«إن الرجل لينْصَرفُ وما كُتب له إلا عُشرُ صلاتِه، تُسعُها ثُمُنُها، سُبْعُها سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثها، نصفُها».
رواه أحمد برقم: (18894)، وأبو داود برقم: (796) واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى برقم (615)، من حديث عمار بن ياسر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (18879): «حتى انتهى إلى آخر العدد».
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (537)، صحيح سنن أبي داود برقم: (761).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لينصرفُ»:
الصاد والراء والفاء معظم بابه يدل على رَجْعِ الشيء، من ذلك: صَرَفْتُ القوم صرفًا وانصرفوا، إذا رجعتهم فرجعوا. مقاييس اللغة، ابن فارس (3/ 342).
شرح الحديث
قوله: «إن الرجل لينْصَرفُ وما كُتب له إلا عُشرُ صلاتِه»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
«لينصرف» أي: يفرغ من صلاته. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (5/ 211).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
أي: لم يُكتب له من الأجر والثواب. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (4/ 180).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يقول: إن الرجل لينصرف» يعني: من صلاته «وما كُتب له» منها «إلا عُشر صلاته»، ولأحمد زيادة في أوله: أن عمار بن ياسر صلى صلاة فأَخَفَّها فقيل له: يا أبا اليقظان خففتَ! فقال: هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئًا؟ فقالوا: لا. قال: إني بادرت سهو الشيطان، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الرجل ليصلي صلاة لا يُكتب له نصفها» الحديث إلى آخره. شرح سنن أبي داود لابن رسلان (4/ 489- 490).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وما كُتب له» الواو فيه للحال، والمعنى: أن الناس تختلف أحوالهم في ثواب صلواتهم على حسب حالاتهم في إقامتها، فمنهم من يحصل له ثواب عُشر صلاة، ومنهم تُسعها، ومنهم ثمنها إلى نصفها، فالرجل السعيد أن يحصل له ثواب كلها. شرح سنن أبي داود (3/ 455).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ الرَّجل لينصرف» من الصلاة «وما كُتب له إلا عُشر صلاته تُسعها» بضم أوله وهو ما بعده بالرفع بدل مما قبله بدل تفصيل. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 283).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«إنّ الرَّجل» يعني الإنسان «لينصرف» أي: من صلاته «وما كُتب له إلا عُشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» قال المناوي: تسعها وما بعده بالرفع بدل مما قبل بدل تفصيل، وفي كلام المناوي ما يفيد أن رفعها بالعطف على «عُشر صلاته»، فإنه قال: وحُذف من هذه المذكورات كلمة (أو) وهي مرادة وحذفها كذلك سائغ شائع في استعمالهم انتهى. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 27).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن الرجل لينصرف» أي: من صلاته. «وما كُتب له» في صحائف حسناته من الأجر والثواب «إلا عُشرها» الجزء العاشر مِن عشرة أجزاء من أجرها. التنوير شرح الجامع الصغير (3/ 452).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«إن الرجل لينصرف» أي: من صلاته «وما كُتب له إلا عُشر صلاته» أي: عُشر ثوابها؛ لِمَا أخلَّ في الأركان والشرائط والخشوع والخضوع وغير ذلك، والجملة حالية. عون المعبود (3/ 3).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«إن الرجل لينصرف» عن الصلاة «وما كُتب له» الواو حالية، أي لم يُكتب له من الأجر والثواب «إلا عُشر صلاته»، وذهب تسعة أعشارها؛ لما أخل في أركانها وفي إقباله إلى الله تعالى بالخشوع والخضوع. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (4/ 180- 181).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فمدار كمال الصلاة مثلًا بعد مراعاة الشروط والأركان وواجباتها وسننها وآدابها المسموعة المعروفة على حضور القلب مع الله، وقطع النظر عما سواه، فقد روى أحمد وأبو داود وابن حبان عن عمار بن ياسر مرفوعًا: «إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها». مرقاة المفاتيح (8/ 3168).
قوله: «تُسعُها ثُمُنُها، سُبْعُها سُدُسُها، خُمُسُها، رُبُعُها، ثُلُثها، نصفُها»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«تسعها» بضم أوله وهو ما بعده بالرفع بدل مما قبله بدل تفصيل «ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» أراد أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بحسب الخشوع والتدبر ونحوه مما يقتضي الكمال، وحذف من هذه المذكورات كلمة (أو) وهي مرادة، وحذفها كذلك سائغ شائع في كلامهم واستعمالهم، ومن ذلك أيضًا أثر عمر في الصحيح: صلى في قميص في إزار في رداء في كذا في كذا. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 283).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» وهذا الكلام للترقي من الأدنى إلى الأعلى، أي: كُتب لبعضهم من الأجر بقدر تسعها، ولبعضهم بقدر ثمنها، ولبعضهم بقدر سبعها، ولبعضهم بقدر سدسها، ولبعضهم بقدر خمسها، ولبعضهم بقدر ربعها، ولبعضهم بقدر ثلثها، ولبعضهم بقدر نصفها، والحاصل: أنه ينبغي للمصلي أن يحفظ صلاته، ولا يخل بشيء من ظاهرها وباطنها، فيستحق كمال الأجر. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (4/ 180- 181).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تسعها» هو وما بعده مرفوع بالعطف على «عُشْرها» المرفوع بنيابته «كُتب» لنفر بعدله، وحُذف حرف العطف وهو جائز كما صرح به الرضي حيث قال: وقد يحذف كما يقول لمن قال: أكل اللبن أو السمك: كل سمكًا لبنًا أي أو لبنًا؛ لقيام القرينة الدالة على أن المراد أحدهما انتهى. فكذا نقول هنا؛ لأن القرينة ظاهرة في أن المراد ذلك أي: إلا عشرها أو تسعها إلى آخره.
«ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» فيه مأخذ أن أقل الناس مَن يُكتب له نصفها؛ لأنه أَخَّرَه عن الأجزاء كلها، وأن الأكثر من يُكتب له عُشرها كما يقتضيه تقديمه، وإرشاد إلى أنه ينبغي للعبد أن يبالغ في صيانة صلاته عن موجب نقصانها.
فإن قلت: هل هذه التي يُكتب له عُشرها مثلاً تُسقط الواجب أم لا؟
قلت: محل نظر، والحق أنها لا تسقطه إلا صلاة كُتبت له كلها؛ وذلك لأن أئمة الأصول رسموا الواجب بأنه ما يُثاب العبد على فعله ويعاقب على تركه، فإذا لم يثب إلا على جزء من الفعل الواجب فما قد أتى به كله فتأمل، ورأيت في الإحياء للغزالي ما يدل على أنها تفسد صلاته إذا لم يخشع، واستدل بحديث: «إنما يُكتب للعبد من صلاته ما عَقَل منها» أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان تقدم.
واعلم أن ذكر الرَّجُل في هذه الأحاديث ليس لأن الحكم يخصه؛ فإن هذه الأحكام عامة للمكلفين أجمعين، بل لأن المذكور هم المخاطبون أولًا وبالذات، وقد ثبت أن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: «يا رسول الله ما بالنا لا نُذكر كما يُذكر الرجال في القرآن؟ فأنزل الله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} الأحزاب: 35. الآية». التنوير شرح الجامع الصغير(3/ 452 - 453).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«تسعها ثمنها سبعها إلخ» بحذف حرف العطف، والمعنى أن الرجل قد ينصرف من صلاته ولم يُكتب له إلا عُشر ثوابها أو تسعها أو ثمنها إلخ، بل قد لا يُكتب له شيء من الصلاة، ولا تُقبل أصلًا كما ورد في طائفة من المصلين. عون المعبود (3/ 3).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
والمراد أن اختلاف المقدار في التسع، والثمن، والسُّبع، ونحوه يختلف باختلاف الأشخاص بحسب الخشوع والتدبر، ونحو ذلك مما يقتضي الكمال، كما في صلاة الجماعة: خمس وعشرون، وسبع وعشرون. ويدل على أن المراد به التفصيل: ما رواه النسائي بإسناد حسن عن أبي اليسر -بالياء المثناة تحت والسين المهملة مفتوحتين-، واسمه كعب بن عمرو السلمي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس» حتى بلغ العُشر.
ومقتضى تبويب المصنف على هذا الحديث: نقصان أجر الصلاة لمن خفَّفها لأمر حدث، وقياس ما ورد في أن من صلى قاعدًا مع العذر لا ينقص من أجره شيء، وأن مَن تأخر عن الجماعة لعذر يُكتب له أجر الجماعة أن له الأجر كاملًا. شرح سنن أبي داود (4/ 491- 493).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
واعلم أن الصلاة قد يُحسب بعضها ويُكتب بعضها دون بعض كما دلت الأخبار عليه، وإن كان الفقيه يقول: إن الصلاة في الصحة لا تتجزأ، ولكن ذلك له معنى آخر ذكرناه، وهذا المعنى دلت عليه الأحاديث إذ ورد جبر نقصان الفرائض بالنوافل. إحياء علوم الدين (1/ 172).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث يترقى فيه من الأقل إلى الأكثر، وكأنه للإشارة إلى أن الذي يُكتب دون نصفها هو الأكثر، وذلك أنه لا يُكتب له إلا وكأنها لا تُكتب كلها لأحد كما لم يذكر هنا، ولذا شُرع عقب السلام منها الاستغفار ثلاثًا، كما كان يقوله -صلى الله عليه وسلم- عقب السلام؛ لأنه لا يكاد أحد يقوم بواجباتها كلها على أكمل الوجوه، فشرع الاستغفار تداركًا لما حصل من التفريط. التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 439).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وقد جاء في الحديث أنه يُكتب له من الصلاة ما حضر قلبه فيها. فتح القريب المجيب (3/ 676- 677).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فسأل سائل عن معنى هذا الحديث، فكان جوابنا له في ذلك -بتوفيق الله وعونه- بعد تأملنا إياه: أن المراد بذلك عندنا -والله أعلم- أن تكون الصلاة إذا صلاها الرجل كما أُمر أن يصليها؛ من إتمام قيامها وركوعها وسجودها وقعودها والقراءة فيها وذكر الله -عز وجل- الذي يؤمر به فيها وخشوعه فيها وإقباله عليها، وتركه التشاغل عنها بشيء سواها يدعوه إلى التقصير عن إكمالها؛ يؤتيه الله -عز وجل- على ذلك ما شاء أن يؤتيه إياه عليه بجده إياه على ما كان منه فيها، وإذا قصَّر عما ذكرناه فيها تقصيرًا لم يخرجه منها، ولكنه كان به منتقصًا منها ما قد كان يجب عليه ألا ينتقصه منها مِن الذِّكر، ومما سواه من إشكاله إياه على ما جاء به منها بمقدار مما كان يؤتيه لو كان جاء بها بكمالها على ما يؤمر به فيها من الأجر الذي يؤتيه على ذلك من قليل أجزائه ومن كثيرها، والله أعلم بمراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- كان في ذلك، وإياه نسأل التوفيق. شرح مشكل الآثار (3/ 139).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه قد لا يُكتب له منها إلا العُشر. وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عَقَلْتَ منها، ولكن هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور والغالب الحضور لم تجب الإعادة، وإن كان الثواب ناقصًا فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يُبطل الصلاة وإنما يُجبر بعضه بسجدتي السهو، وأما إن غَلَبت الغفلة على الحضور ففيه للعلماء قولان:
أحدهما: لا تصح الصلاة في الباطن وإن صحت في الظاهر كحقن الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يحصل فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتفاق لا يبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله بن حامد وأبي حامد الغزالي وغيرهما.
والثاني: تبرأ الذمة فلا تجب عليه الإعادة وإن كان لا أجر له فيها ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي لم يدع قول الزور والعمل به فليس له من صيامه إلا الجوع. مجموع الفتاوى (22/ 612).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: الحث الأكيد والحض الشديد على الخشوع والخضوع في الصلاة، وحضور القلب مع الله تعالى والإتيان بالسنن والآداب الزائدة على الفرائض والشروط، فإن الصلاة لا تقع صحيحة ويُكتب للمصلي فيها أجرٌ كالعُشْر والتسع إلا إذا أتى بهما أي: بالفرائض والشروط كاملين، فمتى أخلَّ بفرض أو شرط منها لم تصح ولم يُكتب له أجر أصلًا، ويدل على هذا قول عمار في أول الحديث: «هل رأيتموني تركت من حدودها شيئًا؟»، وقوله: « إني بادرت سهو الشيطان» يدل على أن ذهاب تسعة أعشار فضل الصلاة من وسوسة الشيطان وذكره شيئًا من الأمور الدنيوية واسترساله في ذكره، ومن أعرض عما يذكره به الشيطان ولم يسترسل معه لا ينقص من أجره شيء كما دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الله تعالى تجاوز عن أُمَّتي ما حدَّثت به أنفسها»، وهذا العُشر الذي يُكتب للمصلي يكمل به تسعة أعشار من التطوعات. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 27).