«مَن ماتَ وعليهِ صيامٌ صامَ عنه ولِيُّهُ»
رواه البخاري برقم: (1952) ومسلم برقم: (1147)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ولِيُّهُ»:
الْوَلِيُّ ضد العدو، يقال منه: تَوَلاَّهُ، وكُل من وُلِيَ أمر واحد فهو وَلِيُّه. مختار الصحاح (ص: 740).
شرح الحديث
قوله: «مَن ماتَ وعليهِ صيامٌ صامَ عنه ولِيُّهُ»:
قال ابن حجر –رحمه الله-:
قوله: «من مات» عامٌّ في المكلفين؛ لقرينة «وعليه صيام»، وقوله: «صام عنه وليه» خبر بمعنى الأمر تقديره: فليصم عنه وليه. فتح الباري(4/ 193).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «وليُّه» الصحيح أن المراد به القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل: هو الوارث، وقيل: هو العصبة. الكواكب الدراري (9/ 122).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وقوله: «صام عنه وليُّه» هو خبر بمعنى الأمر، كقولهم: رحمك الله، وحسبك، أي: اكتفِ به، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومَن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك. وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته. شرح سنن أبي داود (10/ 470- 471).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وعليه صيام» لأن كلمة: على للإيجاب والواو فيه للحال. قوله: «صام عنه» أي: عن الميت «وليه». عمدة القاري (11/ 58).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«صام عنه وليه» ولو بغير إذنه أو أجنبي بالإذن من الميت أو من القريب بأجرة أو دونها، وهذا مذهب الشافعي القديم، وصوبه النووي. إرشاد الساري (3/ 390).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «صام عنه وليُّه» قال أبو داود: هذا في النذر، وقال: إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1602).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «صام عنه وليه» يحتمل وجهين:
أحدهما: مباشرة فعل الصيام، وقد ذهب إليه قوم من أصحاب الحديث.
والوجه الآخر: أن يكون معناه الكفارة فعبر بالصوم عنها إذ كانت بدلًا عنه، وعلى هذا قول أكثر الفقهاء. معالم السنن (4/ 61).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
قد صح هذا الحديث بالأسانيد التي ذكرتها، وهو صريح في جواز الصوم عن الميت، بعيد من التأويل.
ومذهب إمامنا الشافعي -رحمه الله- اتِّباع السنة بعد ثبوتها، وترك ما يخالفها بعد صحتها، وهذه سنة ثابتة مخرجة في المسانيد الصحيحة، لا أعلم خلافًا بين أهل العلم بالحديث في صحتها، فوجب على من سمعها اتباعها، ولا يسعه خلافها... قال الشافعي -رحمه الله-: كل ما قلت وكان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلاف قولي مما يصح فحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى، ولا تقلدوني. الخلافيات (5/ 69- 70).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلت: هذا فيمن لزمه فرض الصوم إما نذرًا وإما قضاء عن رمضان فائت، مثل أن يكون مسافرًا فيقدم وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات، أو يكون مريضًا فيبرأ ولا يقضي.
وإلى ظاهر هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق وقالا: يصوم عنه وليه، وهو قول أهل الظاهر. وتأوَّله بعض أهل العلم فقال: معناه أن يُطعم عنه وليه، فإذا فعل ذلك فكأنه قد صام عنه، وسمي الإطعام صيامًا على سبيل المجاز والاتساع إذ كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} المائدة: 95، فدل على أنهما يتناوبان.
وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد، وهو قول أصحاب الرأي وقاسوه على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها.
واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض أو السفر ثم لم يفرط في القضاء حتى مات فإنه لا شيء عليه، ولا يجب الإطعام عنه، غير قتادة فإنه قال: يطعم عنه، وقد حكي ذلك أيضًا عن طاووس. معالم السنن (2/ 122- 123).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف الفقهاء فيمن مات وعليه صيام من قضاء رمضان، أو من نذر نذره، وقد كان قادرًا على صيامه؛ فقال مالك: لا يصوم عنه وليه في الوجهين جميعًا، ولا يصوم أحد عن أحد.
قال مالك: وهذا أمر مجتمع عليه عندنا.
وتحصيل مذهبه: أن الإطعام في ذلك واجب على الميت، وغير واجب على الورثة، وإن أوصى بذلك الميت كان في ثلثه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن أمكنه القضاء فلم يفعل أَطْعَم عنه ورثته، في النذر وفي قضاء رمضان جميعًا، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وقد روي عن هؤلاء أنه إن لم يجد ما يطعم عنه صام عنه وليه، والمشهور عنهم الإطعام دون الصيام، وهو المعروف من مذهب الشافعي، وبه قال الحسن بن حي، وابن علية ألا يصوم أحد عن أحد.
والإطعام عند أبي حنيفة، والثوري، والشافعي، والأوزاعي، والحسن بن حي، وابن علية واجب في رأس ماله، أوصى به أو لم يوصِ.
وقال الليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد: يصوم عنه وليه في النذر، ويطعم عنه في قضاء رمضان مُدًا مِن حنطة عن كل يوم. والإطعام عندهم واجب في مال الميت.
وقال أبو ثور: يصوم عنه وليه في قضاء رمضان، وفي النذر جميعًا.
وحجة أبي ثور حديث عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»... لم يخص نذرًا من غير نذر.
واحتج مَن فرَّق بين النذر وقضاء رمضان: بأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس في قضاء رمضان: يُطعم عنه. وفي النذر: يُصام عنه. وهو راوي الحديث، وهو أعلم بتأويله.
واحتج من قال: لا يصام عنه في وجه من الوجوه بما قدمنا من قول ابن عباس: لا يصوم أحد عن أحد مطلقًا، وبما روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عباس: فيهما جميعًا الإطعام. وفي فتوى ابن عباس -بخلافه- ما يوهنه عند الكوفي والمدني، قالوا: لأنه لو صح عنه أو عنده لم يخالفه، وكذلك حديث عائشة سواء؛ لأنها أفتت بخلافه، روى عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم يقال لها: عمرة عن عائشة من قولها: يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام.
وقد أجمعوا ألا يصلي أحد عن أحد، والصوم في القياس مثله، فإن ادَّعوا فيه أثرًا عورضوا بما ذكرنا مِن علل الأثر في ذلك. ولا أعلمه يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير هذين الوجهين. والله أعلم. التمهيد (6/ 116- 118 ).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأجمعوا بغير خلاف أنه لا يصلي أحد عن أحد في حياته ولا موته، وأجمعوا أنه لا يصوم أحد عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في ذلك بعد موته، وقد خرج النسائي من رواية ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة»
وذكر الترمذي من رواية ابن عمر: «من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه وليه مكان كل يوم مسكينًا»، وإذا تعارضت الأحاديث رجع إلى قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} النجم : 39. إكمال المعلم (4/ 104- 105).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران:
أشهرهما: لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلًا.
والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأما الحديث الوارد: «من مات وعليه صيام أُطعم عنه» فليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يُحمل على جواز الأمرين، فإنَّ من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام وتجويز الإطعام، والولي مخيَّر بينهما.
والمراد بالولي: القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل: المراد الوارث، وقيل: العصبة، والصحيح الأول، ولو صام عنه أجنبي إن كان بإذن الولي صح، وإلا فلا في الأصح، ولا يجب على الولي الصوم عنه لكن يستحب، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وممن قال به من السلف: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور، وبه قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد في صوم النذر دون رمضان وغيره.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يُصام عن ميت لا نذر ولا غيره...، وتأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيف بل باطل، وأي ضرورة إليه؟ وأي مانع يمنع من العمل بظاهره مع تظاهر الأحاديث مع عدم المعارض لها؟ شرح صحيح مسلم (8/ 25- 26).
قال ابن القيم –رحمه الله-:
اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يُقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب الأصلي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.
الثاني: أنه يصام عنه فيهما، وهذا قول أبي ثور وأحد قولَي الشافعي.
والثالث: أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس، روى الأثرم عنه أنه سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان فليُطعَم عنه، وأما النذر فيصام»، وهذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة، وبهذا يزول الإشكال وتعليلُ حديث ابن عباس بأنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه»، فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلي، وأما النذر فيصام عنه كما صرح به ابن عباس، ولا معارضة بين فتواه وروايته، وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر، فرق بينهما، فأفتى بالإطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النذر، فأي شيء في هذا ما يوجب تعليل حديثه؟
وكذلك ما روي عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنه يطعم عنها، إنما هو في الفرض لا في النذر؛ لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارض بين رأيها وروايتها.
وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس؛ لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه، ولهذا شبهه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدَّين في حديث ابن عباس، والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر، والدَّين تدخله النيابة.
وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاةَ والشهادتين، فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامُه بحق العبودية التي خُلق لها وأُمر بها، وهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره، وهكذا من ترك الحجّ عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه، والحق أحق أن يتبع. تهذيب سنن أبي داود(2/٩٣).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وجملة ذلك: أن من مات وعليه صيام من رمضان، لم يخلُ من حالين: أحدهما، أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت، أو لعذر من مرض أو سفر، أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكى عن طاووس وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه؛ لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الإطعام عنه، كالشيخ الهِم (الهِم بالكسر: الشيخ الفاني) إذا ترك الصيام؛ لعجزه عنه.
ولنا: أنه حق لله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج. ويفارق الشيخ الهِم؛ فإنه يجوز ابتداء الوجوب عليه، بخلاف الميت.
الحال الثاني: أن يموت بعد إمكان القضاء، فالواجب أن يُطعم عنه لكل يوم مسكين. وهذا قول أكثر أهل العلم... وقال أبو ثور: يصام عنه. وهو قول الشافعي؛ لما روت عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه». متفق عليه. المغني (4/ 399).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما لم يقل مالك بالخبر لأمور:
أحدها: أنه لم يجد عملهم عليه.
وثانيها: أنه اختُلف واضطرب في إسناده.
وثالثها: أنه رواه أبو بكر البزار، وقال في آخره: «لمن شاء» وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به.
ورابعها: أنه معارَض بقوله تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام : 164، ولقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} النجم : 39.
وخامسها: أنه معارَض بما خرجه النسائي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدًّا من حنطة».
وسادسها: أنه معارِض للقياس الجلي، وهو: أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها؛ فلا تفعل عمن وجبت عليه، كالصلاة. ولا ينقض هذا بالحج؛ لأن للمال فيه مدخلًا. المفهم (3/ 209).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وهو دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن الميت، وأن النيابة تدخل في الصوم، وذهب إليه قوم وهو قول قديم للشافعي. والجديد الذي عليه الأكثرون: عدم دخول النيابة فيه؛ لأنها عبادة بدنية.
والحديث لا يقتضي التخصيص بالنذر، كما ذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل. نعم قد ورد في بعض الروايات ما يقتضي الإذن في الصوم عمن مات وعليه نذر بصوم. وليس ذلك بمقتضٍ للتخصيص بصورة النذر.
وقد تكلم الفقهاء في المعتبر في الولاية على ما ورد في لفظ الخبر، أهو مطلق القرابة، أو بشرط العصوبة، أو الإرث؟ وتوقَّف في ذلك إمام الحرمين، وقال: لا نَقْلَ عندي في ذلك. وقال غيره من الفقهاء المتأخرين: وأنت إذا فحَّصت عن نظائره، وجدت الأشبه اعتبار الإرث.
وقوله «صام عنه وليه» قيل: ليس المراد أنه يلزمه ذلك، وإنما يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب التهذيب من مصنفي الشافعية... وفي هذا بحث، وهو أن الصيغة صيغة خبر -أعني «صام»-، ويمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف إلى الأمر، ويبقى النظر في أن الوجوب متوقف على صيغة الأمر المعينة، وفي "افعل" مثلًا، أو يعمها مع ما يقوم مقامها.
وقد يؤخذ من الحديث: أنه لا يصوم عنه الأجنبي، إما لأجل التخصيص، مع مناسبة الولاية لذلك، وإما لأن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة؛ فلا تدخلها بعد الموت كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة وجب أن يقتصر فيها على ما ورد في الحديث، ويجري في الباقي على القياس.
وقد قال أصحاب الشافعي: لو أمر الولي أجنبيًا أن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة جاز، كما في الحج، فلو استقلَّ به الأجنبي ففي إجزائه وجهان: أظهرهما: المنع. وأما إلحاق غير الصوم بالصوم فإنما يكون بالقياس، وليس أخذ الحكم عنه من نص الحديث. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 23- 24).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر مع ذلك العموم راجعة إلى مسألة أصولية، وهي: أن التنصيص على بعض صور العام لا يقتضي التخصيص، وهو المختار في علم الأصول. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/ 306).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والإخبار في معنى الأمر أي: ليصم عنه وليه، والأصل فيه الوجوب إلا أنه قد ادُّعِيَ الإجماع على أنه للندب. سبل السلام (1/ 580).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه دلالة على أنه يجزئ عن الميت صيام غيره عنه، وأن ذلك هو الواجب؛ لأن «مَن» لفظ عام شامل للمكلَّفين. البدر التمام (5/ 94).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عدم اختصاص القضاء بالولي هو الأرجح عندي، كما قال أبو الطيب الطبري -رحمه الله-، وكما هو ظاهر مذهب البخاري -رحمه الله-؛ لعدم ورود نصٍّ يمنع من ذلك، ولما ذكره أبو الطيب -رحمه الله-، فتأمل، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (21/ 313- 314).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: العموم في الصوم الَّذي يصام عن الميِّت من غير تخصيص بنذر، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي الإذن في الصوم عمَّن مات وعليه نذر لصوم، وليس ذلك بمقتضٍ لتخصيص صورة النذر.
ومنها: دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن الميت، وأنّ النيابة تدخل في الصوم، سواء كان الصوم عن رمضان، أو قضاءً، أو نذرًا، أو غيره، وهو المختار الَّذي عليه المحققون من الشافعيين الجامعون بين الفقه والحديث، وهو أحد قولي الشافعي أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ولا يجب، ويصح صومه عنه، وتبرأ ذمَّة الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه؛ لعموم هذا الحديث، والأحاديث الصحيحة الثابتة فيه...
وقد صحَّ في الصيام عن الميت أحاديث، وقال الشَّافعي في المريض لا يصح من مرضه حتَّى يموت: فلا صوم عليه ولا كفارة، وقد تقدم أن من أفطر في رمضان بعذرٍ ثم اتصل عجزه، فلم يتمكن من الصوم حتى مات أنه لا صوم عليه ولا إطعام، ولا يصام عنه، والحديث الوارد: «منْ ماتَ وعليه صومٌ أُطعم عنهُ» ليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الواردة في جواز الصوم؛ بأن يُحمل على جواز الأمرين؛ فإنَّ من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام، فيثبت أن الصواب المتعيِّن تجويزهما، والولي مخير بينهما...
أما الأجنبي فلا يصوم؛ لأجل التخصيص في مناسبة الولاية لذلك، أو لأن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لكونها عبادة بدنيَّة لا تدخلها النيابة في الحياة، فلا تدخلها بعد الموت؛ كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، وجب أن تقتضي فيه على ما ورد في الحديث.
وأمَّا غيره من القرابة أو العصبة أو الولاية فيجري على القياس، لكن قال أصحاب الشافعي: لو أمر الوليُّ أجنبيًّا بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة جاز؛ كما في الحج، وهذا إنما يكون على قول للشَّافعي: إنَّه يصام عنه، أمَّا على قول المنع فلا يتجه ذلك...
ومنها: أن الأجنبي لا يصوم عن الميت، على ما تقدم تقريره وبيانه.
ومنها: أن غير الصوم لا يلحق به، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 876- 879).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
خلاصة القول في هذه المسألة: أن الأرجح قول من قال بمشروعية صوم الولي عمن مات وعليه صوم واجب؛ لظهور أدلته، كما تقدم إيضاحه، بل القول بالوجوب هو الأظهر؛ لمجيئه بصيغة الأمر، ولا صارف له، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. البحر المحيط الثجاج (21/ 322).