الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سُئل: أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقال: «إيمانٌ باللهِ ورسُولِهِ»، قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: «الجهادُ في سَبيلِ اللهِ» قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبرورٌ».


رواه البخاري برقم: (26) واللفظ له، ومسلم برقم: (83)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مَبْرُورٌ»:
قال شمر: الحج المبرور الذي لا يخالطه من المآثم شيء. الزاهر، للأزهري (ص: 122).
وقال النسفي -رحمه الله-:
المبرُورُ، أي: المقبول يُقال: بَرَّهُ الله بِرًّا مِن حَدِّ عَلِمَ، أي: قَبِلَهُ. طلبة الطلبة (ص: 29).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سُئلَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «سُئل» أبهِم السائلُ، وهو أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-. فتح الباري (1/ 77).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» السائل أبو ذر -رضي الله عنه- المصرّح به في الرواية الثانية، وإنَّما سَأل عن أفضل الأعمال؛ ليلتزمه، ‌كعادة ‌الصحابة -رضي الله عنهم- ‌في ‌الحرص ‌على ‌الخير. فتح المنعم (1/ 268).

قوله: «أيُّ العملِ أفضلُ؟»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أفضل» ‌أي: الأكثر ثوابًا عند الله. الكواكب الدراري (1/ 126).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
قوله: «‌‌أفضل؟» ‌أي: الأعمال أعظم عند الله أجرًا وثوابًا. منار القاري (1/ 108).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «‌‌أفضل؟» قد وردت أحاديث مختلفة في بيان الأفضل من الأعمال، ووجه التوفيق بينها: اختلاف الجهات والحيثيات والمقامات، وأحوال السائلين والمخاطَبين. لمعات التنقيح (5/ 274).

قوله: «فقالَ: إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «إيمانٌ بالله» -سبحانه وتعالى-، أي: تصديقٌ بوجوده وبوحدانيته وبألوهيته، وبجميع صفاته. الكوكب الوهاج (3/ 8).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إيمانٌ بالله ورسوله» نكّر الإيمان للدلالة على أنَّ قليلًا منه ‌أفضل، فما حال الكامل منه؟! لمعات التنقيح (5/ 274).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ» أي: هو إيمانٌ بالله ورسوله، نكَّر الإيمان ليُشعر بالتعظيم والتفخيم، أي: التصديق المقارن بالإخلاص المُستتبع للأعمال الصالحة. مرعاة المفاتيح (8/ 299).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
قوله: «إيمانٌ بالله ورسوله» ‌أي: أنَّ ‌أفضل الأعمال على الإِطلاق: الإِيمان ‌بالله ورسوله، والتصديق بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه شرط في صحة جميع العبادات الشرعية؛ من صلاة وزكاة وصوم، وغيرها. منار القاري (1/ 108).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
مقصود البخاري بهذا الباب: أنَّ الإيمان كله عمل؛ مناقضة لقول مَن قال: إنَّ الإيمان ليس فيه عمل بالكلية؛ فإنَّ الإيمان أصله تصديق بالقلب، وقد سبق ما قرَّره البخاري أنَّ تصديق القلب كسب له وعمل، ويتبع هذا التصديق قول اللسان، ومقصود البخاري ها هنا: أنَّ يُسمَّى عملًا أيضًا، أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل، ولا حاجة إلى تقرير ذلك؛ فإنَّه لا يخالف فيه أحد، فصار الإيمان كله -على ما قرَّره- عملًا. فتح الباري (1/ 120).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
على هذا فلا يُشك أنَّ التصديق والتوحيد أفضل الأعمال؛ إذ هو شرط فيها، وقد يحتمل أن يشير بقوله: «أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله» إلى الذِّكْر الخفي، وتعظيم حق الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإدامة ذكر الله، وتفهُّم كتابه، وتدبُّر آياته، وهي من أعمال القلب، ومحض الإيمان، كما جاء في الحديث الآخر: «خير الذكر الخفي» (عند أحمد وهو ضعيف). إكمال المعلم (1/ 346).
وقال عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله-:
جعل الإيمان ‌أفضل الأعمال؛ لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه، وشرف مُتعلِّقه، ومصالحه ضربان: أحدهما عاجلة، وهي: إجراء أحكام الإسلام، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال.
والثاني: آجلة، وهو: خلود الجنان، ورضا الرحمن. قواعد الأحكام (1/ 54).

قوله: «قيلَ: ثم ماذا؟»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «ثم ماذا؟» مبتدأ، والخبر محذوف، أو خبر، والمبتدأ محذوف، أي: ثم ماذا الأفضل بعد الإيمان بالله، يا رسول الله؟ فتح المنعم (1/ 267).

قوله: «قالَ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الجهاد» ‌أي: القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله. الكواكب الدراري (1/ 126).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
قوله: «الجهاد» ‌أي: القِتال لإعلاء كلمة الله، وإنَّما كان ‌أفْضل؛ لأنَّه بذْل النَّفس كما قال (الشاعر):
والجُودُ بالنفسِ أَقْصَى غايةِ الجودِ. اللامع الصبيح (1/ 189).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «الجهادُ في سبيل الله» وطاعته، وطلب مرضاته لإعلاء كلمته العليا، لا للحمية ولا للوطنية ولا للغنيمة، ولا لإظهار الشجاعة. الكوكب الوهاج (3/ 8).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد» التعريف للعهد، وفي نسخة: «جهاد» «في ‌سبيل الله»؛ لأن المجاهد لا يكون إلا مصليًّا وصائمًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1741).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أما ذكره بعد الإيمان الجهاد، ولم يذكر الصلاة والزكاة؛ فلأنهما قرينتا التوحيد؛ لجمعهما في القرآن والحديث مع الإيمان بالله، فيكون اسم الإيمان منطلق عليهما، ولعله المراد بالإيمان أولًا، كما وقع في حديث ابن مسعود، فبدأ بالصلاة لميقاتها، ثم ذكر ما عداها، فذكر الجهاد والحج، ولم يذكر الحج في حديث أبي ذرٍّ -رضي الله عنه-، وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- بدأ بالصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد.
وقيل: إنَّما اختلفت الأجوبة في هذه الأحاديث والأحاديث المتقدمة: «أي الإسلام أفضل»؟ لاختلاف الأحوال، وأَعْلَمَ كلَّ قوم بما تهمُّ الحاجة إليه، وترك ما لم تدْعُ حاجتهم إليه، أو مما كان علمه السائلُ قبل، فأُعْلم بما تدعو الحاجة إليه، أو بما لم يكمله بعد من دعائم الإسلام، ولا بلغه علمه.
وقيل: قدَّم في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- فضل الجهاد على الحج؛ لأنه كان في أول الإسلام، ومحاربة أعدائه والجد في إظهاره. إكمال المعلم (1/ 346).
وقال عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله-:
يبعد أنْ تكون صلاة الصبح ‌أفضل من حجَّة مبرورة، وركعتا الفجر ‌أفضل من حجة التطوع، وقد جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجهاد تلو الإيمان، وجعل الحج في الرتبة الثالثة، فإنْ قُدِّمت الصلاة عليهما كان ذلك مخالفًا للحديث، وإنْ تأخرت عنهما لم يستقم كون الصلاة ‌أفضل الأعمال البدنية، ويمكن أنْ يُجاب عن ذلك بأن يجعل الحج المفروض ‌أفضل من صلاة مفروضة، ويجعل استغراق الصلاة لأزمان تتسع للحج ‌أفضل من الحج؛ لأن الإقبال على الله بالصلاة في زمن يتسع للحج أكمل وأتم من الإقبال عليه بأفعال الحج، فيكون جمعًا بين الحديثين، وقد سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‌أي الأعمال ‌أفضل؟ فقال: «بر الوالدين» وسئل: ‌أي الأعمال ‌أفضل؟ فقال: «الصلاة لأول وقتها»، وسئل: ‌أي الأعمال ‌أفضل؟ فقال: «‌حج مبرور»، وهذا جواب لسؤال السائل، فيختص بما يليق بالسائل من الأعمال؛ لأنهم ما كانوا يسألون عن الأفضل إلا ليتقربوا به إلى ذي الجلال، فكأن السائل قال: ‌أيُّ الأعمال ‌أفضل لي؟ فقال: «بر الوالدين» لمن له والدان يشتغل ببرهما، وقال لمن يقدر على الجهاد لما سأله عن ‌أفضل الأعمال بالنسبة إليه: «الجهاد في ‌سبيل الله»، وقال لمن يعجز عن الحج والجهاد: «الصلاة على أول وقتها» ويجب التنزيل على مثل هذا؛ لئلا يتناقض الكلام في التفضيل. قواعد الأحكام (1/ 65).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قيل: التطوع بالجهاد ‌أفضل من التطوع بالحج عند جمهور العلماء، وقد نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله-...، وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- هذا صريح في ذلك.
ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- بوجهين:
أحدهما: أنَّ حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قد صرَّح فيه بأنَّ جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر، فيمكن أنْ يقال: الحج ‌أفضل من الجهاد؛ إلا جهاد من لم يرجع من نفسه وماله بشيء، ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ويجتمع حينئذٍ الحديثان.
والثاني -وهو الأظهر-: أنَّ العمل المفضول قد يقترن به ما يصيره ‌أفضل من الفاضل في نفسه -كما تقدم-، وحينئذٍ فقد يقترن بالحج ما يصير به ‌أفضل من الجهاد، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد حينئذٍ ‌أفضل منه، فإن كان الحج مفروضًا فهو ‌أفضل من التطوع بالجهاد؛ فإن فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء...، وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجه أفضل من جهاده، كالمرأة، وفي صحيح البخاري: عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» وفي رواية له: «جهادكن الحج» وفي رواية له أيضًا: «نعم الجهاد الحج».
وكذلك إذا استغرق العشر كله عملُ الحج، وأُتِي به على أكمل وجوه البر؛ من أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وانضم إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل السلام، وإطعام الطعام، وضم إليه كثرة ذكر الله -عز وجل-والعجَّ والثجَّ- وهو: رفع الصوت بالتلبية، وسَوق الهدي-؛ فإن هذا الحج على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد.
وإنْ وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر، ولم يؤتَ به على الوجه المبرور؛ فالجهاد أفضل منه. لطائف المعارف (ص: 586).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فتلاه بالإيمان، وأخَّر الحج المبرور عنه؛ لما فيه من إعلاء كلمة اللَّه...
ثانيهما: حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، ‌أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: ثم ‌أي؟ قال: «بر الوالدين» قال: ثم ‌أي؟ قال: «الجهاد في ‌سبيل اللَّه» أخرجاه، فتلاه بهما؛ لأنه مقصود، وهما وسيلة، فالصلاة تعظيم لأمر اللَّه، والبِرُّ شفقة على خلق اللَّه، والجهاد دفع لأعداء اللَّه عن إيذاء خلق اللَّه، وتهديم بيوت اللَّه.
ثالثها: حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان باللَّه، والجهاد في سبيله» أخرجاه، فقرنه بالإيمان؛ لما فيه من إظهار حب اللَّه وتعظيمه، ومحو الكفر. حدائق الأولياء (2/ 301).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
فلذلك اختلف ترتيب الأفضل من الأعمال، مع أنه قد يكون العمل في وقت أوكد وأفضل منه في وقت آخر، كالجهاد الذي يتأكد مرة ويتراخى أخرى، ألا تراه أَمَرَ وَفْد عبد القيس بأمرٍ فصل باشتراطهم ذلك منه، فلم يرتب لهم الأعمال، ولا ذكر لهم الجهاد ولا بِرَّ الوالدين، وإنما ذكر لهم: أداء الخمس مما يغنمون، وذكر لهم الانتباذ في المزفَّت (وعاء مطلي بالزفت يسرع إليه الإسكار) فيما نهاهم عنه، وفي المنهيات ما هو آكد منه مرارًا؟.التوضيح (33/ 531).

قوله: «قيلَ: ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مَبْرُورٌ»:
قال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الحج المبرور ليس له ثواب عند الله إلا الجنة» والحج هو القصد؛ فلا تقصد بيت ربك حتى تقصد إلى ربك، ولا يتحرك بدنُك إليه حتى تُقبل بقلبك عليه، وإذا أقبلتَ ببدنك عليه، فأحرمتَ ولبَّيت فحِلُّك الطواف بالبيت، وإذا أحرمت ولبَّيت بقصد القلب إليه، فحِلُّك أنْ تراه إن شاء الله -عز وجل-.
وجعل ترك الحج لمن قدر عليه كترك الصلاة لمن قدر عليها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن ترك الصلاة كفر» كذلك قال تعالى في تارك الحج: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} آل عمران: 97، وهذه زيادة تهديد تدل على زيادة تخصيص. سراج المريدين (2/ 383).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌حج» الحج: قصد الكعبة لأجل النسك بملابسة الوقوف بعرفة. الكواكب الدراري (1/ 126).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «حج مبرور»: قيل: المبرور: المتقبَّل، وفي الحديث: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما برُّ الحج؟ قال: «إطعام الطعام، وطيب الكلام»، فعلى هذا يكون من البر الذي هو فعل الجميل فيه، والبذل منه، ومنه: بر الوالدين والمؤمنين، ويكون أيضًا في هذا كله بمعنى الطاعة، ويكون بمعنى الصدق، وضده الفجور، ومنه: برَّت يمينه، فيكون الحجُّ المبرور الصادق الخالص لله تعالى على هذا. إكمال المعلم (1/ 346).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌حجٌّ مبرورٌ»: ‌أي: مقبول، وعلامة كونِه مقبولًا: إتيانُ الرجلِ بجميع أركانِه وواجباتِه معَ إخلاصِ النية، واجتنابُ ما نُهِيَ عنه في الحَجِّ. المفاتيح (3/ 254).
وقال عبد العظيم المنذري -رحمه الله-:
«المبرور» قيل: هو الذي لا يقع فيه معصية، وقد جاء من حديث جابر -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إنَّ برَّ الحجِّ: إطعام الطَّعام، وطيب الكلام»، وعندَ بعضهمْ: «إطعام الطَّعام، وإفشاء السلام». الترغيب والترهيب (2/ 162).
وقال عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله-:
جعل الحج في الرتبة الثالثة؛ لانحطاط مصالحه عن مصالح الجهاد، وهو أيضًا يجلب المصالح، ويدرأ المفاسد، أما جلبه للمصالح فلأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأما درؤه للمفاسد فإنه يدرأ العقوبات بغفران الذنوب، قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». قواعد الأحكام (1/ 54).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌حج مبرور» البر الطاعة والقبول، يقال: بَرَّ حجُّك بفتح الباء وضمها لازمين، وبَرَّ الله حجك، وأَبَرَّ الله حجك، أي: قَبِلَهُ، فله أربع استعمالات. الكواكب الدراري (1/ 126).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «‌حج مبرور» البِر يجيء بمعنى الخير والاتساع في الإحسان والطاعة...، وهذا صحيح، والأصح أنَّ المراد: المقبول منه ذلك بفضل اللَّه سبحانه، وإنْ كان ذلك مما ذكر، ولكن فضل اللَّه واسع، قد يتقبل من العبد، ويتجاوز عن سيئاته ويعفو، قالوا: ومن علامته أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي، ويجيء راغبًا في الآخرة، وزاهدًا في الدنيا. لمعات التنقيح (5/ 274).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
يُستفاد منه ما يأتي:
أولًا: استدل به البخاري -رحمه الله- على أن العمل ركن من أركان الإِيمان، كما أنَّ القول باللسان، والتصديق بالقلب ركنان منه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل في هذا الحديث عن أفضل الأعمال، أجاب بأنَّ أفضل الأعمال: إيِمان بالله ورسوله، فدلّ ذلك على أن الإِيمان عمل، كما أنه تصديق وقول...، والقول بأن العمل جزء من الإِيمان هو قول أكثر أهل العلم، خلافًا لأَبي حنيفة ومن وافقه.
ثانيًا: أهمية الجهاد، ومكانته في الإِسلام، حتى إنه يقدَّم أحيانًا على الحج الذي هو أحد أركان الإِسلام الخمسة؛ وذلك عند الحاجة إليه. منار القاري (1/ 108).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
هذا الحديث فيه: فضل الإيمان ‌بالله ورسوله.
وفيه: تسمية الإيمان عملاً؛ لأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، والإيمان إذا أُطلق يشمل الأقوال والأعمال، والاعتقاد يشمل من الأعمال أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، ويشمل تصديق القلب وإقراره، ويشمل قول اللسان، ويشمل عمل القلب مثل: النية والإخلاص والصدق والمحبة، فكلها من أعمال القلوب، وكلها داخلة في الإيمان.
وفيه: أنه ‌أفضل الأعمال؛ بدليل قوله في الحديث: «يا رسول الله، ‌أي العمل ‌أفضل؟ قال: إيمان ‌بالله» فجعله من العمل.
وفيه: الرد على المرجئة الذين يقولون: الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمى الإيمان عملًا، بل جعله والجهاد ‌أفضل الأعمال. شرح صحيح ابن حبان (9/ 3).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ