ؛ ليخدمه. شرح المصابيح (4/ 328).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
معناه: أنْ يمنح الغازي عبدًا يخدمه في الغزو. قوت المغتذي (1/ 419).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: عطية خادم مِلْكًا أو إعارة، ومنه يُعلم خدمته بنفسه بالأولى. مرقاة المفاتيح (6/ 2477).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: هبة خادم للمجاهد، أو قرضه أو إعارته. التيسير (1/ 185).

قوله: «أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أو طروقة فحل» الطروقة -بفتح الطاء-: الناقة التي بلغت إلى سِنِّ ينزو عليها الفحل، والمراد بها: إعطاء مركوب «في سبيل الله». المفاتيح (4/ 352).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«أو طروقة فحل في سبيل الله» -بفتح الطاء- معناه: أنْ يمنح الغازي فرسًا، أو ناقة بلغت أنْ يطرقها الفحل؛ ليغزو عليها. قوت المغتذي (1/ 419).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو طروقة فحل»... أي: إعطاء مركوب كذلك «في سبيل الله»، طروقة الفحل هي التي بلغت أوان ضِراب الفحل، والتقييد به لبيان الأفضلية. مرقاة المفاتيح (6/ 2477).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «طروقة ‌فحل» هي الناقة إذا كَبرَتْ وصلحت أن يعلوها الفحل، وهي الحِقَّة من الإبل. التحبير (3/ 19).

قوله: «في سبيلِ اللهِ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
سُبُل الله ‌كثيرة، تقتضي سائر أعمال البر. الاستذكار (5/ 146).
وقال محمد المنتصر الكتاني -رحمه الله-:
وسبيل ‌الله أبوابه ‌كثيرة، وليس الجهاد والقتال بالسيف فقط، بل مَن خرج من بيته يريد الحج فهو سبيل الله، ومن خرج يريد طلب العلم فهو في سبيل الله، ومن خرج يدعو إلى الله فهو في سبيل الله، وأيُّ تَنَقُّل وسياحة وسفر يريد صاحبها اللهَ بعمله، ومن أجل الله فهو في سبيل الله، دفاعًا بالسيف، أو نشرًا للإسلام بالقلب أو باللسان أو بعمل من الأعمال، فإن كان لا يريد هذا السائح والمسافر إلا وجه الله، فإنْ مات كانت هجرته في سبيل الله، وله من الله الرزق الحسن، وكان مع الشهداء الذين تشهد جنازتهم الملائكة. تفسير القرآن الكريم (77/ 3).
وقال الباجي -رحمه الله-:
السبيل في كلام العرب هو الطريق، يُذكَّر ويُؤنَّث، وجميع أعمال البر هي ‌سبيل ‌الله تعالى، إلا أنَّ هذه اللفظة إذا أُطلقت في الشرع اقتضت الغزو إلى العدو، وسُئل مالك عن رجل أوصى بمال في ‌سبيل ‌الله، فقال: سُبُل الله ‌كثيرة، وأحب إليَّ أن يجعل ذلك في الغزو، ووجه ذلك ما ذكرناه من أن إطلاق هذه اللفظة أظهر في الغزو. المنتقى (3/ 159).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«في سبيل الله» العرف الأكثر فيه: استعماله في الجهاد. إحكام الأحكام (2/ 37).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
المراد ‌بسبيل ‌الله: السعي إلى الجهاد، وهو المتعارف في الشرع، وقد يُراد به السَّعي إلى الحج والعلم والرزق الحلال. لمعات التنقيح (6/ 537).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- أيضًا:
واعلم أنَّه قد وقع في أحاديثَ متعدِّدةٍ بيانُ الأفضلِ من الأعمالِ بأعمالٍ مختلفة، وحاصلُ الجمعِ بينها: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- أجابَ في كلِّ مقامٍ بما يُناسب حالَ السائل؛ فمن رأى فيه شيئًا من أماراتِ الكِبرِ والشِّدَّة، أجابَه بأنَّ الأفضل هو التواضع، كإفشاءِ السلام، ولينِ الكلام، ومن ظهرت عليه أماراتُ البُخل، أجابَه بأنَّه الجودُ والسَّخاء، كإطعامِ الطعام، ومن ظهرت عليه علاماتُ التَّكاسل في العبادة، أجابَه بأنَّ الأفضلَ هو الصلاةُ بالليلِ والنَّاسُ نِيام.
وهكذا؛ فالمراد "الأفضل في حقِّ السائل"، أو أنَّ المقصودَ: "من أفضل الأعمال" لا أفضلُها بإطلاق.. لمعات التنقيح (6/ 569، 570).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وأفضلُ جوابٍ عن هذا الإشكال: أنَّ هذه الأعمالَ الفاضلةَ تختلفُ درجاتُ كلٍّ منها باختلافِ الظُّروفِ والأحوال؛ ففي زمنٍ يحتاجُ المسلمون فيه إلى الجهاد، يكونُ الجهادُ أفضلَ، وفي وقتٍ يكونُ للشخصِ والدانِ محتاجانِ إلى البرِّ، مع ضعفِ الحاجةِ إلى المجاهدين، يكون البِرُّ أفضلَ، وفي وقتٍ لا يُحتاجُ فيه إلى الجهادِ ولا إلى البرِّ، تكون الصلاةُ في مواقيتِها أفضل، وفي وقتٍ تكون فيه المحافظةُ على الصلاةِ في مواقيتِها حاصلةً، يكون الذِّكرُ أفضلَ.
ثمَّ إنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأعمالِ لا يكونُ أفضلَ بإطلاق، بل يتأثَّر فضلُه بدرجةِ الإخلاص، ودرجةِ الأداء، ودرجةِ التَّضحية والمشقَّة، ونحوِ ذلك، فقد يَسبقُ درهمٌ ألفَ درهمٍ، كما في الحديث؛ فدرهمٌ من لا يملكُ إلّا درهمين، أفضلُ من ألفِ درهمٍ ممّن يملكُ الملايين.
فإن تساوت جهاتُ الفضلِ فيها، فأفضلُها الجهادُ لا ريبَ؛ ففيه تضحيةٌ بالنفس، وفيه نفعٌ متعدٍّ إلى المسلمين جميعًا، وإلى الإسلام، وخاصةً إذا كان خالصًا لله تعالى، وكان بالنَّفسِ والمالِ، فلم يرجع بشيء.. فتح المنعم (7/ 528 ، 529).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
(الحديث) يدلنا على حرص أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- على معرفة الأعمال الفاضلة، وحرصهم على معرفة الأفضل، وهذا يدلنا على عنايتهم وحرصهم على معرفة ما هو خير، وما هو أفضل من غيره؛ ليأخذوا به؛ وليعملوا به -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-. شرح سنن أبي داود (337/ 3).

وينظر الرواية الأخرى في أفضل الصدقات (هنا


إبلاغ عن خطأ