«أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أَضجعتُ شاةً لأذبحها فرحمتُها؟، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: والشاةُ إن رحمتَها رحمَكَ اللهُ».
رواه أحمد برقم: (15592)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 302) واللفظ له، والحاكم برقم: (6482)، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (373)، من حديث قُرَّةَ بن إياس -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد: «أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة، وأنا أرحمها، أو قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال: والشاة إن رحمتها رحمك الله، والشاة إن رحمتها رحمك الله».
صحيح الجامع برقم: (7055)، من حديث سلسلة الصحيحة برقم: (26).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أضْجَعْتُ»:
(أضجعه) وضعَ جنبه بالأرض. الصحاح، للجوهري (3/ 1248).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
اضطجع ...: نام، وقيل: استلقى ووضع جنبه بالأرض. تاج العروس(21/ 398).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أضْجَعْتُ شَاةً لأَذبحَها، فرحمتُها؟»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
رحمة الشاة: أن يستعمل معها الآداب...كأن يحد السِّكين، وأن يسرع في الذبح، وأن لا يذبحها أمام أختها، ونحو ذلك. الفتح الرباني (17/ 152).
وقال محمود محمد الخزندار -رحمه الله-:
الرَّحمة بالمخلوقات من أسباب استحقاقِ رحمةِ الله في الآخرة. هذه أخلاقنا (ص: 465).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
تقدم الكلام على معنى الرَّحمة، وأنها على العموم تتناول رحمة الأطفال وغيرهم. فتح القريب المجيب (9/ 692).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الرَّحمة في حقنا رِقَّة وحنوٌّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مُبتلى أو صغير تحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرِّفق والسَّعي في كشف ما به، وقد جعل الله تعالى هذه الرَّحمة في الحيوان كله عاقله وغير عاقله، فيها تعطِفُ الحيوانات على نوعها وأولادها، فتحنوا عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف والكبير للصغير، حتى ينحفظ وتتم مصلحته؛ وذلك بتدبير اللطيف الخبير.
وهذه الرحمة التي جعلها في القلوب في هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها حتى يُخلِّصهم منها، ويدخلهم في جنته وكرامته. فتح القريب المجيب (9/ 689).
قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: والشَّاةُ إنْ رحمتَها رحمَكَ اللهُ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«والشاةَ» بالفتح، منصوب، وناصبه محذوف وجوبًا «إن» رحمت الشاة «رحمتها، يرحمك الله» قاله -صلى الله عليه وسلم- لقُرَّة والد معاوية المزني، لما قال: يا رسول الله، إني لآخذ الشاة لأذبحها، فأرحمها، فقاله -صلى الله عليه وسلم- إعلامًا له بأنَّ رحمة الحيوان سبب لرحمة الله لعبده: «فإنما يَرحم الرحمن من عِباده الرُّحماء». التنوير (11/ 31).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والشاة إن رحمتها رحمك الله» ...؛ ولهذا ورد النهي عن ذبح حيوان بحضرة آخر. فيض القدير (6/ 360).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قال الإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتوارى السكين عنها، ولا تظهر السكين إلا عند الذبح، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك: أن توارى الشِّفار.
وقال: ما أُبْهِمَتْ عليه البهائم فلم تُبْهَمْ أنها تعرف ربها، وتعرف أنها تموت، وقال: يروى عن ابن سابط أنه قال: إنَّ البهائم جُبِلَتْ على كل شيء إلا على أنَّها تعرف ربها، وتخاف الموت. جامع العلوم والحكم (ص: 372).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أفاد: معاملة الذبيحة حال الذبح بالشفقة والرحمة، وإحسان الذبحة، كما ورد مصرَّحًا به في عدة أخبار، وخرَّج أحمد خبر: قيل: يا رسول الله، إني أذبح الشاة، وأنا أرحمها، فقال: «إن رحمتها رحمك الله»، وخرج عبد الرزاق: أن شاة انفلتت من جزَّار حتى جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتبعها، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اصبري لأمر الله، وأنتَ يا جزَّار فسقها للموت سوقًا رفيقًا»، ومن الرفق بها، والرحمة بها: أنْ لا يذبح أخرى عندها، ولا يحد السكين وهي تنظر، فقد مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- برجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظُهُ، فقال: «أفلا قَبْل هذا؟ تريد أن تميتها موتات؟» رواه الطبراني وغيره. فيض القدير (6/ 135).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
قد أَذِنَتِ الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما يُنْتَفَعُ به من الحيوان، ولم تأذن في غير ذلك؛ ولذلك كُرِهَ صيد اللهو، وحُرِّمَ تعذيب الحيوان لغير أكله، وعد فقهاؤنا سباق الخيل رخصة للحاجة في الغزو ونحوه، ورغَّبت الشريعة في رحمة الحيوان...، أما المؤذي والمضر من الحيوان فقد أُذِنَ في قتله وطرده؛ لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم. التحرير والتنوير (17/ 169-170).
وقال محمد رشيد رضا -رحمه الله-:
الأحاديث في الرفق بالحيوان، ودفع الأذى عنه -دع ترك إيقاعه به- كثيرة في الصحاح والسنن، ومنها في الصحيحين: حديث المرأة التي عذبها الله في النار بحبس الهرة حتى ماتت، وحديث البَغِيِّ (المومس) التي غفر الله لها؛ إذ رحمت كلبًا عطشان بإخراج الماء من البئر بنعلها حتى سقته. تفسير المنار (8/ 144).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الرفق بالدواب في ركوبها، والحمل عليها واجب سُنة، فإنها عجم لا تشكو، وهي من ملك اليمين، وفي كل كبد رطبة أجر، هذا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كان في الإحسان إليها أجر، فكذلك في الإساءة إليها وزر، وقد شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جملٌ أنَّ صاحبه يُجِيْعُهُ، فأمره بالإحسان إليه، أو يبيعه، ولا يحمل على الدواب أكثر من طاقتها، ولا يضرب وجوهها، ولا تتخذ ظهورها كراسي، ولا تقلد الأجراس إلا أنْ تكون بدار الحرب تهيُّبًا للعدون، ولا تُستعمل ليلًا إلا أنْ يروح عنها نهارًا، ولا يحل حبس بهيمة مربوطة عن السرج، والتحريش بين البهائم مكروه. الكافي (2/ 1143).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فوصفه تعالى بها (أي: بالرحمة) مجاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فعل لا صفة ذات. فتح الباري (8/ 155).
وقال الشيخ البراك -نفع الله بعلمه- مُتعقبًا:
مضمون هذا: نفي حقيقة الرحمة عن الله تعالى، وحمل ما ورد في ذلك على المجاز، وتفسير الرحمة من الله -عزَّ وجلَّ- إما بإرادة الإنعام، أو بالإنعام، وهذا جمع بين التعطيل والتحريف، وهو سبيل الجهمية ومن تبعهم.
والصواب: أن الله -عزَّ وجلَّ- موصوف بالرحمة حقيقة، كما دلَّ على ذلك إسماه تعالى: الرحمن الرحيم.
والقول في الرحمة في حقِّه تعالى كالقول في سائر صفاته، من علمه وسمعه وبصره، تُثْبت له على ما يليق به سبحانه، من غير تكييف ولا تمثيل.
وتفسير الرحمة بالرِّقة يناسب رحمة المخلوق، ورحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالواجب اتباع سبيلهم، فإنه سبيل المؤمنين. التعليقات على فتح الباري (8/ 155).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله، دل عليها اسم الرحيم، وليست إرادة الإحسان، ولا الإحسان نفسه، وإنَّما إرادة الإحسان، والإحسان نفسه من آثار هذه الرحمة. مجموع الفتاوى(5/ 154).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الرحمة التامّة للَّه لا لغيره، وقرّر بعض الْمُتكلّمين هذا المعنى بأن قال: كلُّ من رحِم أحدًا، فرحمتهُ له بسبب ما حصل له من الرِّقّة عليه، وهو برحمته دافعٌ لألم الرِّقّة عن نفسه، بخلاف رحمة اللَّه تعالى، فإنها لمجرّد إيصال النفع إلى العبد. البحر المحيط الثجاج (9/ 358).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)