«إن اللهَ لم يُنْزِلْ داءً إلا أنزلَ لهُ شِفاءً، إلا السَّامَ، فعليكم بأَلبانِ البقرِ؛ فإنها تَرُمُّ من كلِّ الشجرِ»
رواه أحمد برقم: (18831) والنسائي في الكبرى برقم: (7521) واللفظ له، والحاكم برقم: (7425) بلفظ: «إلا الهرم»، من حديث طارق بن شهاب -رضي الله عنه-.
وفي رواية للحاكم برقم: (7613)، من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- بلفظ: «عليكم بألْبانِ البقرِ، فإنَّها تَرُمُّ من كل شَجَر، وهو شفاءٌ مِن كل داءٍ».
صحيح الجامع برقم: (1809 ـ 4059)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1943).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«السَّامَ»:
يعني: الموت. الغريبين في القرآن، لأبي عبيد(3/ 955).
«تَرُمُّ»:
الرَّمُّ والارتمام: الأكل. تهذيب اللغة، الأزهري (15/ 138).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«تَرُمُّ» وتَرْتَمُّ أي: ترعى وتتناول بالْمَرَمَّة، والْمَرَمَّة لذوات الظِّلْف بمنزلة الفم للإنسان. غريب الحديث (1/ 86).
شرح الحديث
قوله: «إن اللهَ لم يُنْزِلْ داءً إلا أنزلَ لهُ شِفاءً»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
« داء» أي: علة. «إلا أنزل له شفاء» أي: دواء، وفيه إشارة إلى جواز التداوي واستعمال الطب. شرح المصابيح (5/ 91).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أي: لم ينزل مرضًا إلا وأنزل له ما يُداوى به... أي: الدواء موجود ولا يحصل البُرْءُ إلا بموافقة الدواء الداء، وهو قَدْرٌ زائد على مجرَّد وجوده لكن لا يعلمه إلا من شاء. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 383).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: ما أصاب أحدًا بداء إلا قدَّر له دواء. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2953).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: أعلمهم إياه وأذن لهم فيه، كما ابتلاهم بالداء وأحدثه فيهم، وقد يكون إنزاله إنزال الملائكة خلقه من الأرض وتيسيره بها كما جعل الداء في الأجساد، وقد يكون إنزاله إنزال الملائكة من السماء الموكَّلين بمباشرة مخلوقات الأرض من داء ودواء -والله أعلم-. إكمال المعلم (7/ 120).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فإنه لا شيء من المخلوقات إلا وله ضد، فكل داء له ضد من الدواء يعالج به... والداء والدواء كلاهما بفتح الدال والمد، وحُكي كسر دال الدواء. فيض القدير (2/ 256).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الكلمة صادقة العموم؛ لأنها خبر من الصادق البشير عن الخالق القدير: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك: 14، فالداء والدواء خلقه، والشفاء والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حكمته وحكمه على ما سبق به علمه، فكل ذلك بقدر لا معدل عنه ولا وزَرَ. المفهم (5/ 592).
وقال الكَرْماني -رحمه الله-:
أي: ما أصاب أحد بداءٍ إلا قدر الله له دواء، والمراد بإنزاله إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الداء والدواء، فإن قلتَ: نحن نجد كثيرًا من المرضى يداوَون ولا يبرؤون. قلت: إنما جاء ذلك من الجهل بحقيقة المداواة أو بتشخيص الداء لا لفقد الدواء والله أعلم. الكواكب الدراري (20/ 204).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«إلا أنزل له شفاء» قال في الكواكب (الدراري): ما أصاب الله أحدًا بداء إلا قدّر له دواء، أو المراد بإنزاله أنزل الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الدواء والداء انتهى.
فعلى الأول المراد بالإنزال التقدير، وعلى الثاني: إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي مثلاً أو إلهام بغيره...، ومفهومه: أن الدواء إذا جاوز الحدّ في الكيفية أو الكمية لا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر. إرشاد الساري (8/ 360).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أراد بـ«الشفاء» هنا: الدواء.
هذا الحديث رخصة للأمَّة في التداوي واستعمال الطب؛ يعني: ما خلق الله علة إلا خلق لها دواء، وهدى طائفة من الناس إليه، وألهمهم كيفية التداوي به، وحصول البُرْءِ ليس من الدواء، بل من الله؛ إنْ قدَّر فيه الشفاء يحصل الشفاء به، وإن لم يقدر لم يحصل، وهذا كما جعل الله الماء دافعًا للعطش والطعام دافعًا للجوع؛ فإن قدر قطع العطش والجوع يحصل الدفع، وإن لم يقدر لم يحصل، فإنه كم من جائع يأكل الطعام ولم يشبع، ويشرب الماء ولم يروَ؟...
أي: حصل له الشفاء بأمر الله إن قدَّر الشفاء، وإن لم يقدِّر لم يحصل. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 71).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
المراد بالإنزال: التقدير، وبالشفاء: الدواء؛ لأنه سببه وبه عبر في خبر مسلم، واستثنى من ذلك: الهرم والسام أي: الموت كما رواه الترمذي وغيره. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (9/ 7).
وقال المناوي -رحمه الله-:
اختُلف في معنى الإنزال، فقيل: إنزاله إعلامه عباده، ومُنع بأن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك كما يصرح به خبر: «عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ»، ومثل إنزالهما إنزال أسبابهما من كل مأكل ومشرب، وقيل: إنزالهما خلقهما ووضعهما بالأرض كما يشير إليه خبر: «إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء»، وتُعُقِّب بأن لفظ الإنزال أخص من لفظ الخلق والوضع، وإسقاط خصوصية الألفاظ بلا موجب غير لائق، وقيل: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بتدبير النوع الإنساني، فإنزال الداء والدواء مع الملائكة، وقيل: عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث الذي تتولد به الأغذية والأدوية وغيرهما، وهذا من تمام لطف الرب بخلقه، فلما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية.
قال بعضهم: الداء علة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، والشفاء رجوعها إلى الاعتدال وذلك بالتداوي، وقد يحصل بمحض لطف الله بلا سبب. فيض القدير (5/ 428).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف العلماء في هذا الباب، فذهب منهم طائفة إلى كراهية الرقى والمعالجة، قالوا: الواجب على المؤمن أن يترك ذلك؛ اعتصامًا بالله -تعالى- وتوكلًا عليه، وثقة به، وانقطاعًا إليه، وعلمًا بأن الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضره، إذ قد علم الله أيام الصحة وأيام المرض، فلا تزيد هذه بالرقى والعلاجات، ولا تنقص تلك بترك السعي والاحتيالات، لكل صنف من ذلك زمن قد علمه الله، ووقت قد قدَّره قبل أن يخلق الخلق، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء، أو على تكثير أيام الصحة ما قَدَرُوا على ذلك، قال الله -عزَّ وجلَّ-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} الحديد: 22. التمهيد (3/ 661- 662).
وقوله: «إلا السَّامَ» وفي رواية «إلَّا الهَرَم»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«إلا السام» بالسين المهملة غير مهموز وهو الموت، أي: المرض الذي قُدِّر على صاحبه الموت فإنه لا دواء له. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 383).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«إلا السامَ» والسامُ بتخفيف الميم: الموت أي: المرض الذي قدر لصاحبه الموت منه، فلا دواء له. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 583).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولعل التقدير إلا داء الموت أي: المرض الذي قَدَّر على صاحبه الموت، واستثناء الهرم في الرواية الأخرى إما لأنه جعله شبيهًا بالموت، والجامع بينهما: نقص الصحة، أو لقُرْبِه من الموت وإفضائه إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والتقدير: لكن الهرم لا دواء له، والله أعلم. فتح الباري (10/ 136).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ولعل المراد إلا مرض الموت؛ لأن الموت نفسه لا يُسمى مرضًا وهو استثناء منقطع. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 337).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ثم الموت إن كان داء فالخبر غير عام؛ إذ لا دواء له، وزعم أن المراد دواؤه الطاعة غير سديد؛ لأنها دواء للأمراض المعنوية كالعُجب والكِبْر لا الموت. فيض القدير (5/ 428).
وقوله: «فعليكم بأَلبانِ البقرِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فعليكم بألبان البقر» أي: الزموها. فيض القدير (2/ 256).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عليكم بألبان البَقَر» جمع اللبن، باعتبار أنواعها، أو مقابلة الجمع بالجمع. والبقر اسم جنس، فيذكر ويؤنث. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 431).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فعليكم بألبان البقر» أي: الزموه شربها. السراج المنير شرح الجامع الصغير (1/ 383).
وقال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
إنما صار لبنها دواء لأنها تأكل من كل شجر، وصار لحمها داء لأنها تأكل بالنَّهْمَة؛ لأنها جَعِمَة (أي حريصة نَهِمَة) ولهذا ترعى من كل الشجر حلوه ومره لجعامتها؛ لأنها ذُللت لله تعالى بأمر ربها كالنحل فإنها لم يُلق إليها ما أُلقي إلى النحل؛ إلهاما من الله تعالى... واللبن الذي حدث عن أخلاط الشجر دواء للنهمة عليها صارت لحمانها منزوعة البركة، وكل شيء لا يُبارك فيه فهو داء في الدنيا والآخرة. نوادر الأصول في أحاديث الرسول (2/ 321).
وقال عبد الملك بن حبيب -رحمه الله-:
وكان الحارث بن كلدة ينعت ألبان البقر للأوجاع ويقول: لا تشربه إلا مخيضًا.
وكان ينعت ألبان الإبل وأبوالها لمن كان به وجع أو داء في بطنه من ماء، أو أمر مخوف. ويأمر بشربها في فصل الشتاء، وينهى عن شربها في الصيف إلا أن يكون فصلًا. العلاج بالأعشاب (ص: 47).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
ويحتمل أن يكون قال ذلك؛ لأن الأغلب عليها البرد واليبس، وكانت تلك البلاد شقة يابسة، فلم يأمن إذا انضم إلى ذلك الهواء أكلُ لحم البقر أن يزيدهم يبسًا فيتضرروا به. وأمَّا ألبانها فرطبة، وسَمْنُها بارد جيدًا. ففي كل واحد منهما الشفاء من ضرر والله أعلم. المنهاج في شعب الإيمان (2/ 31).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
لبن البقر: يغذو البدن، ويخصبه، ويطلق البطن باعتدال. وهو مِن أعدل الألبان وأفضلها، بين لبن الضأن ولبن المعز في الرقة والغلظ والدسم. زاد المعاد (4/ 574).
قوله: «فإنها تَرُمُّ من كلِّ الشجرِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإنها ترمُّ من كل الشجر» أي: لا تبقي شجرًا ولا نباتًا إلا علقت منه، فيكون لبنُها مركبًا من قوى أشجار مختلفة وأنواع من النباتات متباينة، فكأنه شراب مجتمع مطبوخ... قال ابن القيم: إذا شرب سمنَ بقر أو معز بعسل نفع من السم القاتل والحية والعقرب، وفي الموجز حارٌّ رطب في الأولى منضج محلل سيما بعسل وهو ترياق السموم المشروبة. فيض القدير (4/ 348).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «تَرِمُّ» و«تَرْتَمُّ» أي ترعى وتتناول بالمرمَّة، والمرمة لذوات الظِّلْف بمنزلة الفم للإنسان وهي المقمة أيضًا، ويقال له من ذوات الحافر: الجحفلة، ومن السباع: الخرطوم، ويقال: رَمَّت البقر تَرِمُّ قال العجاج:
من سنةٍ تَرْتَمُّ كل رمِّ *** تنتسف النابت بعد القم
ويقال للإبل: أَرَمَّت تأْرَمُ أَرْمًا، وللخيل: قضمت تقضم. غريب الحديث (1/ 86).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
«فإنها ترمُّ من كل الشجر» وروي: «ترتم»، رمَّمَ الرَّمُّ والقَمُّ: أخوان وهما الأكل، ومنهما المرمَّة والْمَقمَّة لذات الظِّلْف. الفائق في غريب الحديث (2/ 85).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ولذا قال: «فإنها» أو الضمير راجع إلى المفردة المفهومة من الجنس أي: فإن البقر «ترمُّ» بضم الراء وكسرها، وتشديد الميم، أي تأكل وترعى «من كل شجرة» أي: فيكون كالمعجون المركب المعتدل الموافق بمزاج كل أحد، وفيه تنبيه على الاحتراز من لبن البقرة الجلَّالة (التي تأكل الجَلَّة وهي العَذِرة). شرح مسند أبي حنيفة (1/ 431).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإنها ترمُّ من كل الشجر» قد تضمَّن هذا الخبر وما قبله وبعده إثبات الأسباب والمسببات، وصحة علم الطب، وجواز التطبُّب بل ندبه، والرد على من أنكره من غُلاة الصوفية، قال الحكماء: والطبيب معذور إذا لم يدفع المقدور. فيض القدير (2/ 256).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنها تَرِمُّ» بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء وضمها مِن رمَّت تَرِمُّ وتَرُمُّ كما في القاموس، وفي النهاية: أي تأكل، وهو علة لمحذوف؛ لأنه قيل: «فعليكم بألبان البقر؛ فإنها شفاء»؛ لأنها تأكل «من كل الشجر»، وقد أودع الله في الأشجار أدوية لعدة من العلل، وهي تأكل الأشجار ثم يستحيل لبنًا، فهو عصارة الأشجار التي فيها النفع، فتُوافق عِللًا يبرئها. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 336).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال ابن القيم: إنما كانت كذلك لأنها تأكل بالنَّهْمَة وترعى من كل الشجر حلوها ومرها وترد المزابل ومراعي السوء، وترعى من المقاذير وتذر الأطايب من الشجر أحيانًا، فلما صارت تأكل بالنهمة صار لحمها داء والسمن أو اللبن الحادث عن أخلاط الشجر دواء، بالنهمة عليها نبت لحمها فصارت منزوعة البركة، وكل شيء لا يُبارك فيه فهو داء في الدنيا والآخرة، والدواء ضد الداء، والشفاء بعد الدواء وهو البرء. فيض القدير (4/ 348).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
يحتمل أن التعليل للغالب؛ فإن أكلتَ نوعًا واحدًا ففي لبنها الشفاء أيضًا. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 26).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هو علة للحكم فيلحق بها ما في حكمها من المواشي.
وفيه: إرشاد أن الأشجار فيها أدوية. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 27).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه أيضًا: أنه ليس داء من الأدواء إلا وقد أنزل الله له شفاء من الأشفية، فيكون هذا محرضًا على تطلب الأدوية للأمراض. الإفصاح (7/ 318).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف. شرح صحيح مسلم (14/ 191).
وقال العيني -رحمه الله-:
وفيه: إباحة التداوي وجواز الطب، وهو رد على الصوفية أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء، ولا يجوز له مداواته، وهو خلاف ما أباحه الشارع. عمدة القاري (21/ 230).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: إباحة التعالج؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر ذلك عليهم...
و(فيه) دليل على أن البُرْءَ ليس في وسع مخلوق أن يعجِّله قبل أن ينزل، ويقدِّر وقته وحينه، وقد رأينا المنتسبين إلى علم الطب يُعالج أحدهم رَجُلين وهو يزعم أن علتهما واحدة، في زمن واحد، وسنٍّ واحد، وبلد واحد، وربما كانا أخوين توأمين، غذاؤهما واحد، فعالجهما بعلاج واحد، فيفيق أحدهما، ويموت الآخر، أو تطول علته ثم يفيق عند الأمد المقدور له. التمهيد (3/ 661- 662).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
ربما يتخلف الشفاء عمن استعمل طبَّ النبوة؛ لمانع قام به من ضعف اعتقاد الشفاء به، وتلقيه بالقبول، وهذا هو السبب أيضًا في عدم نفع القرآن الكثيرين، مع أنه شفاء لما في الصدور، وقد طبَّ -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا من الأمراض. مرقاة المفاتيح (7/ 2860).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد الشديدين بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها اللَّه مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأَنَّ تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر.
وفيه: رد على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّر فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قدرًا فكذلك. وأيضًا فإن المرض حصل بقدرة اللَّه تعالى، وقدر اللَّه لا يُدفع ولا يُرد. شرح سنن أبي داود (15/ 541).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: إثبات الطب وإباحة التداوي في عوارض الأسقام، وفيه الإعلام أن تلك الأدوية تشفي وتنْجَع بإذن الله -عز وجل-. أعلام الحديث (3/ 2104).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه التفويض إلى الله -تعالى- وأنه فاعل ذلك كله، وأن الله -تعالى- قد قدَّر في أزله أن مرض هذا سيكون ويتطبب فيه هذا وإذ لم يتطبب لم يبرأ، ولكن لا بد له أن يتطبب، فهو من باب عِلْمِه لما لا يكون أو لو كان كيف كان يكون، وهو مثل الأمر بالدعاء لباقي الأمور، والأمر بالتوقي من القتل والمعاطِب والهلاك، مع أن الأجل لا يُزاد فيه ولا يُنقص، والمقادير لا يسبق أوقاتها ولا يتأخر عنه، ولا بد ما هو كائن أن يكون وتفسر هذا الحديث الآخر، وقد سئل عن الرقى والأدوية والإبقاء، هل يردُّ ذلك من قدر الله من شيء؟ فقال: «فإنه من قدر الله». إكمال المعلم (7/ 119).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إثبات القضاء والقدر. وإثبات الأسباب.
وفي هذا: الترغيب في تعلُّم طب الأبدان، كما يتعلم طب القلوب... بهجة قلوب الأبرار (ص: 147- 148).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)
وينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين في حكم أكل لحوم البقر (هنا)