«كنتُ أضرب غلامًا لي، فسمعت مِن خلفي صوتًا: اِعلمْ، أبا مسعود، لَلهُ أقْدرُ عليك مِنك عليه؛ فالتفتُّ فإذا هو رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلتُ: يا رسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله، فقال: أَمَا لو لم تفعل للفَحتك النَّار» أو «لمسَّتك النَّار».
رواه مسلم برقم: (1659)، من حديث أبي مسعود -رضي الله عنه-، وفي لفظ له: «فلم أَفهم الصوت من الغضب، قال: فلمَّا دَنا مِنِّي، إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يقول: «اعلم، أبا مسعود، اعلم، أبا مسعود»، قال: فألقيت السُّوط من يدي...».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لَلَفَحَتْكَ»:
اللام والفاء والحاء كلمة واحدة، يُقال: لفحَته النَّار بحرِّها، والسَّموم إذا أصابه حرُّها فتغير وجهه. مقاييس اللغة، لابن فارس (5/ 259).
قال أبو عبيد الهرري -رحمه الله-:
اللفح: أعظم تأثيرًا من النَّفح. الغريبين(5/ 1695).
«لمَسَّتكَ»:
أي: أصابتك. مرقاة المفاتيح، للقاري (6/ 2196).
وقال ابن القطاع -رحمه الله-:
مسَّ الشيء بالشيء: إصطك به. كتاب الأفعال (3/ 316).
وقال أحمد مختار -رحمه الله-:
مسه المرض وغيره: أصابه. معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 2097).
وقال محمد حسن -رحمه الله-:
ورد المسُّ بمعنى: إيقاع الضُرّ ونحوه، كالعذاب، والنّفحة منه، والنار، والسُّوء، والشر، والضر. المعجم الاشتقاقي (4/ 2071).
شرح الحديث
قوله: «كنتُ أضربُ غلامًا لي»، وفي رواية أخرى لمسلم: «بالسوط»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«كنتُ أضربُ غلامًا لي» أي: مملوكًا لي. عون المعبود (14/ 46).
وقال ابن العجمي -رحمه الله-:
قوله: «كنتُ أضربُ غلامًا لي بالسوط» غلام أبي مسعود لا أعرفه. تنبيه المعلم (ص: 281).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«كنتُ أضربُ غلامًا لي بالسوط» الظاهر: أنَّه كان يضربه بالطريق. فتح المنعم (6/ 496).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بالسَّوْطِ» بفتح، فسكون هو الذي يُضرب به، جمعه: أسواط، وسِياطٌ، مثل ثوب وأثواب، وثياب. البحر المحيط الثجاج (29/ 25).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: النهي عن الضرب بالسوط للغلام وغيره. شرح سنن أبي داود (19/ 454).
قوله: «فسمعتُ صوتًا من خلفي»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فسمعت صوتًا من خلفي» أي: صوت إنسان من ورائي. البحر المحيط الثجاج (29/ 25).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فسمعتُ من خلفي صوتًا» أي: كلامًا. مرقاة المفاتيح (6/ 2196).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فسمعتُ صوتًا» أي: صوت منادٍ يناديني «مِن خلفي» ومن ورائي. الكوكب الوهاج (18/ 260).
وفي لفظ لمسلم: «فلم أفهم الصَّوت من الغضب»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
في بقية الرواية: «فلم أفهم الصوت من الغضب» أي: لم أنْتَبِهْ إلى ألفاظه، ولا إلى مصدره، بسبب ما كان يشغلني من الغضب. فتح المنعم (6/ 496).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فلم أفهم الصوت» أي: ما اشتمل عليه من الكلام، و(مِنْ) في قوله: «من الغضب» تعليلية، كـ: هي (أي: مِن) في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} نوح: 25. دليل الفالحين (8/ 443).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلم أفهم الصوت من الغضب» أي: لأجل شدّة غضبي على العبد. البحر المحيط الثجاج (29/ 25).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلم أفهم الصوت» أي: صاحب الصوت «من» شدة «الغضب» أي: من شدة غضبي على الغلام. الكوكب الوهاج (18/ 260).
قوله: «فالتفتُّ، فإذا هو رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»، وفي رواية: «فلمَّا دَنَا منِّي إذا هو رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فالتفتُّ» أي: نظرتُ إلى خلفي، «فإذا هو» أي: مَنْ خلفي الذي سمعتُ صوته مِنْ خلفي. مرقاة المفاتيح (6/ 2196).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فالتفتُّ» بتشديد التاء الأخيرة لإدغام تاء لام الكلمة في تاء المتكلم، أي: التفتُّ إلى ورائي؛ «فإذا» الفاء: عاطفة، وإذا: فجائية، «هو» أي: صاحب الصوت، «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: فالتفتُّ، ففاجأني رؤية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الكوكب الوهاج (18/ 262).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فلما دنا» أي: قَرُبَ «مني إذا» فجائية «هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». دليل الفالحين (8/ 443).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: المبادرة بالنهي بارتفاع الصوت قبل أنْ يصل إلى مجلس التخاطب، وكذا المبادرة بالنهي من خلفه قبل أنْ يستقبله. شرح سنن أبي داود (19/ 452).
قوله: «فقال: اِعلمْ أبا مسعود، لَلَّهُ أقدر عليك منك عليه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اِعلَم» بهمزة وصل، وفتح اللام «أبا مسعود» منادى حُذِف حرف النداء منه. شرح سنن أبي داود (19/ 452).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«اعلم» بصيغة الأمر «أبا مسعود» بحذف حرف النداء، اختصارًا. دليل الفالحين (8/ 443).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«اعلم أبا مسعود» أتى به للتنبيه على ما بعده. دليل الفالحين (8/ 443).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «اعلم أبا مسعود» ثلاث مرَّات أو أكثر؛ ليوقفه عن الضرب، يناديه: يا أبا مسعود، يا أبا مسعود، يا أبا مسعود؛ لينتبه إلى المنادى، ويترك ما هو فيه؛ ولذلك لم يذكر ما يريد أنْ يُعْلِمَهُ به، إلا بعد أنْ توقَّف وانتبه. فتح المنعم (6/ 496).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإذا هو يقولُ: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود» كرَّره للتأكيد عليه. البحر المحيط الثجاج (29/ 25).
وفي رواية لمسلم: «قال: فأَلْقَيْتُ السَّوطَ مِن يدِي»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فألقيتُ السوط من يدي» في ملحق الرواية: «فسقط من يدي السوط، من هيبته» أي: ألقى السوط دون شعور كامل، ودون إرادة كاملة، فأشبه السقوط دون إرادة. فتح المنعم (6/ 496).
وفي رواية لمسلم: «فجعل يقول: أعوذ بالله، قال: فجعل يضربه، فقال: أعوذ برسول الله، فتركه»:
قال النووي -رحمه الله-:
«فقال: أعوذ برسول الله، فتركه» قال العلماء: لعله لم يسمع استعاذته الأولى؛ لشدَّةِ غضبه، كما لم يسمع نداء النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يكون لما استعاذ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنبَّهَ لمكانه. شرح صحيح مسلم (11/ 131).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أعوذ باللَّه...، أعوذ برسول اللَّه» أي: ألجأ إلى اللَّه أنْ يحميني من ضربك، والظاهر: أنَّ الغلام لما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلف أبي مسعود، قال: ألجأ إلى رسول الله أنْ يحميني. فتح المنعم (6/ 497).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «أعوذ برسول الله» كأنَّ الغلام رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أنْ يراه أبو مسعود، فلما استعاذ به تنبَّهَ له أبو مسعود، فرآه وسمع ما قال، فسقط السوط من يده وترك الضرب.
ومعناه: أنَّ استعاذته به -صلى الله عليه وسلم- كانت فيما يقدر عليه الإنسان، ويسمع ويعيذ، ولم تكن فيما يختص بالله تعالى. منة المنعم (3/ 112-113).
قوله: «لَلَّهُ أقدر عليك منك عليه»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «لَلَّهُ» بلام التأكيد، وفي بعض نسخ المصابيح: «الله» والأول مذكور في الصحاح. الأزهار، مخطوط، لوح (317).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لَلَّهُ أقدرُ» علَّق عمل «اعْلَمْ» باللام الابتدائية، و«الله» مبتدأ، و«أقدرُ» خبره، و«عليك» صلة «أقدر»، و«منك» أي: من قدرتك. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2381).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«لَلَّهُ أقدرُ عليكَ منكَ عليه» يعني: قدرةُ الله سبحانه عليك أتمُّ وأبلغُ من قدرتك على عبدك. المفاتيح (4/ 142).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«لَلَّهُ أقدرُ عليكَ منكَ عليه» أي: أقدر عليك بالعقوبة من قدرتك على ضربه، ولكن يحلم إذا غضب، وأنت لا تقدر على الحلم والعفو عنه إذا غضبت. السراج المنير (1/ 246).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«لَلَّهُ أقدر عليك منكَ على هذا الغلام» تذكير بليغ، وعبرة وموعظة رادعة، وتهديد زاجر. حدائق الأولياء (1/ 431).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لَلهُ تعالى أقدر عليك منكَ على هذا الغلام» أي: فاحذر انتقامه، ولا يحملك قدرتك على ذلك المملوك أنْ تتعدَّى فيما منع الله منه، من ضربه عدوانًا. دليل الفالحين (8/ 443).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ الله أقدر عليك منك» مشير إلى أنَّه كما أنك تحب عفو الله عنك فاعف عنه؛ لأنك إذا علمت أنَّ الله تعالى أقدر عليك، مع أنك عنه لا تخلو عن ذنب، قدرت على خادمك، وهو ذو ذنب، فاعف عنه، يعف عنك، وإخباره -صلى الله عليه وسلم- بأنَّ الله أقدر عليه منه، ليس لإفادة الحكم، ولا لازمه، بل لتنزيله منزلة من لا يعلم ذلك؛ لِجَرْيِهِ على خلاف موجب العلم؛ إذ موجبه العفو، وإقالة العثرة والاحتمال على هذا الغلام. التنوير (2/ 510).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فقوله: «لله أقدر عليك منك على هذا» دليل على أنَّ القدرة تتعلَّق بالأعيان المنفصلة: قدرة الرب، وقدرة العبد، ومن الناس من يقول: كلاهما يتعلَّق بالفعل كالكرامية، ومنهم من يقول: قدرة الرب تتعلَّق بالمنفصل، وأما قدرة العبد فلا تتعلَّق إلا بفعل في محلها كالأشعرية، والنصوص تدل على أنَّ كلا القُدرتين تتعلَّق بالمتصل والمنفصل، فإنَّ الله تعالى أخبر أنَّ العبد يقدر على أفعاله، كقوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن: 16، وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} النساء: 25، فدلَّ على أنَّ مِنَّا من يستطيع ذلك، ومنا من لم يستطع. مجموع الفتاوى (6/ 238).
قوله: «فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هو حرٌّ لوجِهِ اللهِ»، وفي رواية لمسلم: «قال: فقلتُ: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«هو حرٌّ لوجه الله» أي: لابتغاء مَرضاته. مرقاة المفاتيح (6/ 2196).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقلتُ: يا رسول الله، هو» أي: هذا العبد المضروب «حُرٌّ» أي: مُحَرَّر معتَق لوجه الله تعالى، أي: لذاته طلبًا لرضائه. الكوكب الوهاج (18/ 262).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «لا أضرب مملوكًا بعده» أي: بعد هذا القول الذي سمعته. دليل الفالحين (8/ 443).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أنَّ مَن وقعت منه سيئة من جهة شيء، فليتصدَّق به، ويخرج عنه للَّه تعالى، كمَن صلى فرأى في صلاته بستانًا، فالتهى به عن الخشوع في الصلاة، فيخرج عنه ويتصدق به، وكذلك من شَغله شيء حتى خرجت الصلاة، فليتصدق به.
وفيه: مراعاة قلب المعلم، والتقرُّب إليه بما يدخل السرور عليه. شرح سنن أبي داود (19/ 453).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أعتق العبد، وهذا من حسن فهمه -رضي الله عنه-؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114، فبدلًا من أنه أساء إلى هذا العبد، أحسن إليه بالعتق؛ لهذا أرشد النبي إلى هذا: بأنَّ مَن ضرب عبده أو لطمه، فإن كفارة ذلك أن يعتقه؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. شرح رياض الصالحين (6/ 297).
قوله: «فقال: أما لو لم تفعل للفحتْك النَّار، أو لمسَّتك النار»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال أما» بتخفيف الميم «لو لم تفعل» فيه إطلاق الفعل على الفاعل، «للفحتك النار» بتخفيف الفاء، وبالحاء المهملة، أي: أحرقتك، «أو» شكّ من الراوي، «لَمَسَّتْكَ النار» ويلزم من مسها الإِحراق. دليل الفالحين (8/ 443).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «لو لم تفعل» ذلك التحرير، كفارة لضربك؛ «للفحتك النار» أي: أحرقتك، «أو لَمَسَّتْكَ النار» شك من الراوي. شرح المصابيح (4/ 68).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أما واللَّه لو لم تفعل للفعتك النار» أي: شملتك من نواحيك، كما تلفع الرجل بالثوب إذا التحف به، حتى جلل جميع جسده، ولفظ مسلم: «للفحتك النار» أي: مستك، والعين تُبَدَّلَ من الحاء؛ لقرب مخرجهما، «أو»، قال الراوي: «لَمَسَّتْكَ النار» يعني: يوم القيامة. شرح سنن أبي داود (19/ 453).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«لو لم تفعل للفحتك النار» ليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بعتقه، لكنه رأى أنه قد زاد في قدر أدبه بما استوجب عقوبة الله. إكمال المعلم (5/ 430).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: لو لم تعتقه، وتكفِّر بالعتق عن ضربه لَعُوْقِبْتَ بالنار يوم القيامة، و«أما» بتخفيف الميم حرف استفتاح، مثل (ألا) تفيد تأكيد الجملة بعدها. فتح المنعم (6/ 497).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لَمَسَّتْكَ النار» أي: أصابتك إنْ ضربته ظلمًا، ولم يعف عنك. مرقاة المفاتيح (6/ 2196).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنَّما كانت تصيبه (النار) لأحد ثلاثة أشياء:
إما لأنه ضربه ظلمًا، أو لأنَّه زاد على مقدار التأديب، أو لأنه استعاذ بالله فلم يُعِذْهُ. كشف المشكل (2/ 205).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله لأبي مسعود: «لو لم تفعل لَلَفَحَتْكَ النار» تنبيهٌ على أنَّ الذي فعله من ضرب عبده حرام، فكأنَّه تعدَّى في أصل الضرب؛ بأنْ ضربه على ما لا يستحق، أو في صفة الضرب، فزاد على المستحق، ولا يُخْتَلَفُ: في أن تأديب العبد بالضرب، والحبس، وغيره جائز إذا وقع في محله، وعلى صفته. المفهم (4/ 349).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ودليل تعَدِّيْهِ في الجزاء: استعمال السوط في ضربه، ا. هـ، من بعض الهوامش. الكوكب الوهاج (18/ 262).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وافهم أنَّه لا فرق في الْمُعَذِّب بين بَدْري (نسبة أبي مسعود) وغيره، مُلكه وغيره، ولا في الْمُعَذَّب بين غلام وجارية، ولا في العذاب بين ضرب وغيره، وأنَّ جزاءه أنْ تلفح النار مَن لم يُعْتِقْهُ. حدائق الأولياء (1/ 431).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: الحث على الرفق بالمملوك، والوعظ والتنبيه على استعمال العفو، وكظم الغيظ، والحلم كما يحلم الله على عباده. المنهاج (11/ 130).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
(فيه) دليلٌ على أنَّه لا قصاصَ عليه في ضربه؛ إذ لم يعاقبه النبيُّ -عليه السلام-، ولا عرَّف العبد بأنَّ له طلبه، ولا يجوز سكوت النبي -عليه السلام- عن بيان ما يجب لمستحقه. عارضة الأحوذي (8/99).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والحديث حثٌّ على العفو، وإلا فضرب المملوك جائز...؛ ولذا لم ينْهَهُ -صلى الله عليه وسلم-، بل وعظه. التنوير (2/ 510).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: تحريم ضرب المملوك من غير موجب شرعي. تطريز رياض الصالحين (ص: 897).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
هذا الحديث: في الضرب بلا ذنب، ولا تعليم علمٍ ولا أدبٍ.
وفيه: إثبات قدرة العبد، كما قال أهل الحق، خلافًا للجبرية. الأزهار، مخطوط، لوح (317).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفي الحديث: هداية بليغة إلى أنَّ الرجل ينبغي له أنْ يذكر عند سَوْرة غضبه مقامه في الآخرة بين يدي ربه، ويستحضر ذلك حين يطلب من الله تعالى العفو والغفران، فمَن بذل ذلك لمن هو في قدرته، رجا حصول ذلك له من الله -سبحانه وتعالى-، ومَن لم يبذله فرجاؤه على خطر عظيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. البحر المحيط الثجاج (29/ 25).