الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«إذا سجدتَ ‌فَضَعْ ‌كفَّيكَ، وارفعْ مِرْفَقَيكَ».


رواه مسلم برقم: (494)، من حديث البراء -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌كفَّيكَ»:
(مُثنَّى) كفٍّ، والكفُّ: اليد، أو إلى الكوع، والجمع: أَكُفّ وكُفُوفٌ وكُف، بالضم. القاموس المحيط، للفيروز أبادي (ص: 849).
قال البركتي -رحمه الله-: ‌‌
الكَفّ: اليدُ مطلقًا، أو إلى الكوع، أو هي الراحة مع الأصابع. التعريفات الفقهية (ص: 182).

«‌مِرْفَقَيكَ»:
(مثنى) مرفق، وهو مجتمع رأس العضد الذي يلي الذراع، وطرف الذراع. غريب الحديث، للحربي (2/ 354).
قال ابن دريد -رحمه الله-:
المرفق من الإنسان والدابة: موصل الذراع في العضد. جمهرة اللغة (2/ 784).


شرح الحديث


قوله: «إذا سجدتَ ‌فَضَعْ ‌كفَّيكَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا سجدت» أي: أردت السجود «فضع» أي: على الأرض «كفَّيْك» أي: مضمومَتَيِ الأصابع، مكشوفتين حِيَال الأذنين، وقيل: حذاء المنكبين -على اختلاف الروايات- معتمدًا عليهما، كما كان يفعله -عليه السلام-، ولا يجب كشفُهما؛ لخبر ابن ماجه: «أنه -عليه السلام- صلى في مسجد بني الأشهل، وعليه كساء مُلتحفٌ به، يضع يديه عليه تَقيه الحصى» (ضعفه الألباني والأنؤوط) نعم يُكْرَهُ ستر ذلك. مرقاة المفاتيح (2/ 719).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «وضع كفيك» للندب. الأزهار، مخطوط، لوح (148).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
مسألة: ووضع اليدين والركبتين فرض في السجود كوضع الجبهة، على أحد القولين.
وقال أبو حنيفة: ليس بفرض، ودليلنا ما أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري ...، عن ابن عباس قال: «أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسجد منه على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته، ونهى أن يكف منها الشعر والثياب» أخرجه مسلم...
عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك» أخرجه مسلم... عن ابن عمر رفعه، قال: «إن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما».
ودليل القول الثاني: ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ... عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد قال: «اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، وعليك توكلتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين» أخرجه مسلم...
اقتصاره على ذكر الوجه في قوله: «سجد وجهي» لا يدل على أن وضع اليدين والركبتين ليس من شرائط السجود؛ لأن بعض الشيء يذكر والمراد به: جملته، وبيانه فيما روينا -والله أعلم-. الخلافيات (3/ 179-181).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ناصر الدين ابن المنير في الحاشية: الحكمة فيه: أن ‌يظهر ‌كل ‌عضو ‌بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن المقصود هناك: إظهار الاتحاد بين المصلين حتى كأنهم جسد واحد. فتح الباري (2/ 294).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
والكمال في السجود: أن يضع جميع بطن كفِّه وأصابعه على الأرض، ويرفع مرفقيه ...، فإن اقتصر على أطراف أصابع يديه، فظاهر الخبر أنه يجزئه؛ لأنه قد سجد على يديه. الشرح الكبير (1/ 560).
وقال البهوتي الحنبلي -رحمه الله-:
يُستحب مباشرة المصلي بباطن كفيه بأن لا يكون عليهما حائل متصل به، وضم أصابعهما موجهة نحو القبلة، غير مقبوضة، رافعًا مرفقيه؛ لما روى البراء بن عازب قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا ‌سجدت ‌فضع ‌كفيك، وارفع مرفقيك». كشاف القناع (2/ 344).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله في حديث البراء: «وضع كفيك» هو بيان لقوله في روايته الأولى: «فوضع يديه، ورفع مرفقيه؛ لئلا يفترش ساعديه افتراش السبع». التحبير (5/ 348).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «ضع كفيك» لم يبيِّن كيف يكون الوضع؟ هل يضع الكفين مُفَرَّجة بين الأصابع أو مضمومة الأصابع؟
الجواب: يضعها مضمومة الأصابع، وهل يضعها مستقبلة القبلة أو منحرفة يمينًا أو شمالًا، نقول: يضعها مستقبلة القبلة حتى مع المجافاة، الأفضل أن تبقى مُتَّجِهة إلى القبلة، خلافًا لما يفعله بعض الناس إذا جافى جعل الأصابع مُحَرَّفة عن القبلة، وهذا غلط؛ بل تبقى اليدان مُتَّجِهَةً إلى القبلة مضمومة، وأين يكون مكانها؛ هل هي على حذاء المنكبين، أو على حذاء الأذنين، أو على حذاء الجبهة؟
الجواب: كل هذا وارد؛ إن شئت فقدِّم حتى تسجد بين الكفين، وإن شئت فأَخِّرْ حتى تسجد إلى شحمة الأذنين، وإن شئت تأخرت (حتى) تحاذي المنكبين، الأمر واسع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 120-121).

قوله: «وارفعْ مِرْفقيكَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وارفع» أي: من الأرض، أو من جنبيك «مرفقيك» بكسر الميم وفتح الفاء ويُعْكَسُ. مرقاة المفاتيح (2/ 719).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وارفع مرفقيك» عنها، وهذا بيان الاعتدال المأمور به آنفًا، والأمر ظاهر في الوجوب. التنوير (2/ 90).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المراد بهذا: ألا يضع ذراعه على الأرض. كشف المشكل (2/ 260).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وارفع مرفقيك» يعني: عن الأرض، وليس فيه التفريج، لكن أضف هذا إلى حديث التفريج؛ يكون ارتفاعًا مع التفريج، فصار الساجد يضع الكفين، ويرفع المرفقين، ويُفرِّج بين اليدين والجنبين، هذا هو الأصل، ولكن لو أنه لم يفعل هل يكفي أو لا يكفي؟ يكفي؛ لأن هذا من باب الأفضلية. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 120-121).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأنه أشبه بالتواضع، وأبعد من هيئة الكسالى، وهذا مندوب للرجال. فيض القدير (1/ 373).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الأصل: أنْ يثبت في حق المرأة من أحكام الصلاة ما ثبت للرجال؛ لأن الخطاب يشملها، غير أنها خالفته في ترك التجافي؛ لأنها عورة، فاستحب لها جمع نفسها؛ ليكون أستر لها، فإنه لا يؤمن أنْ يبدو منها شيء حال التجافي؛ وذلك في الافتراش، قال أحمد: والسدل أعجب إِلَيَّ، واختاره الخلال، قال علي -رضي الله عنه-: إذا صلَّت المرأة فلتحتفز فخذيها، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنه كان يأمر النساء أنْ يتربَّعْنَ في الصلاة. المغني (1/ 635).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا كله حكم الرجال، فأما النساء فحكمهنّ عند مالك حكم الرجال، إلا أنه يستحب لهنَّ الانضمام والاجتماع، وخيَّرهنَّ الكوفي (أبو حنيفة) في الانفراج والانضمام، وذهبَ بعضُ السلفِ إلى أنَّ سنَّتهنَّ التَّربُّع، وحكم الفرائض والنوافل في هذا سواء. المفهم (2/ 96-98).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
السُّنَّة أن يرفع مرفقيه؛ سواء الرجل أو المرأة، يرفع ذراعيه عن الأرض، ويعتمد على كفَّيه حال السجود، هذه السُّنة. فتاوى نور على الدرب (9/ 240).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والحديث دليل على وجوب هذه الهيئة للأمر بها، وحمله العلماء على الاستحباب. مرعاة المفاتيح (3/ 208).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- أيضًا:
ففيه دليل على جواز ترك كشف اليدين، لكن الأولى والمستحب كشفهما؛ ليخرج من الخلاف، ويأخذ بالعزيمة. مرعاة المفاتيح (3/ 208).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الحكمة فيه: أنه إذا جنح كان اعتماده على يديه، فخفَّ اعتماده حينئذٍ عن وجهه، ولم يتأذَّ بما يلاقيه من الأرض، ولا أثّر في جبهته وأنفه، وكان أشبه بهيئات الصلاة، واستعمال كل عضو فيها بأدبه، بخلاف بسط ذراعيه، وضم عضديه لجنبيه؛ إذ هي صفات الكاسل والمتراخي المتهاون بحاله، مع ما فيها من التشبيه بالسباع والكلاب. إكمال المعلم (2/ 407).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وكان إذا سجد مكَّن جبهته وأنفه من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، وجافى بهما حتى يرى بياض إبطيه، ولو شاءت بَهْمَة وهي -الشاة الصغيرة- أن تمرَّ تحتهما لَمَرَّت، وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه، وفي صحيح مسلم عن البراء: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا ‌سجدت ‌فضع ‌كفيك، وارفع مرفقيك»، وكان يعتدل في سجوده، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. زاد المعاد (1/ 266).
وقال النووي -رحمه الله-:
مقصود أحاديث الباب: أنه ينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عن الأرض، وعن جنبيه رفعًا بليغًا، بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورًا، وهذا أدب متَّفق على استحبابه، فلو تركه كان مسيئًا مرتكبًا لنهي التنزيه، وصلاته صحيحة -والله أعلم-.
قال العلماء: والحكمة في هذا: أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المتبسط كشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقِلة الاعتناء بها، والإقبال عليها -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (4/ 209).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
استحباب هذه الهيئة في السجود. فقه الإسلام (1/ 257).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ