«إذا توضَّأَ أحدُكم فَأحسَنَ وُضوءَهُ، ثم خرجَ عامدًا إلى المسجدِ، فلا يُشَبِّكَنَّ يديه؛ فإنَّه في صلاةٍ».
رواه أحمد برقم: (18103) وأبو داود برقم: (562) واللفظ له، والترمذي برقم: (386) وابن حبان برقم: (2036)، من حديث كعب بن عُجْرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (442)، صحيح أبي داود برقم: (571).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يُشَبِّكَنَّ»:
تشبيك اليد: إدخال الأصابع بعضها ببعض. النهاية، لابن الأثير (2/ 441).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
شَبَكْتُ أَصابعي بعضها في بعض فاشْتَبكت، وشَبَّكْتُها فتَشَبَّكَتْ على التَّكْثِيرِ. والشَّبْكُ: الخَلط وَالتَّدَاخل، ومنه تَشْبِيكُ الأصابع. لسان العرب (10/ 446).
شرح الحديث
قوله: «إذا توضأَ أحدُكم فأحْسَنَ وُضوءَهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا توضأ أحدكم فأحسن الوُضوء» بضم واوه؛ لأن المراد الفعل، وإحسانه هو إسباغه وهو إتمامه وإكماله. التنوير (2/ 6).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
(الفاء) مَوْقِعُهُ موقع (ثُم) التي لبيان الرتبة، دلالة على أن الإجادة في الوضوء من تطويل الغُرَّة وتكرار الغسل والمسح ثلاثًا ورعاية آدابه من الاستقبال والدعاء المأثور وغيرها أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 744)
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا توضأ أحدكم فأحسن وُضوءَه» أي: بإسباغه والإتيان بسننه وآدابه، وترك مكروهاته. شرح سنن أبي داود (3/ 578).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وإذا توضأ أحدكم فأحسن وُضوءَه» بمراعاة السنن، وحضور القلب، وتصحيح النية. مرقاة المفاتيح (2/ 788).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«من توضأ فأحسن وضوءه» بإتيانه بفرائضه وسننه وفضائله وتجنُّب منهياته. شرح الموطأ (1/ 161).
قوله: «ثُم خَرجَ عامِدًا إلى المسجدِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ثم خرج عامدًا إلى المسجد» لا يريد إلا الصلاة فيه. شرح سنن أبي داود (3/ 578).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«ثم خرج عامدًا إلى الصلاة» أي: قاصدًا لها دون غيرها. شرح الموطأ(1/ 161).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم خرج» أي: من بيته «عامدًا» أي: قاصدًا «إلى المسجد» نفسه لا يكون له قصد فاسد في مأتاه، وهذه القيود لبيان الكمال، وحسن الحال. مرقاة المفاتيح (2/ 788).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثم خرج» من محله «عامدًا إلى المسجد» أي: قاصدًا لمحل الجماعة، يقال: عمد للشيء قصد له. فيض القدير (1/ 322).
قوله: «فلا يُشبِّكنَّ يديه؛ فإنَّه في صلاةٍ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلا يُشبِّكنَّ» بتشديد نون التوكيد «يديه» أي: لا يشبك بين أصابعه. شرح سنن أبي داود (3/ 578).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فلا يُشبّكنَّ» ندبًا «بين» أصابع «يديه» أي: لا يُدخل أصابع إحداهما بين أصابع الأخرى؛ «فإنه في صلاة» أي: في حكم من هو في صلاة، والتشبيك جالب للنوم، وهو مظنة للحدث؛ فلذا كُره تنزيهًا، ومفهوم الشرط ليس قيدًا معتبرًا، فلو توضأ واقتصر على الواجب تاركًا للسنن فهو مأمور بذلك، وفائدة الشرط الإيماء إلى أنه لا يأتي بما يخالف ما ابتدأ به عبادته من العبث في طريقة التشبيك، بل يُواظب على صفات الكمال. التيسير (1/ 87).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يُشَبِّكَنَّ بين أصابعه» يعني: تشبيك الأصابع لا يليق بالخشوع، فلا يجوز في الصلاة، ومَن قَصَدَ الصلاة فكأنه في الصلاة في حصول الثواب له؛ فلا يشبِّكنَّ أصابعه، وتشبيك الأصابع في غير الصلاة قد جاء عن النبي -عليه السلام-. المفاتيح (2/ 189).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
تشبيك اليد هو إدخال الأصابع بعضها في بعض والامتساك بها، وقد يفعله بعض الناس عبثًا، وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجده من التمدد (الانبساط) فيها، وربما قعد الإنسان فشبَّك بين أصابعه، واحتبى بيديه يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم؛ فيكون ذلك سببًا لانتقاض طُهْره، فقيل لمن تطهَّر وخرج متوجهًا إلى الصلاة: لا تشبِّك بين أصابعك؛ لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة، ولا يشاكل حال المصلي. معالم السنن (1/ 162).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«تشبيك الأصابع» إدخال بعضها في بعض، وهو مكروه في الصلاة؛ لأنه ينافي الخشوع، ومن قصدها (أي: الصلاة) فكأنما هو فيها في حصول الثواب. شرح المصابيح (2/ 62).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فإنه في صلاة» أي: في حكم صلاة؛ لأنَّ ما قَرُبَ إلى الشيء يأخذ حكمه. شرح أبي داود (3/ 46).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«فإنه في صلاة» يعني: ما دام متجهًا إلى الصلاة فهو في صلاة، فلا يشبِّكنَّ بين أصابعه لا في الطريق ولا في المسجد. شرح سنن أبي داود (77/ 18).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«فإنه في الصلاة» ففيه تنبيه على أنه ينبغي للعبد أنْ يكون في طريق الصلاة حاضرًا متخشعًا، كما يدل عليه الأحاديث الأخر. لمعات التنقيح (3/ 128).
قال المناوي -رحمه الله-:
«كان في صلاة» أي: حكمه حكم من هو في صلاة من جهة كونه مأمورًا بترك العبث وتحري الخشوع، ويستمر هذا «حتى» أي: إلى أن «يرجع» إلى محله، «فلا يقل هكذا» (كما في رواية) يعني: لا يشبك بين أصابعه، فالمشار إليه قول الراوي «وشبَّك» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «بين أصابعه» أي: أَدْخَلَ بعض أصابع يديه في بعض، وإطلاق القول على الفعل شائع ذائع في استعمالات أهل اللسان. التيسير (1/ 87).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«فلا يشبِّكَنَّ بين أصابعه» لعل النهي عن إدخال الأصابع بعضها في بعض لما في ذلك من الإيماء إلى ملابسته الخصومات والخوض فيها، وحين ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفتن شبَّك بين أصابعه، وقال: «اختلفوا وكانوا هكذا». الكاشف (3/ 1074).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في تشبيكه -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه في المسجد (في حديث ذي اليدين، وفيه: «وشبك بين أصابعه») دليل على أن خبر كعب بن عُجْرة في نهيه الخارج إلى الصلاة عن التشبيك إنما هو على ما قد تأولناه من الاحتباء بتشبيك الأصابع الجالب للنوم الذي ينقض عليه طُهْره، وإن كان على غير ذلك فهو مباح غير محظور، والله أعلم. أعلام الحديث (1/ 414).
وقال ابن رجب -رحمه الله- متعقبًا:
هذا في غاية البُعد؛ لأن حديث كعب فيه النهي عن التشبيك للعامد إلى المسجد، والمراد به الماشي إليه، والماشي لا يحتبي، وقد ورد مصرحًا بذلك في رواية خرجها مسلم في كتاب (العلل) له عن أبي ثمامة القماح، قال: لقيني كعب بن عُجْرة وأنا رائح إلى المسجد، مشبِّك بين أصابعي، فضرب يدي ضربة، ففرق بينهما، وقال: «نُهينا أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة»، فقلتُ: إني لستُ في صلاة، فقال: «إن الرجل إذا توضأ فأحسن وُضوءه، ثم خرج يؤمُّ المسجد فهو في صلاة»، وخرجه أبو داود بمعناه، إلا أنه لم يذكر قوله: إني لستُ في صلاة، وصرَّح برفع آخر الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأعَلَّ محمد بن يحيى الهمداني في صحيحه حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب، وقال: ذِكْر تشبيك الأصابع ووضع الخد (على ظهر كفه اليسرى) لا أعلم ذَكَرَهُ غير النضر -يعني: ابن شميل-، عن ابن عون.
وأما تشبيك الأصابع في الصلاة فمكروه، وقد خرج ابن ماجه حديث كعب بن عُجْرة المتقدم، ولفظه: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا قد شبك بين أصابعه في الصلاة، ففرَّج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه»، وخرج وكيع، عن عاصم بن محمد العمري، عن ابن المنكدر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحوه مرسلًا، وخرج أبو داود بإسناده عن نافع، أنه سُئل عن الرجل يصلي وهو مشبك أصابعه؟ فقال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم، وكرهه طاوس والنخعي، وقال النعمان بن أبي عياش: كانوا ينهون عن ذلك، وكلام ابن عمر يدل على أنه كُرِه لما فيه من مشابهة أهل الكتاب، وهو أيضًا من نوع العبث الذي تنزه عنه الصلاة، ومثله تفقيع الأصابع. فتح الباري (3/ 424 - 426).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد، وفي الصلاة، فَرُوِيَتْ آثار مرسلة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن تشبيك الأصابع في المسجد من مراسيل ابن المسيب، ومنها مسند من طرق غير ثابتة.
روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه، عن مولى لأبي سعيد (الخدري): أنه كان مع أبي سعيد وهو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخل الرسول المسجد فرأى رجلًا جالسًا وسط الناس قد شبك بين أصابعه يحدث نفسه، فأومأ إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يفطن، فالتفتَ إلى أبي سعيد فقال: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه»، وهذه الآثار معارضة لحديثي هذا الباب وهي غير مقاومة لهما في الصحة ولا مساوية، وكره إبراهيم (النخعي) تشبيك الأصابع في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر، وسالم بن عبد الله، وكانا يشبِّكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكرهما ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة. شرح صحيح البخاري (2/ 125، 126).
وقال العيني -رحمه الله-:
لكن العلماء اختلفوا في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة، وكره إبراهيم (النخعي) ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم، فكانا يشبِّكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنهم ليُنكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة، وقد رووا النهي عن ذلك في أحاديث، منها: ما أخرجه ابن حبان في صحيحه... عن كعب بن عُجْرة: أن النبي قال له: «يا كعب، إذا توضأتَ فأحسنتَ الوضوء، ثم خرجتَ إلى المسجد فلا تشبك بين أصابعك؛ فإنك في صلاة».
ومنها: ما أخرجه الحاكم في مستدركه... عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه» وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين...، فإن قلتَ: هذه الأحاديث معارضة لأحاديث الباب، قلتُ: غير مقاومة لها في الصحة، ولا مساوية. عمدة القاري (4/ 261).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في إسناده (حديث كعب بن عُجْرة) اختلافٌ، ضعَّفه بعضهم بسببه، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر بلفظ: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإن التشبيك من الشيطان، وإنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه»، وفي إسناده ضعيف ومجهول، وقال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض؛ إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس، قلتُ: هو في حديث أبي موسى وابن عمر كما قال، بخلاف حديث أبي هريرة (في قصة ذي اليدين)، وجمع الإسماعيلي بأنَّ النهي مقيَّد بما إذا كان في الصلاة، أو قاصدًا لها؛ إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي.
وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك، أما الأولان فظاهران، وأما حديث أبي هريرة (في قصة ذي اليدين) فلأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة، والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة كما قدمنا، فهي غير معارضة لحديث أبي هريرة كما قال ابن بطال. فتح الباري (1/ 566).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
قوله: وأحاديث الباب خالية عن ذلك، فيه نظر؛ لأن حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- الذي استدل به النسائي على جواز التشبيك غير خال عن ذلك؛ لأنه داخل الصلاة، اللهم إلا إذا قلنا بنسخه، كالتطبيق (بين الكفين وإدخالهما بين الفخذين)، وقيام الإمام بين الاثنين، وهو خلاف رأي النسائي، فعندي الأولى حمل النهي على فعل ذلك عبثًا، كما تقدم في قول ابن المنير، والله أعلم.
وقوله أيضًا: أحاديث النهي ضعيفة، فيه نظر؛ إذ هي بمجموعها صالحة للاحتجاج بها، فقد صححها ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي... فالأولى الجمع بينها بما ذكر آنفًا، والله أعلم، وجمع المجد ابن تيمية -رحمه الله- في المنتقى بأن فعله -صلى الله عليه وسلم- يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة؛ لكون فعله نادرًا. ذخيرة العقبى (9/ 76، 77).
وقال العيني الحنفي -رحمه الله-:
لا خلاف لأحدٍ من الأئمة الأربعة وغيرهم في كراهة فرقعة الأصابع وتشبيكها في الصلاة. البناية شرح الهداية (2/ 437).
وقال القرافي -رحمه الله-:
قد ورد النهي عن التشبيك وهو أخف منه (من الفرقعة)، وكرهه مالك في الصلاة دون المسجد، وفي أبي داود سئل نافع عن الرجل يصلي مشبكًا يده قال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم.
وفيه عنه -عليه السلام-: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وُضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبك يديه؛ فإنه في صلاة» وقال به الشافعي. الذخيرة (2/ 151).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
يُكره تفقيع الأصابع وتشبيكها في الصلاة، ويستحب لمن خرج إلى الصلاة ألا يعبث في طريقه، وألا يشبك أصابعه. المجموع (4/ 105).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
مَن تعمد فرقعة أصابعه أو تشبيكها في الصلاة بطلت صلاته؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن في الصلاة لشغلًا». المحلى بالآثار (2/ 368).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
إذا كان التشبيك لغرض صحيح جاز بخلاف العبث. الكواكب الدراري (4/ 141).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إن كان (أي: التشبيك) لمد الأصابع والاستراحة، أو لأخذ اليدين على الركبتين؛ ليتمكن من الجلوس، أو لوضع الوجه أو الرأس على الركبتين فغير مكروه، وإن كان للَّعب فمكروه. شرح المصابيح (2/ 71، 72).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وهو عجيب؛ لأن التشبيك مطلق في الصلاة، وحال القصد إليها مكروه، وأما خارج الصلاة ولو كان للعب فمباح. مرقاة المفاتيح (2/ 802).
وقال البهوتي الحنبلي -رحمه الله-:
التشبيك بين الأصابع في المسجد أشد كراهة؛ لحديث أبي سعيد أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن؛ فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه» رواه أحمد.
قال بعض العلماء: إذا كان ينتظر الصلاة، جمعًا بين الأخبار؛ فإنه ورد أنه لما انتقل -صلى الله عليه وسلم- من الصلاة التي سلَّم قبل إتمامها شبك بين أصابعه، (و) تشبيك الأصابع (في الصلاة أشد) كراهة؛ لقول كعب بن عُجْرة: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- «رأى رجلًا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه» رواه الترمذي وابن ماجه، وقال ابن عمر في الذي يصلي وهو مشبك: "تلك صلاة المغضوب عليهم". كشاف القناع (1/ 325).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: يحتمل أن يكون النهي عن ذلك كالنهي عن كفِّ الشَّعر والتثاؤب في الصلاة، وقد أخرج أحمد بإسناد جيد من حديث أبي سعيد يرفعه: «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبِّكن؛ فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في الصلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه»، وثبت في حديث ذي اليدين أنه -عليه الصلاة والسلام- شبك أصابعه في المسجد؛ وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة، أي: لغيره؛ لكون فعله نادرًا، أي: لبيان الجواز، أو لمعنى، كما في حديث الإخبار («إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن...»)، ويمكن حمله على ما قبل النهي، فإن حديث ذي اليدين قبل نسخ الكلام، مع أن تشبيكه -عليه الصلاة والسلام- إنما كان على ظنٍّ منه أنه فرغ من صلاته، والله تعالى أعلم. مرقاة المفاتيح (2/ 788).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
هو (التشبيك) منهي عنه في الصلاة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس في المسجد والمشي إليه، أو يجمع بما ذكره المصنف (المجد ابن تيمية) من أنَّ فِعْلَه -صلى الله عليه وسلم- لذلك نادرًا يرفع التحريم، ولا يرفع الكراهة، ولكن يبعد أن يفعل -صلى الله عليه وسلم- ما كان مكروهًا.
والأولى أن يقال: إن النهي عن التشبيك ورد بألفاظ خاصة بالأمَّة، وفعله -صلى الله عليه وسلم- لا يعارض قوله الخاص بهم، كما تقرر في الأصول. نيل الأوطار (2/ 388).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
قد تقدم غير مرة ردُّ هذه القاعدة التي تبنَّاها الشوكاني، في كثير من الأحاديث الفعلية إذا تعارضت مع القولية، والمسألة مختلَف فيها عند الأصوليين، والحق أن فعله -صلى الله عليه وسلم- مثل قوله، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، فالأولى في الجمع هنا أن يقال: إن أحاديث النهي محمولة على من فعل ذلك عبثًا. ذخيرة العقبى (9/ 77).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد، والذي يقتضيه الجمع بين الأحاديث الصحيحة جوازه إلا في حالة انتظاره للصلاة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد؛ كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه». سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (14/ 721).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختُلف في حكمة النهي عن التشبيك، فقيل: لكونه من الشيطان كما تقدم في رواية ابن أبي شيبة، وقيل: لأن التشبيك يجلب النوم، وهو من مظان الحدث، وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر، فكُره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- للمصلين: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». فتح الباري (1/ 567).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال (ميرك): وقوله: «فإنه في الصلاة» يدلُّ على أنّ التَّشبيك في الصلاة لا يجوز، بل هو من باب الأولى، فهو أشد كراهة، ففي سنن ابن ماجه من حديث كعب بن عجرة «أنه -عليه الصلاة والسلام- رأى رجلًا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه»، رواه أحمد والترمذي وأبو داود. مرقاة المفاتيح (2/ 788).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلّ الحديث على النهي عن التشبيك حال الصلاة، أو حال الذهاب إليها، وهذا النهي محمول على الكراهة؛ لحديث أبي هريرة المذكور (حديث: ذي اليدين) وإلى ذلك ذهبت الحنابلة وقالوا: إن الكراهة في الصلاة أشد.
وذهبت الحنفية إلى كراهة ذلك تحريمًا، وذهب ابن عباس وعطاء والنخعي ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أنه يكره في الصلاة فقط، وبه قالت المالكية والشافعية.
ودل الحديث أيضًا: على أنه يُكتب لقاصد الصلاة أَجر المصلي من حين يخرج إليها، وكذا إلى أن يعود منها، كما صرح به في رواية ابن خزيمة والحاكم عن أبي هريرة. المنهل العذب المورود (4/ 260).
وينظر فتوى الشيخ ابن عثيمين في تشبيك الأصابع بعد الصلاة وقبلها وفي أثنائها (هنا)