«الْبَسُوا من ثيابِكُم البياضَ؛ فإنها من خيرِ ثيابِكُم، وكفِّنوا فيها موتَاكُم، وإنَّ من خيرِ أكحالِكُمُ الإثْمِدَ؛ يَجلُو البصرَ ويُنبِتُ الشَّعرَ».
رواه أحمد برقم: (2219) وأبو داود برقم: (3878) والترمذي برقم: (1757) والنسائي برقم: (5113) وابن ماجه برقم: (3497)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (20154)، والترمذي برقم: (2810)، والنسائي برقم: (1896)، وابن ماجه برقم: (3567)، من حديث سمرة بن جندب –رضي الله عنه- : «الْبَسُوا البياض؛ فإنها أطهر وأطيب..».
صحيح الجامع برقم: (1236) مشكاة المصابيح برقم: (1638)، صحيح سنن النسائي برقم: (1788).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«وكفِّنوا»:
الكفن: لِبَاسُ الميت. المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده (7/ 60).
«أكحالِكُمُ»:
كُحْلٌ: الكاف والحاء واللام أصل واحد يدل على لَون من الألوان. مقاييس اللغة، ابن فارس (5/ 163).
«الإثْمِد»:
بكسر همزة وميم حَجَرٌ يُكتحل به. مجمع بحار الأنوار، الفتني (1/ 22).
«يَجلُو»:
جَلَا أي: أوضح وكشف. مختار الصحاح، الرازي (ص: 60).
شرح الحديث
قوله: «الْبَسُوا من ثيابِكُم البياضَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«البَسوا» بفتح الباء «من ثيابكم البياض» لفظ الحاكم: «خير ثيابكم البياض فَأَلْبِسُوها أحياءكم»... وروى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء يرفعه: «إن أحسن ما زرتم اللَّه به في قبوركم ومساجدكم البياض».
وقد استُدل به على أن أفضل اللبس للجمعة والعيدين ونحوهما البياض؛ لأنه أكثر الثياب تنظيفًا، ويظهر فيه أدنى دنس، بخلاف غيره؛ ولهذا قال -عليه السلام-: «نقِّنِي من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس»؛ ولذلك كان أفضل ما يُكَفَّن فيه الميت، وكُفِّن -عليه السلام- في ثلاثة أثواب بيض سحولية. شرح سنن أبي داود (15/ 596- 597).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
«من ثيابكم» التي أبيح لكم لبسها «البياض» شرح سنن أبي داود (16/ 274)
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«البسوا»... أمر ندب. «من ثيابكم» (مِن) تبعيضية، أو بيانية مقدمة، «البياض» أي: ذات البياض. مرقاة المفاتيح (3/ 1187).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«البسوا من ثيابكم البياض» أي: الثياب البيض، وفيه مبالغة تامة، كأن جعل البياض عينها فحمله عليها. دليل الفالحين (5/ 259).
قال ابن حزم -رحمه الله-:
هذا ليس فرضًا؛ لأنه قد صحَّ أنه -عليه السلام- لَبِسَ حلةٍ حمراء وشملة سوداء. المحلى (3/ 340).
قوله: «فإنها من خيرِ ثيابِكُم»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: فضيلة لبس البياض؛ فإنه أطهر من غيره؛ لما يظهر فيه من النجاسة، فإن أدنى شيء يقع عليه يظهر فيُغسل فيكون نقيًّا. شرح سنن أبي داود (16/ 274- 275).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنها» أي: الثياب البيض «من خير ثيابكم» الظاهر أن (مِن) زائدة. قال ابن حجر: لأن اللون الأبيض أفضل الألوان، وفيه أن الأبيض لا يسمى ملونًا، هذا وقد لَبِسَ -عليه الصلاة والسلام- غير الأبيض كثيرًا؛ لبيان جوازه، أو لعدم تَيَسُّره. مرقاة المفاتيح (3/ 1187).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فإنها من خير ثيابكم» لعل الإتيان بـ(مِن)؛ دفعًا لكُلفة التعب عمن لا يجد الثوب الأبيض، فأومأ إلى أن ذلك خير أيضًا؛ لما فيه من ستر العورة وسد الحاجة، وجاء تعليل الأَخْيَرِيَّة في الحديث عقبه بقوله «فإنها أطيب وأطهر» والجملة استئناف بيان تعليل للأمر قبلها. دليل الفالحين (5/ 259).
وقال عبيد الله الرحماني المباركفوري -رحمه الله-:
«فإنها» أي: الثياب البيض «من خير ثيابكم»؛ لدلالتها غالبًا على التواضع وعدم الكبر والعجب والخيلاء؛ ولكونها أطهر وأطيب. مرعاة المفاتيح (5/ 350).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الثياب البيض من أفضل الثياب، وهو لباس الملائكة الذين نصروا النبي -عليه السلام- يوم أُحُد وغيره، والرَّجُلان اللَّذان كانا يوم أُحُد عن يمين النبي وعن شماله كانا مَلَكين، والله أعلم. وكان -عليه السلام- يلبس البياض ويفضِّله، ويحضُّ على لباسه الأحياء، ويأمر بتكفين الأموات فيه. شرح صحيح البخاري (9/ 104).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقوله: «فإنها من خير ثيابكم» أي: من خير ما تلبسون...
وفيه أيضًا: قَرْنُ الحكم بعلَّته؛ لقوله: «فإنها من خير ثيابكم»، وقَرْنُ الحكم بالعلة له ثلاث فوائد:
الفائدة الأول: الإشارة إلى أن هذه الشريعة لا تأمر بشيء ولا تنهى عن شيء إلا لحكمة. هذه واحدة.
ثانيًا: زيادة طمأنينة الإنسان؛ لأن الإنسان إذا عَرَف علَّة الحكم فإنه يَطْمئن إليها أكثر.
الثالث: إمكان القياس على المعلل بما يشاركه في العلة فيقاس عليه في الحكم، ويقال: حكمهما واحد. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 529).
قوله: «وكفِّنوا فيها موتَاكُم»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وكفِّنوا فيها موتاكم» فيه أن أفضل ما يكفَّن فيه الميت من الألوان البياض. شرح سنن أبي داود (16/ 275).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكفنوا فيها موتاكم» الأمر فيه للاستحباب. قال ابن الهمام: وأحبها البياض، ولا بأس بالبُرُد والكتَّان للرجال، ويجوز للنساء الحرير، والمزعفر والمعصفر اعتبارًا للكفن باللباس في الحياة. مرقاة المفاتيح (3/ 1187).
وقال عبيد الله الرحماني المباركفوري -رحمه الله-:
«وكفنوا فيها موتاكم» عطف على «الْبَسُوا» أي: الْبَسُوهَا في حياتكم وكفنوا فيها موتاكم.
والحديث يدل على استحباب لبس البيض من الثياب وتكفين الموتى فيها. مرعاة المفاتيح (5/ 350).
وقال الباجي -رحمه الله-:
البياض أفضل ألوان الكفن؛ استنانًا بكفن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال ذلك أشهب...
وكره مالك أن يُكَفَّن رجل أو امرأة في معصفر إلا ألَّا يوجد غيره رواه عنه ابن القاسم، وروى عنه ابن زياد: لا بأس به وبالمزعفر للرجال والنساء، وجه الكراهية: أن هذه الألوان إنما هي للجمال وليس الكفن بموضع تجمُّل.
ووجه رواية علي بن أبي زياد: أن ما جاز من اللباس حال الحياة فإنه يكفَّن فيه بعد الممات كالأبيض. المنتقى شرح الموطأ (2/ 7).
قوله: «وإنَّ من خيرِ أكحالِكُمُ الإثْمِدَ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وإن من خير أكحالكم» عطف على قوله: «البسوا»، وإنما أبرز الأول في صورة الأمر اهتمامًا بشأنه، وأنه من السُّنة المندوب إليها، وأخبر عن الثاني للإيذان بأنه من خير دَأب الناس وعادتهم، وجمع بينهما لمناسبة الزينة، يتزيَّن بهما المتميزون من الصلحاء؛ ولذلك جاء في حديث جبريل -عليه السلام- «شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر». الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1386- 1387).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وإن خير أكحالكم الإثمد» بكسر الهمزة والميم، وهو حجر يُتخذ من الحجر الأسود. شرح سنن أبي داود (16/ 275).
قوله: «يَجلُو البصرَ ويُنبِتُ الشَّعرَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنه يُنبت» بضم الياء وكسر الباء «الشَّعر» بفتح العين وسكونها أي: شعر الهدب. «ويجلو البصر» أي: يزيد نوره، والأفضل عند النوم؛ اتباعًا له -عليه الصلاة والسلام-؛ ولأنه أشد تأثيرًا، وأقوى سريانًا حينئذ...
وفيه: إشعار منه أن الاكتحال ليس بمندوب... وهو مردود؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- واظب عليه، فإنه كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة في كل عين ثلاثًا، وأمر في أحاديث كثيرة: بـ«اكتحلوا»، وقد صرح أصحاب الشافعي وغيرهم: بأنه يستحب، فلا وجه لجعله في المباح الذي لا يترتب عليه ثواب، وأما قول ابن حجر: عطف على جملة: «الْبَسُوا»، وغاير مع أنَّ كلًّا مأمور به اهتمامًا بشأن الأول؛ من حيث إنه لا حظ فيه للمأمور، بخلاف الأخير فمحل نظر. مرقاة المفاتيح (3/ 1187).
وقال السندي -رحمه الله-:
«يجلو» من الجلاء أي: يزيده نورًا، «يُنْبِتُ» من الإنبات، «الشعر» بفتح الشين شعر أهداب العين. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (4/ 19).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يجلو البصر» أي: فيه حفظ صحة العين، وتقوية لنور الباصرة، وتلطيف للمادة الرديئة، «وينبت الشعر» من الإنبات، أي: شعر أهداب العين النابت على أشفارها. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (11/ 605).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والحديث يدل على مشروعية لبس البياض وتكفين الموتى به؛ كونه أطهر من غيره وأطيب، أما كونه أطيب فظاهر، وأما كونه أطهر فلأن أدنى شيء يقع عليه يَظهر فيُغسل إذا كان من جنس النجاسة، فيكون نقيًّا كما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: «ونَقِّنِي من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدَّنَس».
والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب، أما في اللباس فلِمَا ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- مِن لبس غيره وإلباس جماعة من الصحابة ثيابا غير بيض، وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض، وأما في الكفن فلِمَا ثبت عند أبي داود، قال الحافظ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعًا: «إذا توفي أحدكم فوجد شيئًا فليكفن في ثوب حِبَرَةٍ». نيل الأوطار (2/ 116).
قوله في رواية: «الْبَسُوا البياض؛ فإنها أطهر وأطيب»:
قال الملا علي القاري-رحمه الله-:
«فإنها أطهر»: أي لا دنس ولا وسخ فيها، قال الطيبي: لأن البِيْضَ أكثر تأثرًا من الثياب الملونة، فتكون أكثر غسلًا منها فتكون أطهر اهـ.
والأظهر أنها أطهر؛ لكونها حاكية عن ظهور النجاسة فيها بخلاف غيرها، ويحتمل أن يكون في الصبغ نجاسة، والأبيض بريء منها.
«وأطيب»: أي أحسن طبعًا أو شرعًا، ويمكن أن يكون تأكيدًا لما قبله، لكن التأسيس أولى من التأكيد في القول السديد، وقيل: أطيب؛ لدلالته غالبًا على التواضع، وعدم الكبر والخيلاء والعُجب وسائر الأخلاق الطيبة. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2776).
وقال السندي-رحمه الله-:
«فإنها أطهر وأطيب»؛ لأنه يلوح فيها أدنى وسخ فيُزال، بخلاف سائر الألوان والله تعالى أعلم. حاشية السندي على سنن النسائي (8/ 205).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أطهر»؛ لأنه لم تصل إليه يد الصبَّاغ، فإن الصبغ قد يكون نجسًا بتلطخه وملاقاته شيئًا نجسًا؛ فإن الثياب الكثيرة إذا أُلقيت في ظرف الصبغ يمكن أن يكون بين تلك الثياب ثوب نجس فينجس الصبغ، فالاحتياط ألا يصبغ الثوب؛ ولأن المصبوغ إذا وقعت عليه نجاسة لا تظهر مثل ظهورها إذا وقعت في ثوب أبيض، فإذا كانت النجاسة أظهر في ثوب الأبيض يغسله صاحبه فقد عُلم أن الثوب الأبيض أطهر من غيره.
قوله: «وأطيب» أي: أحسن؛ لأن الثوب الأبيض بقي على اللون الذي خلقه الله عليه، وتَرْكُ تغيير خلق الله أحسن وأحب، إلا إذا جاء نصٌّ باستحباب تغييره كخضاب المرأة يدها بالحناء وخضاب الشَّعر. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 15-16.
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ففي هذين الحديثين دليل لاستحباب التكفين في الأبيض، وهو مجمع عليه، وتكره المصبغات وغيرها من ثياب الزينة، وأما الحرير فقال أصحابنا الشافعية: يحرم تكفين الرجل فيه، ويجوز تكفين المرأة فيه مع الكراهة، وكره الإمام مالك وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا، قال ابن المنذر: ولا أحفظ خلافه. فتح القريب المجيب (9/ 106- 107).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ويستفاد من هذا الحديث: الإرشاد إلى لبس البياض، وهو عامٌّ للرجال والنساء؛ لأن قوله: «البسوا» وإن كان موجَّهًا للرجال فالأصل اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام، إلا ما قام الدليل عليه، كما أن الحكم الموجَّه إلى النساء يشمل الرجال إلا ما قام الدليل عليه...، إذن يجوز للمرأة أن تلبس البياض لكن بشرط ألا يكون تفصيله كثياب الرجال؛ لأنه إذا كان تفصيله كثياب الرجال صار تشبُّهًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- «لعن المتشبهات من النساء بالرجال»...، ولكن هل يجوز لها أن تخرج بالبياض بدون أن يكون عليه عباءة؟ يقولون: إن الأبيض في بعض البلاد لباس عادي مثل الأسود ولا يهتمون به، لكنه عندنا وخصوصًا في نجد يرون أن البياض لباس زينة، وبناء على ذلك لا يجوز للمرأة أن تلبس الأبيض ولو كان عليها عباءة، ما دام أن العباءة ليست ضافية على كل البدن؛ لأنه إذا كان لباس زينة صار من باب التبرج. فتح ذي الجلال والإكرام(2/ 529 530).