«من استطاع أن يموت بالمدينة فليمُت بها؛ فإني أَشْفَعُ لمن يموت بها».
رواه أحمد برقم: (5818)، والترمذي برقم: (3917)، واللفظ له، وابن ماجه برقم: (3112)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1193)، ومشكاة المصابيح برقم: (2750).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمُتْ بها»:
قال ابن الحاج –رحمه الله-:
الاستطاعة هي بذل المجهود في ذلك، فزيادة عنايته -عليه الصلاة والسلام - بإفراد المدينة بالذكر دليل على تمييزها. المدخل لابن الحاج (2/ 42)
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «من استطاع» وقدَرَ منكم -أيها المسلمون-. شرح سنن ابن ماجه (18/ 276).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «من استطاع أن يموت بالمدينة» أي: من استطاع أن يقيم بالمدينة، حتى يموت إذا جاءه الموتُ أَدْرَكَه ثمة «فليمت بها» أي: فليُقِم ثمة حتى يموت بها. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 205).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «أن يموتَ بالمدينة» أي: أن يقيم بالمدينة حتى إذا جاءه الموت أدركَه بها «فليمُتْ بها» أي: فليُقِمْ بها حتى يموتَ. شرح المصابيح (3/ 375).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فلْيَمُتْ» أمرٌ له بالموت بها، وليس ذلك من استطاعته، بل هو إلى الله تعالى، لكنه أمرٌ بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها، فيكون ذلك سببًا لأن يموت فيها، فأَطلق المسبب وأراد السبب، كقوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} آل عمران: 102. شرح المشكاة (6/ 2063).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «أن يموت بالمدينة» أي: بأن لا يخرج منها إلى أن يموت إن مات في جواره، وأنه بذلك حقيق بالإكرام، والله تعالى أعلم. كفاية الحاجة على سنن ابن ماجه (2/ 267).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «بالمدينة» والمدينة: تسمى طَيْبة. فتح القريب المجيب (6/ 225).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن يموت بالمدينة» أي: أراد أن يموت بها (وفي رواية) «فليفعل» أسباب الموت بها؛ مِن ملازمتها إلى أن يأخذه فيها الموت، والمعنى: فَلْيُقِمْ بها حتى يموت فيها، فهو حث على لزوم الإقامة بها، وألا يخرج منها حتى يدركه الموت ثَمَّة. شرح سنن ابن ماجه (18/ 276).
وقال الدميري -رحمه الله-:
أما السكنى بالمدينة فأفضل؛ لأنه ثبت من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (قال): «لا يصبر على لأوائها وشدتها أَحدٌ إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» ولم يرد في سكني مكة شيء من ذلك، بل كرهها جماعة من العلماء. النجم الوهاج في شرح المنهاج (3/ 466)
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
ومعنى ما جزم به في المغني وغيره أن مكة أفضل، وأن المجاورة بالمدينة أفضل، وذكر قول أحمد: المقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجر المسلمين. الفروع وتصحيح الفروع (6/ 28)
وقال الغزالي -رحمه الله-:
ما بعد مكة بقعة أفضل من مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فالأعمال فيها أيضًا مُضاعفة. إحياء علوم الدين (1/ 243)
وقال الغزالي -رحمه الله- أيضًا:
وإنْ أَمكنه الإقامة بالمدينة مع مُراعاة الحُرمة فلها فضل عظيم. إحياء علوم الدين (1/ 261)
وقال القرطبي -رحمه الله-:
فإنَّ الحض على سكناها رُبما كان عند فتح الأمصار ووجود الخيرات بها ... فحضَّ -صلى الله عليه وسلم- على سكناها حين أخبر بانتقال الناس عنها عند فتح الأمصار؛ لأنها مُستقر الوحي، وفيها مجاورته، ففي حياته صحبته ورؤية وجهه الكريم، وبعد وفاته مجاورة جدثه الشريف، ومشاهدة آثاره العظيمة...ثم إذا تغيرت الأحوال واعتورتها الفتن والأهوال كان الخروج منها غير قادح، والانتقال منها حَسنًا غير قادح. التذكرة للقرطبي (ص: 684)
قوله: «فإني أشفع لمن يموت بها»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فإني أشفع لمن يموت بها» فهذه شفاعة أخرى خاصة بأهل المدينة، وكذلك الشهادة زائدة على شهادته للأمَّة، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء». غاية السول في خصائص الرسول (ص265).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «فإني أشفَعُ لمن يموتُ بها» عبَّرَ عن الإقامة بما يَؤُولُ إليه. شرح المصابيح (3/ 375).
وقال الجراعي -رحمه الله-:
قوله: «فإني أشفَعُ لمن يموتُ بها» اختصاص أهلها بمزيد الشفاعة والإكرام زائدًا على غيرهم من الأنام، كما في معجم الطبراني، عن عبد الملك بن عبَّاد بن جعفر، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أول مَن أشفع له من أُمَّتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف» وأخرجه البزار في مسنده، وفي الصحيحين: «مَن صبر على لأوائها وشدتها -يعني: المدينة - كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة». تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد (ص281).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «فإني أشفع لمن يموت بها» أي: في محو سيئات العاصين، ورفع درجات المطيعين، والمعنى: شفاعة مخصوصة بأهلها لم توجد لمن لم يمت بها، ولذا قيل: الأفضل لمن كبر عمره أو ظهر أمره بكشف ونحوه مِن قُرب أجله أن يسكن المدينة ليموت فيها، ومما يؤيده قول عمر: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك» رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادًا، وليس هذا صريحًا في أفضلية المدينة على مكة مطلقًا؛ إذ قد يكون في المفضول مزية على الفاضل من حيثية، وتلك بسبب تفضيل بقعة البقيع على الحُجون، إما لكونه تربة أكثر الصحابة الكرام، أو لقرب ضجيعه -عليه الصلاة والسلام-، ولا يبعد أن يراد به المهاجرون؛ فإنه ذم لهم الموت بمكة كما قُرِّر في محله. مرقاة المفاتيح (5/ 1884).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «فإنّي أشفع لمن يموت بها» أي: قبل أن أشفع لمن مات في غيرها. شرح الشفا (2/ 167).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «فإني أشفع لمن يموت بها» أي: أخُصُّه بشفاعة غير العامة، زيادة في الكرامة. فيض القدير (6/ 53).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فإني أشفع» ولفظ ابن ماجه: «فإني أشهد لمن يموت بها» أي: أخصُّه بشفاعتي غير العامة زيادة في إكرامه... والحديث قد استدل به على أن السُّكنى بالمدينة والمجاورة بها أفضل منها بمكة؛ لأن الترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها، والسكنى بها وصلة إليه فيكون ترغيبًا في سكناها وتفضيلًا لها على غيرها. مرعاة المفاتيح شرح (9/ 549).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: (في رواية) «فإني أَشهد» يوم القيامة بالإيمان «لمن مات بها» أي: بالمدينة إن كان من أهل زماني، وأَشفع له إن لم يكن من أهل زماني، وفي رواية الترمذي: «فإني أشفع لمن يموت بها» أي: أخصه بشفاعتي الخاصة، غير العامة؛ زيادةً في إكرامه. شرح سنن ابن ماجه (18/ 276).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فيستحب دعاء الإنسان أن يكون موته في البلد الشريف، وقد كان المهاجرون إلى المدينة يكرهون أن يموتوا بغيرها، ويسألون الله -عز وجل- أن يتوفاهم بها؛ لهذا الحديث. فتح القريب المجيب (6/ 225).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وزاد بعضهم: شفاعة سابعة؛ وهي الشفاعة لأهل المدينة؛ لحديث سعد -رضي الله عنه- رفعه: «لا يثبت على لأوائها أحد إلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا» أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- رفعه: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل؛ فإني أشفع لمن مات بها» أخرجه الترمذي، قلتُ: وهذه غير واردة؛ لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأول، ولو عُدَّ مثلُ ذلك لعُدَّ حديث عبد الملك بن عباد -رضي الله عنه- سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف». فتح الباري (11/ 428).
وقال السمهودي -رحمه الله-:
وبالجملة: فالترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها، والسكنى بها وصلة إليه؛ فيكون ترغيبًا في سكناها، وتفضيلًا لها على غيرها، واختيار سكناها هو المعروف من حال السلف، ولا شك أن الإقامة بالمدينة في حياته -صلى الله عليه وسلم- أفضل إجماعًا، فنستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه. وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (1/ 46).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وبالجملة: فقصدُها (أي: المدينة) على هذه النية الحسنة، والشوق الصادق؛ يدل على صدق إيمانه، وصحة يقينه، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج في (4/ 152).
وقال الشيخ أحمد محمود الشوابكة -حفظه الله-:
فالمراد الاستقرار في المدينة إلى الموت، والتّوطُّن فيها وعدم الخروج منها حتّى يأتي الموت، فيفوز العبدُ حينها بشفاعة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قضاءً لحقِّ الجوار، وليست الشّفاعة والفضيلة لمن مات خارج المدينة ونُقل إليها كما تأوّل بعضهم. الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور (ص102).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فإن قيل: قد جاء ما يعارض هذا عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: «مات رجل بالمدينة ممن وُلد بها فصلى عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: يا ليته مات بغير مولده! قالوا: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة»، وذكره ابن طاهر في (الصفوة) وبوَّب عليه: (إيثارهم الغربة على الوطن)! فالجواب: إن صح فلا يعارضه، بل الحديث خاصٌّ بمن يولد في المدينة، والله أعلم. فتح القريب المجيب (6/ 225).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الأصلُ أن يُدفن كلُّ ميتٍ في بلد وفاته، إِلَّا لضرورة تدعو إلى نقله إلى غيره، وفي هذا الزمان سهُل الوصول إلى الحرمين الشريفين بوسائل النقل المختلفة، فلو مُكِّن كلُّ مَن أراد الدفن في الحرمَين لأوشك أن تتحوَّل المدينتان المُقدَّستان إلى قبور! والمُهمُّ للمسلم أن يكون في حياته على حالة حسنةٍ وأعمالٍ صالحة، وأن يُختم له بخير... وهو يدلُّ على فضل الموت بالمدينة، ومن المعلوم أنَّ كلَّ من مات بالحرمين يُدفن فيهما، ولا دلالة في ذلك على النقل إلى الحرمين للدَّفن فيهما. الرد على الرفاعي والبوطي (ص75).