«قال الله -تبارك وتعالى-: أنا أَغْنَى الشُّركاءِ عن الشِّركِ، من عمل عملًا أشركَ فيه مَعِي غيري تركتُهُ وشِركَهُ».
رواه مسلم برقم: (2985)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَغْنَى»:
غَنِي بالكسر غِنىً فهو غَنِيٌّ وتَغَنَّى أيضًا أي اسْتَغْنَى، وتَغانَوْا استغنى بعضهم عن بعض. مختار الصحاح (ص: 488).
«الشِّركِ»:
الشرك: ظلم عظيم، والشِّرْكة: مخالطة الشريكين. العين، الخليل (5/ 293).
قال الراغب -رحمه الله-:
وشرك الإنسان في الدين ضربان:
أحدهما: الشرك العظيم، وهو: إثبات شريك لله تعالى...
والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق. المفردات (ص: 452- 453).
شرح الحديث
قوله: «قال الله -تبارك وتعالى-: أنا أَغْنَى الشُّركاءِ عن الشِّركِ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» ولأن الشريكين إنما يشتركان لكون قوة كل واحد منهما لا تنهض بانفرادها في مقاومة المقصود بما ينهض به مع مشاركة القوة الأخرى، والله -سبحانه وتعالى- خالق القوى غير محتاج إلى شركة غيره، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. الإفصاح (8/ 183).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» أصل الشرك المحرَّم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهًا، ويلي هذا في الرتبة: الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئًا من العبادات التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله، وهذا هو الذي سيق الحديث لبيان تحريمه، وأنه مبطِل للأعمال، لهذا أشار بقوله: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشريكه» وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال، وضده الإخلاص، وهو من شرط صحة العبادات والقُرب. المفهم (6/ 615).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء» أَفْعَل التفضيل مِن غَنِيَ به عنه غنية؛ أي: استغنى به عنه، وإضافته إما للزيادة المطلقة من غير أن يكون في المضاف إليهم شيء مما يكون في المضاف؛ أي: أنا أغنى من بين الشركاء «عن الشرك» وهو اسم المصدر الذي هو الشركة، وإما للزيادة على من أضيف إليه؛ أي: أنا أكثر الشركاء استغناء عن الشرك، فإن بعض الناس قد يكون غنيًا عن الشريك، ولكن لم يكن استغناؤه عنه في جميع الأوقات. شرح المصابيح (1/ 54).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ولفظ «أغنى» أفعل تفضيل؛ أي: أكثر غنىً من غيره، وليس على بابه؛ إذ لا غنى في الحقيقة بل الكل محتاج إليه.
والشركاء: جمع شريك، ومن هذه المادة الشركة، والمشاركة، وهو: خلط الْمِلْكَين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية، ومشاركة فرس وفرس في الكُمْتَة (الحُمْرَة) والدُّهْمَة (السَّواد). الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية (ص: 84).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء» الذين زعم المشركون أنهم لي شركاء «عن الشرك». التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 5).
قوله: «من عمل عملًا أشركَ فيه معيَ غيري تركتُهُ وشِركَهُ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه أبلغ التشديد في أمر الشرك؛ بأبلغ لطف في النطق، وذلك أن الله -سبحانه وتعالى- حرم أن يُشرك به، فإذا أشرك به أحد من عبيده تنزه سبحانه عن ذلك الشرك نطقًا، كما تنزه عنه سبحانه حقيقة، ثم إنه سبحانه لما كان جالب هذا الإشراك هو هذا العبد بجهله، مع كونه ملكًا لله -عز وجل- تنزَّه الله عن ذلك بأن ترك العبد الذي جلب الشرك وما أثاره جهله.
وقوله: «تركته وشركه» أي تركت المشرك لي والشرك أيضًا.
ومعنى الحديث: أن كل عمل يُشرك فيه بالله غيره فإنه لا يَقبل الله منه شيئًا؛ لقوله: «تركته وشركه». الإفصاح (8/ 182- 183).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه» هكذا وقع في بعض الأصول «وشركه» وفي بعضها «وشريكه» وفي بعضها «وشركته» ومعناه: أنا غنيٌّ عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، والمراد أنَّ عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم به. شرح صحيح مسلم (18/ 115- 116).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأما العبادة ففي الحديث «يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للَّذي أشرك» فعبادة المشركين وإن جعلوا بعضها لله لا يَقبل منها شيئًا بل كلها لمن أشركوه. مجموع الفتاوى (8/ 50).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
فعبادة المشرك كلها باطلة، لا يقال: نصيب الله منها حق والباقي باطل بخلاف معبودهم؛ فإن الله إله حق وما سواه آلهة باطلة. مجموع الفتاوى (16/ 599).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
والضمير المنصوب في «تَرَكْتُه» يجوز أن يرجع إلى «العمل»... ويجوز أن يرجع إلى العامل... وقوله: «هو» يعود إلى «العمل» على الوجه الأول، وإلى «العامل» على الوجه الثاني، أي العامل ما عمل به من الشرك، يعني يختص به ولا يتجاوز عنه، وكذا الضمير في «منه». الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3369).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
والحاصل أن الباعث على العمل أي: الحامل للشخص عليه إن كان لله تعالى فهو الإخلاص، فإنْ تَرَكَه من أجل الناس فهو رياء، والمخلص من أخلص لله تعالى ولم ير نفسه مخلصًا، ولا رأى عمله مخلصًا بل يثق برحمة الله تعالى، ومتى رأى نفسه في مقام الإخلاص خِيف عليه من العُجب، بل ينبغي أن يكون على وجل، وإن كان الباعث له على العمل نظر الناس إليه، والطمع في إكرامهم والقُرب منهم فهذا محض الرياء، وإن كان الباعث له الأمرين فظاهر الحديث أنه مردود عليه يحمله. فتح القريب المجيب (1/ 355- 356).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تركته وشركه» أقول: في رواية: «شركته»... والمراد: أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، بل هو آثم به. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 456).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«من عمل عملًا» من الطاعات «أشرك فيه» معي «غيري» بالرياء ونحوه «تركتُه وشركه»... والحديث تحذير من الرياء وإخبار بأنه شرك. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 5).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «عملًا» نكرة في سياق الشرط؛ فتعمُّ أيَّ عمل من صلاة، أو صيام، أو حج، أو جهاد، أو غيره.
قوله: «تركتُه وشركه» أي: لم أُثِبْهُ على عمله الذي أشرك فيه.
وقد يصل هذا الشرك إلى حد الكفر، فيترك الله جميع أعماله؛ لأن الشرك يحبط الأعمال إذا مات عليه.
والمراد بشِركه: عمله الذي أشرك فيه، وليس المراد شريكه؛ لأن الشريك الذي أشرك به مع الله قد لا يتركه، كمن أشرك نبيًّا أو وليًّا؛ فإن الله لا يترك ذلك النبي والولي.
ويستفاد من هذا الحديث:
1- بيان غنى الله تعالى؛ لقوله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك».
2- بيان عظم حق الله، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك أحدًا مع الله في حقه.
3- بطلان العمل الذي صاحبه الرياء؛ لقوله: «تركتُه وشركه».
4- تحريم الرياء؛ لأن ترك الإنسان وعمله وعدم قبوله يدل على الغضب، وما أوجب الغضب فهو محرم.
5- أن صفات الأفعال لا حصر لها؛ لأنها متعلقة بفعل الله، ولم يزل الله ولا يزال فعَّالًا. القول المفيد (2/ 129- 130).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
فتكون الدرجات أربعًا:
الأولى وهي أغلظها: ألا يكون مراده الثواب أصلًا كالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو انفرد لكان لا يصلي بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس فهذا جَرَّد قصده إلى الرياء فهو الممقوت عند الله تعالى.
وكذلك من يخرج الصدقة خوفًا من مذمة الناس وهو ولا يقصد الثواب، ولو خلا بنفسه لما أداها فهذه الدرجة العليا من الرياء.
الثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضًا ولكن قصدًا ضعيفًا بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العمل فهذا قريب مما قبله، وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفي عنه المقت والإثم.
الثالثة: أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد منهما خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة أو كان كل واحد منهما لو انفرد لاستقلَّ بحمله على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح، فنرجو أن يَسْلَم رأسًا برأس لا له ولا عليه، أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب، وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم، وقد تكلمنا عليه في كتاب الإخلاص.
الرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجِّحًا ومقويًا لنشاطه ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم عليه فالذي نظنه -والعلم عند الله- أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه يُنقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- «يقول الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح. إحياء علوم الدين (3/ 301- 302).
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: وعيد شديد على الرياء.
وفيه: دليل على أن الشرك الأكبر يحبط الأعمال كلها، ويخرج من الملة، ولا يغفره الله، ويوجب الخلود في النار، وأما الشرك الأصغر كالرياء فإنه يُحبط العمل الذي خالطه فقط، لكن الأعمال الأخرى لا تبطل، ولا يخرج صاحبه من الملة، ولا يخلد في النار، وقد اختلف في هذا على قولين:
الأول: أنه يدخل تحت الموازنة بين السيئات والحسنات، فإن رجحت السيئات عُذب به، ثم يخرج، وإن رجحت الحسنات أسقط من الحسنات ما يقابل هذا الرياء.
والثاني: أن حكمه حكم الكبائر، فهو تحت مشيئة الله. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (8/ 418).