السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إني أريدُ أنْ أسافرَ، فأوصِني، قال: عليك بتقوى اللهِ، والتَّكبيرِ على كلِّ شَرَفٍ، فلمّا أنْ ولَّى الرجلُ، قال: ‌اللهمَّ ‌اطوِ ‌له الأرضَ، وهوِّنْ عليه السَّفرَ».


رواه أحمد، برقم: (8385) والترمذي، برقم: (3445) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (10266)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند أحمد برقم (310)، وابن ماجه برقم: (2771) «أوصيك بتقوى الله» ولم يذكر الدعاء.
وفي لفظ عند أحمد برقم: (9724): «اللَّهمَّ ازوِ له الأرضَ».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (8385): «اللهُمَّ اطْوِ لَهُ البعيدَ».
صحيح الجامع برقم: (2545 ، 4046)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1730).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَوْصِنِي»:
وصَّى: الواو والصاد والحرف المعتل: أصلٌ يدلُّ على وصلِ شيء بشيء، ووصيتُ الشيء: وصلتُه. مقاييس اللغة، لابن فارس (6/ 116).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الوصية: التقدُّم إلى الغير بما يعمل به، مقترنًا بوعظٍ. المفردات(ص: 873).

«شَرَفٍ»:
الشَّرَف من الأرض: العالي. كشف المشكل، لابن الجوزي (2/ 543).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«على كل شَرَفٍ»: بفتحتين، أي: مكان مُشْرِفٍ مرتفع. مصابيح الجامع (4/ 230).

«ازْوِ»:
الزَّيُّ: الطيُّ والجمع، ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام-: «زُويت لي الأرض مشارقها ومغاربها». جامع الأصول، لابن الأثير (4/ 285).
وقال الحربي -رحمه الله-:
سألتُ ابن الأعرابي عن قوله: «زُويت لي الأرض»، قال: قَرُب بعضها من بعض...، وقال أبو عبيدة: انزوى القوم: تدانوا. غريب الحديث (3/ 975).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إني أريدُ أنْ أُسافرَ، فأوصِني»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
لم أرَ مَن ذكر اسم هذا الرجل. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 185).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الوصيّة: هي العهد إلى الشخص بأمر هامّ، كما يوصي الرجل مثلًا على ثُلثه، أو على ولده الصغير، أو ما أشبه ذلك. شرح الأربعين النووية (ص: 181).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
كون الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- يطلبون من النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسألونه الوصية؛ فإن هذا يدلنا على حرص الصحابة على الخير، وعنايتهم بمعرفة الأحاديث، وتلقِّيهم عن النبي الكريم -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-. شرح الأربعين النووية (19/ 7).

قوله: «قال: عليكَ بتقوى اللهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: عليك بتقوى الله» وهذه كلمة كاملة في نصيحة شاملة لجميع أنواع التقوى، مِن ترك الشرك والمعصية والشبهة والزيادة على الحاجة والغفلة...، وهي مُقتبسة من قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} النساء: 131، وهي تحتاج إلى علم وعمل وإخلاص، وبحثها يطول. مرقاة المفاتيح (4/ 1691).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قال: عليك بتقوى الله» أي: الزمها، والباء زائدة في المفعول، وفيه: تنبيهٌ على أنَّ تقوى الله الحصن النافع حضرًا وسفرًا. دليل الفالحين (6/ 466).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «عليك بتقوى الله» «عليك»: اسم فعل بمعنى خذ، يقال: عليك زيدًا، وعليك به، أي: خذه، فالمعنى: الزمها، وأدِم عليها بجميع أنواعها؛ فإنها الوصية التي وصَّى الله بها عباده، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} النساء: 131. الفتوحات الربانية (5/ 121 - 122).

قوله: «أوصيك بتقوى الله»:
قال المناوي -رحمه الله-:
بأن تطيعه فلا تعْصِهِ، وتشكره فلا تكفره، والتقوى أُسُّ كل فَلَاح ونجاح في الدارين.
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أوصيك بتقوى الله تعالى» بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، وقال العلقمي: التقوى اسم جامع للحذر من جميع ما أمر الله أن يتحذر منه، فتارة يَحذر العبد تضييع الواجبات أو المندوبات فيتقيه، وتارة يحذر ارتكاب المحرمات أو المكروهات فيتقيه، وتارة يحذر أعلى الدرجات فيتقيه؛ بأن لا يشتغل بما دونها...
أي: بلزومها فإنه رأس كل شيء من أمور الدنيا والآخرة؛ إذ هي تجنُّب كل منهي وفعل كل مأمور. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 200).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أوصيك بتقوى الله» في السفر والحضر، والسرِّ والعَلَن. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 185).
وقال المناوي -رحمه الله-:
التقوى وإن قل لفظها، جامعة لحق الحق والخلق، شاملة لخير الدارين؛ إذ هي تجنُّب كل منهيّ، وفعل كل مأمور...، ومَن اتقى الله حفظه من أعدائه، ونجّاه من الشدائد، ورزقه من حيث لا يحتسب، وأصلح عمله، وغفر زَلَـلَـهُ، وتكفّل له بكِفْلَين من رحمته، وجعل له نورًا يمشي به بين يديه، وقبِله وأكرمه وأعزه، ونجّاه من النار، إلى غير ذلك. فيض القدير (3/ 75).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أما التقوى فحقيقتها: العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمره الله به إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بموعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي، وخوفًا من وعيده. الرسالة التبوكية (ص: 13).
وقال العلقمي -رحمه الله-:
التقوى: اسم جامع للحذر من جميع ما أمر الله أنْ يُحذر منه، فتارة يحذر العبد تضييع الواجبات أو المندوبات فيتقيه، وتارة يحذر ارتكاب المحرمات أو المكروهات، فيتقيه، وتارة يحذر فوات أعالي الدرجات، فيتقيه بأنْ لا يشتغل بما دونها، واتفقت الأمَّة على فضيلة التقوى، وطلبها. الكوكب المنير مخطوط لوح (274).
وقال الغزالي-رحمه الله-:
ليس في العالَم خصلة للعبد أجمع للخير وأعظم للأجر وأجل في العبودية وأعظم في القدر وأدنى بالحال وأنجع للآمال من هذه الخصلة؛ التي هي التقوى، وإلا لَمَا أوصى الله بها خواص خلقه، فهي الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقتصر دونها، قد جمع الله فيها كل نصح ودلالة وإرشاد وتأديب وتعليم فهي الجامعة لخيْرَي الدارين، الكافية لجميع المهمات، المبلِّغة إلى أعلى الدرجات. فيض القدير (3/ 74).

قوله: «والتَّكبيرِ على كلِّ شَرَفٍ»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
وَجهُ التكبيرات على الأماكن العالية: هو استحباب الذكر عند تجدُّد الأحوال والتقلب في التارات، وكان -صلى الله عليه وسلم- يراعي ذلك في الزمان والمكان؛ وذلك لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء والصعود والهبوط، وما أشبه ذلك، مما ينبغي ألا ينسى ربه عند ذلك؛ فإنه هو المتصرِّف في الأشياء بقدرته، المدبِّر لها بجميل صنعه. الميسر (2/ 567).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا (ولكنه نسب الكلام إلى الطيبي وإنما هو ناقل).
يعني: أنَّ كل زمان يذكر ما يقتضيه، وكل مكان يذكر ما يوجبه، وهذا لا ينافي أنه كان يسبِّح في الهبوط المناسب للتنزيه، ويكبِّر في العلو الملائم للكبرياء والعظمة...، وسبب اختلاف أنواعه: اختلاف الحالات وتجدُّد المقامات. مرقاة المفاتيح (4/ 1684).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «على كل شَرَف» أي: يُكبِّرون اللهَ على كل موضع عالٍ؛ تعجبًا لعظمة الله تعالى وقدرته؛ لِمَا يُشْرِفُون منها على عجائب خلق الله. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3652).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
مناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع: أنَّ الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس؛ لِمَا فيه من استشعار الكبرياء، فشُرع لمن تلبَّس به أنْ يذكر كبرياء الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، فيكبِّره؛ ليشكر له ذلك فيزيده من فضله. فتح الباري (11/ 188).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«على كل شَرَف» أي: موضع مرتفع...، الحكمة في ذلك: بأنَّ الإنسان إذا كان على مكان عالٍ يرى نفسه شيئًا، فالمناسب أنْ يقرَّ بأنَّ الله أكبر وأجل من كل شيء، وإذا هبط يرى في نفسه سفلًا فاللائق أن يقدِّس الله من كل نقص، ولا ينحصر السفر في الحج والغزو والعمرة. الكوثر الجاري(10/ 104).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والتكبير على كل شَرَف» أي: محل عالٍ، مِن أشرف فلان إلى كذا، إذا تطاول له، ورماه ببصره، ومنه قيل للشريف: شريف؛ لارتفاعه على مَن دونه. فيض القدير (3/ 74).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«والتكبير على كل شَرَف» بفتح المعجمة والراء وبالفاء: أي: كل علو ومرتفع، وسكوته في الخبر عن التسبيح عند كل انهباط، إما لكونه كان أُعلم بذلك قبل، أو لعله أراد ذكره له فعَرَضَ ما اشتغل به عن ذلك، أو ذكره وتركه الراوي نسيانًا. دليل الفالحين (6/ 466 - 467).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «والتكبير» أي: وعليك بقول: الله أكبر «في كل شَرَف» بفتح الشين المعجمة والراء والفاء آخره، أي: مكان عالٍ، ومناسبة التكبير له ظاهرة. الفتوحات الربانية (5/ 122).
وقال العلقمي -رحمه الله-:
يُستحب للمسافر كلما علا شَرَفًا أنْ يُكبِّر، فإنَّ التكبير يطرد عنه الشيطان من كل باب، ويطفئ عنه نار السفر، الذي هو قطعة من العذاب...، وكلما هبط يسبِّح. الكوكب المنير مخطوط لوح (274).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إذا علوا الثنايا كبَّروا، وإذا هبطوا سبَّحوا، فوُضِعت الصلاة على ذلك. زاد المعاد (2/ 409).
وقال العراقي -رحمه الله-:
يحتمل أنَّ سبب ذلك: إظهار ذكر الله تعالى وتوحيده ومنَّتِه على أهل دينه؛ وذلك في الأماكن العالية أظهر منه في الأماكن المنخفضة، وفي صحيح البخاري عن جابر -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا إذا صعدنا كبَّرنا، وإذا نزلنا سبَّحنا»، وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر: «وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وجيوشه إذا علوا الثنايا كبَّروا، وإذا هبطوا سبَّحوا، فوُضِعت الصلاة على ذلك».
ويحتمل أنْ يكون سبب التسبيح في الانهباط: أنَّ الانخفاض محل الضيق، والتسبيح سبب للفرج، ومنه قوله تعالى في حق يونس -عليه السلام-: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} الصافات: 143-144، وكانت مقالته -عليه السلام- في بطن الحوت: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنبياء : 87...، وقال -عليه الصلاة والسلام- للرجل الذي قال له: أوصني لما أراد سفرًا: «عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شَرَف» رواه الترمذي، ولم يخص ذلك بالرجعة من سفره. طرح التثريب (5/ 186 - 187).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
كذلك الساجد والراكع في الصلاة؛ فإنه في غاية ما يكون من الانهباط إذا وضع جبهته على الأرض، فيُنَزِّه الله عن ذلك، ويسبح الله في السجود والركوع. شرح سنن أبي داود (11/ 307 - 308).

قوله: «فلمّا أنْ ولَّى الرجلُ، قال: اللهمَّ اطوِ له الأرضَ» وفي لفظ: «اطوِ له البعيد»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فلمَّا أنْ ولّى الرجل» أي: أدبر، و«أنْ» زائدة، وفي شرح السنة والمستدرك: «فلما مضى قال» أي: دعا له بظهر الغيب؛ فإنه أقرب إلى الإجابة: «اللهم اطوِ له البُعد» بهمزة وصل، وكسر واو، أمر من الطيّ، أي: قرِّب له البُعد بطيّ الأرض. مرعاة المفاتيح (8/ 190 - 191).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم اطوِ له البُعْد(كما في رواية)» أي: قرِّبه له، وسهِّل له، والمعنى: ارفع عنه مشقة السفر؛ بتقريب المسافة البعيدة له حسًّا أو معنًى. مرقاة المفاتيح (4/ 1691).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فلما ولَّى» بتشديد اللام، أي: قَفَلَ «الرجل، قال: اللهم» أي: يا الله «اطوِ له البعيد» إمّا طيًّا حسيًّا؛ بانزواء مسافة الأرض، بانضمام بعضها إلى بعض، ومنه... حديث: «إنَّ الأرض تُطوى بالليل» أو معنويًّا؛ بأنْ يتيسر له من النشاط، وحسن الدواب ما يصل به مستريحًا سالمًا من وعثاء السفر، ويناسبه قوله: «وهوِّن عليه السفر». دليل الفالحين (6/ 467).

وفي لفظ: «اللهم ازوِ له الأرضَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌اللهم ‌ازوِ» بهمز وصل، وكسر واو من -الزي- بمعنى: القبض والجمع. الحرز الثمين (2/ 922)
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«ازوِ له» أي: اجمعها واطْوِها له، أي: قرِّب له البعيد. الفتح الرباني (5/ 59).
وقال ابن علان -رحمه الله- أيضًا:
ووقع في بعض روايات «ازوِ له الأرض» أي: قرِّب له البُعد، وسهِّل له السير، حتى لا يطول. الفتوحات الربانية (5/ 122).

قوله: «وهوِّنْ عليه السفرَ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وهوِّن عليه السفر» أي: سهِّل عليه بدفع مؤذيات السفر وحزونه عنه. دليل الفالحين (6/ 467).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهوِّن عليه السفر» أي: أمورَه ومتاعبه، وهو تعميم بعد تخصيص. مرقاة المفاتيح (4/ 1691).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«وهوِّن» أي: سهِّل «عليه السَّفر» أي: مشقته. الحرز الثمين (2/ 909).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«هوِّن» أمرٌ من التهوين؛ أي: يسِّر. البحر المحيط الثجاج (24/ 327).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
وفيها (أي: أحاديث الباب) ... استحباب دعاء الصالح للمسافر، ووصيته بالتقوى، وتوديعه.
وفيها أيضًا: استحباب تكبير المسافر «على كل شَرَف» أي: مكان مرتفع، وفيها غير ذلك، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. الفتح الرباني (5/ 61).


إبلاغ عن خطأ