السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«ليس ‌فيما ‌دُون ‌خَمْسَةِ ‌‌أَوْسُقٍ ‌من ‌التمر ‌صدقة، ‌وليس ‌فيما ‌دُون ‌خمسِ ‌‌أَوَاقٍ ‌من ‌الوَرِق ‌صدقة، ‌وليس ‌فيما ‌دُون ‌خمس ‌ذَوْدٍ ‌من ‌الإبل ‌صدقة»


رواه البخاري برقم: (1459) واللفظ له، ومسلم (979)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ورواه مسلم أيضًا برقم: (979) بلفظ : «ليس فيما دون خمسة أَوْسَاقٍ من تمرٍ ولا حَبٍّ صدقة».  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَوْسُقٍ»:
الوسق، بالفتح: ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مِقدار الصاع والمُدِّ. النهاية في غريب الحديث(5/ 185).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الوَسَق: حِملُ البعير، كما أن الوِقْرَ: حِمْلُ البغال والحمير، وقُدِّر بستين صاعًا، مأخوذ مِن وسقتُ الشيء وسقًا: إذا جَمَعتُه وحَمَلتُه. تحفة الأبرار (1/ 461).

«أَواقٍ»:
الأُوقِيَّةُ: ‌زِنةُ ‌سَبعة ‌مثاقِيلَ ‌وزِنَةُ ‌أَربعين دِرْهَمًا. لسان العرب(15/ 404).

«الوَرِق»:
بكسر الرَّاء: الفضة، مضروبَةً كانت أو غيرها. شرح المصابيح، لابن الملك(2/ 413).
وقال الرازي-رحمه الله-:
الوَرِق الدَّراهم المضروبة وكذا الرِّقَة بالتخفيف. وفي الحديث «في الرِّقَة رُبْع العُشر» وفي الوَرِق ثلاث لغات وَرِقٌ ووِرْقٌ ووَرْقٌ مثل كَبِد وكِبْد وكَبْد ورجل وَرَّاق كثير الدَّراهم. مختار الصحاح (ص: 740)

«ذَودٍ»:
الذَّوْدُ من الإبلِ: ما بينَ الثِّنتينِ إلى التِّسعِ، وقيلَ: ما بينَ الثَّلاثِ إلى العَشْرِ، واللَّفْظَةُ مُؤَنَّثةٌ، ولا واحدَ لها من لَفْظِها كالنَّعَمِ. وقالَ أبو عُبيدٍ: الذَّوْدُ من الإناثِ دون الذُّكورِ، والحديثُ عامٌّ فيهما، لأنَّ مَن ملَكَ خَمْسًا من الإبلِ وجَبَتْ عليه فيها الزَّكاةُ، ذُكُورًا كانتْ أو إناثًا. النهاية في غريب الحديث(2/ 171)


شرح الحديث


قوله: «ليس فيما دون ‌خَمسةِ ‌أَوْسُقٍ ‌من ‌التَّمرِ ‌صدقةٌ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ليس فيما دون خمسة أوسق» بفتح الهمزة، وضم المهملة، جمع وَسْقٍ بفتح الواو، وسكون السين وهو: ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والْمُدُّ رطل وثلث بغدادي، «من التمر» وكذا كل مكيل يجب فيه الزكاة «صدقة»، و«دون» بمعنى: أقلّ لا بمعنى غير، فهو خطأ. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 262).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» الأَوْسُق: جمع وَسْقٍ بالفتح، والوَسْقُ: الحِمل؛ لأنه يوسَق ويُربط. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 61).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«ليس فيما دون خمسةِ أوسق من التمر صدقة» وإن كان في الصنف الواحد من تلك الأصناف ما يبلغ خمسة أوسق ففيه الزكاة، فإن لم يبلغ خمسة أوسق فلا زكاة فيه، وتفسير ذلك: أن يَجُذَّ الرجل من التمر خمسة أوسق وإن اختلفت أسماؤه وألوانه، فإنه يجمع بعضَه إلى بعض ثم يؤخذ من ذلك الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك فلا زكاة فيه، وكذلك الحنطة كلها السمراء والبيضاء والشعير والسُّلت (السُّلتُ: شَعيرٌ لا قِشرَ له) كل ذلك صنف واحد، فإذا حصد الرجلُ مِن ذلك كلِّه خمسةَ أوسقٍ، جمع عليه بعضَ ذلك إلى بعض ووجبت فيه الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك فلا زكاة فيه، وكذلك الزبيب كلّه -أسوده وأحمره- فإذا قطف الرجل منه خمسة أوسق، وجبت فيه الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك فلا زكاة فيه، وكذلك القُطنية (اسمٌ للحبوب التي تُطبخ) هي صنف واحد، مثل: الحنطة والتمر والزبيب وإن اختلفت أسماؤها وألوانها، والقطنية: الحمّص والعدس واللوبيا والجُلَّبان (نوع من الحبوب) وكل ما ثبت معرفته عند الناس أنه قطنية، فإذا حَصد الرجلُ من ذلك خمسة أوسق بالصاع الأول صاع النبي -صلى الله عليه وسلم، وإن كان من أصناف القطنية كلها ليس من صنف واحد من القطنية، فإنه يَجمع ذلك بعضَه إلى بعض، وعليه فيه الزكاة. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 194).
وقال الخطابي-رحمه الله-:
هذا الحديث أصلٌ في بيان مقاديرِ ما يُحتمل من الأموالِ المُواساةُ، وإيجابِ الصدقةِ فيها، وإسقاطِها عن القليلِ الذي لا يحتملها؛ لئلا يُجحِف بأربابِ الأموال، ولا يُبخس الفقراءُ حقوقَهم، وجُعِلَتْ هذه المقادير أصولًا وأنصبةً، فإذا بلغَتْها أنواعُ هذه الأموالِ وَجَبَ فيها الحَقُّ.معالم السنن (2/ 13)
وقال المظهري -رحمه الله-:
وهذا هو النصاب في النبات والتمر والزبيب، وما لم تبلغ الحبوبُ والتمر والزبيب نصابًا لا تجب فيه الزكاة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة: تجب الزكاة في القليل والكثير من الحبوب والتمر والزبيب وغيرها من النبات. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 491).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
حكمة الاقتصار على النفي: إثبات ما يمكن حصره على ما لا يمكن، نظير سؤاله عما يحل لبسه للمُحْرِم، فقال: لا يلبس كذا، قالوا: عَدَلَ عن مقتضى السؤال محصور، بخلاف ما يلبسه...
«من التمر» ذُكِرَ لأنه الأغلب عندهم، ومثله في ذلك كما أفادته روايات تأتي الزبيب، وسائر الحبوب التي تقتات في حالة الاختيار لا الاضطرار. فتح الإله (6/217).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقوله: «ومن تمر ولا حَبٍّ» الحَبُّ معروف، لكن هل هو الحب الذي يكون مطعومًا ومقتاتًا، أو كل حَبٍّ؟ في هذا خلاف، والأقرب أن المراد به: الحبُّ الذي يُقتات ويُدَّخر، فكل مَكيل مِن تمر أو حبٍّ ففيه الزكاة، ولا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، أي: ثلاثمائة صاع بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم-. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 63).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أفاد هذا الحديث وما يشبهه فائدتين ثنتين:
إحداهما: أنه ليس فيما دون هذه الحدود والنُّصب صدقة.
الثاني: أن فيها هي الصدقة واجبة، ولا خلاف في هذين إلا في الحَب، فجمهور العلماء، وأئمة الأمصار على أن الجميع سواء، وخالف أبو حنيفة وبعض السلف في الحَب، فرأى أن الزكاة في قليله وكثيره على ما تقدم له. وقال داود: كل ما يدخله الكيل فيراعى فيه الخمسة أوسق، وما عداه مما لا يوسق، ففي قليله وكثيره الزكاة. إكمال المعلم (3/ 460).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» أي: زكاة، أي: ليس في ذلك قَدْرٌ محدد مفروض شرعًا، والصدقة في الشرع وإن كانت تطلق على الزكاة الواجبة وعلى العطاء المتطوَّع به، بل شاعت عرفًا في التطوع، لكنها هنا مراد بها الزكاة المفروضة، والشرع يستعملها كثيرًا كذلك، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103، وقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} التوبة: 60. فتح المنعم (4/ 268).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
أما الأوسق فاختلف أصحاب الشافعي في أنَّ المقدار فيها تقريب أو تحديد، ومَن قال: إنه تقريب يسامِح باليسير، وظاهر الحديث: يقتضي أن النقصان لا يؤثر، والأظهر: أنَّ النقصان اليسير جدًّا الذي لا يمنع إطلاق الاسم في العُرْف، ولا يَعبأ به أهل العرب: أنه يغتفر. إحكام الأحكام (1/ 378).

قوله: «‌وليسَ ‌فيما ‌دُونَ ‌خَمْسِ ‌أَوَاقٍ ‌مِنَ ‌الوَرِقِ ‌صدقَةٌ»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«من الوَرِق» أي: الفضة، ومر أنَّ الاقتصار عليها لأنها الأغلب، وأما نصاب الذهب مثقالًا، ولا زكاة فيما دونها. فتح الإله (6/218).
وقال النووي -رحمه الله-:
«من الوَرِق» قال أهل اللغة: يقال: وَرِق ووَرْق بكسر الراء وإسكانها، والمراد به هنا الفضة كلها، مضروبها وغيره، واختلف أهل اللغة في أصله، فقيل: ‌يطلق ‌في ‌الأصل ‌على ‌جميع ‌الفضة، وقيل: هو حقيقة للمضروب دراهم، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازًا، وهذا قول كثير من أهل اللغة، وبالأول قال ابن قتيبة وغيره، وهو مذهب الفقهاء.
ولم يأتِ في الصحيح بيان نصاب الذهب، وقد جاءت فيه أحاديث بتحديد نصابه بعشرين مثقالًا، وهي ضعاف، ولكن أجمع مَن يُعتد به في الإجماع على ذلك، وكذا اتفقوا على اشتراط الحول في زكاة الماشية والذهب والفضة دون المعشرات. شرح مسلم (7/ 53).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وهذا الحديث مخصِّص لعموم: «فيما سَقَت السماءُ العُشْر» فلا تجب الزكاة فيما دون ذلك، وقد ذهب إلى هذا الجمهور. البدر التمام شرح بلوغ المرام (4/ 326).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد روي في الذهبِ وتحديدِ نصابه أحاديثُ ليست بالقوية، ولكن المسلمين أجمعوا على صحة معناها. إكمال المعلم (3/ 466).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في الفضة إذا كانت دون مائتي درهم رائجة أو نحوها لا زكاة فيها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» وقد سبق أن الأوقية أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز الشرعية، وقال مالك: إذا نقصت شيئًا يسيرًا بحيث تروج رواج الوازنة وجبت الزكاة.
ودليلنا: أنه يصدق أنها دون خمس أواق.
وفيه دليل أيضًا للشافعي وموافقيه في الدراهم المغشوشة أنه لا زكاة فيها حتى تبلغ الفضة المحضة منها مائتي درهم. شرح مسلم (7/ 53).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
استَدَل بالحديث مَن يرى أنَّ النقصان اليسير في الوزن يمنع وجوب الزكاة، وهو ظاهر الحديث، ومالك يسامح بالنقص اليسير جدًّا، الذي تروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل. إحكام الأحكام (1/ 378).

قوله: «‌وليس ‌فيما ‌دُونَ ‌خَمْسِ ‌ذَوْدٍ ‌مِنَ ‌الْإِبِلِ ‌صدقَةٌ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الذَّود من الإِبِل: ما بين الثَّلَاثة إلى العشْرة، ولا واحد له من لفظه، ولا تكون الذود إلَّا إناثًا. كشف المشكل (3/ 76).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
والمراد من «خمس ذود» خمسة من الإبل، لا خمس أذواد، وإنَّما أضاف خمسًا إلى ذود لإفادة التعريف. الميسر (2/ 419).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» معناه: وليس في الإبل صدقة حتى تبلغ خمسًا، والذود: ما بين الثلاث إلى العشر من الإناث، وقيل: ما بين الثنتين إلى التسع، وإنما أضاف الخمْس إليه، ومِن حقها أن يضاف إلى الجمع؛ لما فيه من معنى الجمعية. تحفة الأبرار (1/ 461).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأجمع أهل العلم على أن ما دون خمسِ ذودٍ من الإبل لا صدقة فيها، وأن في خمسٍ من الإبل شاة، وفي عشرٍ شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض. شرح صحيح البخاري (3/ 476).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هذا الحديث أصل في معرفة المقادير التي تجب فيها الزكاة، فمتى بلغتها تعيَّن فيها ما فرضه الله -عز وجل- على أربابها، وما نقص عنها فليس فيه حقٌّ؛ لئلا يكون إجحافًا بهم. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 34).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
خُصَّت هذه الأشياء الثلاثة بالذكر؛ لأن الأول والثالث باعتبار بلاد العرب، والثاني عام. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1487).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
(في الحديث) دليل على أنَّ وجوب الصَّدقة في كُل شيء يجري فيه الوَسق والصَّاع. عارضة الأحوذي (3/100).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
نستفيد من هذا الحديث: حكمة الشارع في عدم وجوب الزكاة في القليل؛ لأنه لو أوجب الزكاة في القليل لكان في ذلك إجحاف على الْمُلاّك، ولو جَعل الأمرَ لا حدَّ له لكان في ذلك إهدارٌ بحق أهل الزكاة، ولو جَعل الأمر موكولًا على الناس لاختلف الناس في البذل والمنع...فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 63).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
فيه التصريح: بأنَّ نصاب الْمُقتات والتمر والزبيب خمسة أوسق، ونصاب الفضة مائتا درهم خالصة، وبأنَّ أقل نصاب الإبل: خمس، فلا زكاة في أقل من ذلك. فتح الإله (6/218).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان وجوب الزكاة في الإبل، وبيان أقلّ نصاب زكاة الإبل، وهو خمس ذود...
2. ومنها: بيان أقلّ نصاب الحبوب والثمار، وهو خمسة أوسق، فما كان أقلّ من ذلك لا يجب فيه شيء، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: مالك والشافعيّ وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو المذهب الراجح، وخالف فيه أبو حنيفة، وروي عن ابن عباس وزيد بن عليّ والنخعيّ، فقالوا: تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرة، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًّا (بفتحتين أي سقته السماء من غير معالجة) العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العُشر» رواه البخاريّ، قالوا: هذا عامّ في القليل والكثير...
3. ومنها: بيان أقلّ نصاب الورِق، وهو خمسة أواق، وهي مائتا درهم. البحر المحيط الثجاج (19/ 26-27).


إبلاغ عن خطأ