الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«مَن تَطهَّرَ في بيتهِ، ثُمَّ ‌أتَى ‌مَسجدَ ‌قُبَاءَ، فصلَّى فيه صَلاةً، كانَ لهُ كأَجرِ عُمرةٍ».


رواه أحمد برقم: (15981)، والنسائي برقم: (699)، وابن ماجه برقم: (1412)، واللفظ له، من حديث سهل بن حنيف -رضي الله عنه-.
وفي رواية للترمذي برقم: (324)، وابن ماجه برقم (1411): «الصَّلاةُ في مسجدِ قُباء كعُمرةٍ»، من حديث أسيد بن حضير -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6154)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1181).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«عُمرَة»:
العُمرة: مأخوذةٌ من الاعتمار وهو الزيارة، يقال: أتانا فلانٌ مُعتمرًا، أي: زَائرًا. تهذيب اللغة، للأزهري (2/ 233).
قال البركتي -رحمه الله-:
‌‌
العُمرةُ: اسمُ من الاعتِمار، هي لغةً: الزِّيارة والقصد إلى مكانٍ عامرٍ، وشرعًا: قصدُ بيتِ الله بأفعالٍ مخصوصةٍ، وتسمَّى بالحجِّ الأصغر، وأفعالها أربعةٌ: الإحرامُ والطوافُ والسعيُ والحلقُ، وهي غير موقَّتةٍ بوقتٍ، وجمعُ العُمرة: العُمَر العُمَرات. التعريفات الفقهية(ص152).


شرح الحديث


قوله: «مَن تَطهَّرَ في بَيتِه»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «مَن تَطهَّرَ في بَيتِه» المراد بالتَّطهير: الوُضوء الشرعيّ. فتح القريب المجيب (6/ 199).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «مَن تَطهَّرَ في بَيتِه» شمل أنواع الطَّهارة حتى التَّيمم للعاجز حسًّا أو شرعًا عن استعمالِ الماء. دليل الفالحين (6/ 540).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «مَن تَطهَّرَ في بَيتِه» لعل هذا القيد لم يكن مُعتبرًا في نيل هذا الثواب، بل ذكره لمجرد التنبيه على أن الذهاب إلى المسجد ليس إلا لمَن كان قريب الدار منه، بحيث يمكن أن يتطهَّر في بيته ويصلي فيه بتلك الطهارة، كأهل المدينة وأهل قُباء، لا يحتاج إلى شدِّ الرِّحال؛ إذ ليس ذاك لغير المساجد الثلاثة. حاشية على سنن ابن ماجه (1/ 431).

قوله: «ثُمَّ أتَى مَسجدَ قُبَاءَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «ثمَّ أتى مسجدَ قُبَاءَ» بضم القاف يمد ويُقصر، يُذكَّر ويُؤنَّث، يُصرف ويُمنع، اسم موضع بقرب المدينة من عواليها من جهة الجنوب على نحو ميلين، وهي محلة بني عمرو بن عوف من الأنصار، نزل بها -صلى الله عليه وسلم- أول ما هاجر، وصلَّى فيه ثلاث ليال بمحلِّ المسجد، ثم وضع أساسه بيده الشريفة وأتم بناءه بنو عمرو بن عوف ... «ثمَّ أتى مسجدَ قُبَاءَ» أيَّ يومٍ كانَ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 431).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«مسجدَ قُباء» بضم القاف ممدودًا وقد يُقْصَر، ويذكَّر على أنه اسم موضع فيصرف، ويؤنَّث على أنه اسم بقعة، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال أو ميلان، وهو أول مسجد أسَّسه -صلى الله عليه وسلم- والمسجد المؤسَّس على التقوى في قول جماعة من السَّلف؛ منهم ابن عباس، وهو مسجد بني عمرو بن عوف، وسُمِّي باسم بئر هناك، وفي وسطه مَبرك ناقته -عليه الصلاة والسلام-، وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب، هو أول موضع ركع فيه -صلى الله عليه وسلم-. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (2/ 345).

قوله: «فصلَّى فيه صَلاةً»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «فصلَّى فيه» أي: فيُصلِّي فيه، فالفاء عاطفة، وصلَّى بمعنى: يُصلِّي. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1435).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فصلَّى فيه صلاة» واحدة نفلًا كانت أو فرضَّا. مرشد ذوي الحجا والحاجة(8/ 431).

قوله: «كانَ له كأَجرِ عُمْرةٍ»:
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «كانَ له» أي: حصلَ له من الأَجر ... والمعنى: أن هذا الفعل يُكتب لصاحبه من الأجر مثل ما يُكتب لمَن اعتمر عُمرة. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1435).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «كانَ له» من الأجرِ على صلاته «كأجر عُمرة» أي: كأجر مَن اعتمر. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 431).
وقال منصور ناصف -رحمه الله-:
«كانَ له كأجرِ عُمرة» فثوابُ صلاةٍ واحدة فيه كثوابِ عُمرةٍ مقبولةٍ. التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول (1/ 235).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال العبد الفقير: ولعل فيه إيماءً إلى أن تفاوتَ ما بين حضور المسجد النبويّ وحضور مسجد قباء، كالتَّفاوت بين الحجِّ والعمرة في الأجر، ا. هـ. الكوكب الوهاج (15/ 193).

وفي رواية: «الصَّلاةُ في مسجدِ قُباءَ كعُمرةٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «صلاةٌ في مسجدِ قُباءَ» واحدةٌ فرضًا كانت أو نفلًا، «كعُمْرَةٍ» واحدة في الأجرِ والثوابِ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 428).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الصَّلاة» (أل) فيه للجنس؛ فيشمل الفرضَ والنفلَ، أو للعهد فيختصّ بالفرض، «في مسجدِ قُباء» هو من عوالي المدينة، والأشهر: مدُّه وصرفُه وتذكيرُه، وجاء ضد هذه الثلاثة، «كعُمرة» وفي رواية ابن أبي شيبة(لابن شَبة في تاريخ المدينة) بسند صحيح: «لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين لو يعلمون ما في قباء لصرفوا إليه أكباد الإبل» وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزوره راكبًا وماشيًا، قال الحافظ الزين العراقي: فيه ندبُ زيارة مسجد قباء والصلاة فيه، ويسنُّ كونه يوم السبت؛ لحديث ابن عمر المتفق عليه بذلك، ومن حكمته: أنه كان يومَ السبت يتفرغ لنفسه، ويشتغل بقية الجمعة من أول الأحد بمصالح الأمَّة، ولا ينافي هذا خبر «لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجِد» لأن بين قباء والمدينة ثلاثةَ أميال، وما قرُب من المِصر ليس في الذهاب إليه شدُّ رحلٍ. فيض القدير (4/ 244).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قوله: «كعمرة» أي: الصلاة الواحدة يعدلُ ثوابها ثوابَ عُمرة، فتستحب زيارته والصلاة فيه، واختلف الناس في المسجد المؤسَّس على التقوى من أول يوم أَهُوَ قباء أم مسجده -عليه الصلاة والسلام-؟ على قولين شهيرين، ورجح كلًّا المرجِّحون. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 281).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كعُمرة» أي: في الأجر والثواب، وقد جاء أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يذهب إليه كل سبت راكبًا وماشيًا، وذلك كافٍ في فضله. حاشية على سنن ابن ماجه (1/ 431).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «كعُمرة» أقول: مراد الحديث: التَّناسب، أي: كما أن الحج أكبر ثوابًا من العمرة، كذلك الصلاة في المسجد النبويِّ أكبر ثوابًا من الصلاة في مسجدِ قُبا. العرف الشذي شرح سنن الترمذي (1/ 325).
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «كان له» أي: حصل له من الأجر أو كان ذلك الفعل المذكور له «عدل» أي: معادل، وهذا على رواية نصب «عدل» على أنها خبر لـ: "كان"، وعلى الوجه الأول برفعها على أن "كان" تامة، والعدل -بكسر العين وفتحها- والعديل بمعنى: المثل والمعادل، وبهما قرئ في السبع: {أو عدل ذلك صياما}. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1435-1436).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: قوله: «مَن تَطهَّرَ في بَيتِه ...» تنبيهٌ على أنه لا يشرعُ قصده بشدِّ الرِّحال، بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلحُ أن يتطهر فيه، ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجدَ مِصره دُون المساجد التي يسافرُ إليها. اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 342).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
لم يستحب عُلماء السَّلف من أهل المدينة وغيرها قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، إلا مسجد قباء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقصد مسجدًا بعينه يذهب إليه إلا هو.
وقد كان بالمدينة مساجد كثيرة، لكل قبيلة من الأنصار مسجد، لكن ليس في قصده دون أمثاله فضيلة، بخلاف مسجد قباء، فإنه أول مسجد بُني بالمدينة على الإطلاق، وقد قصدهُ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالذهاب إليه، وصح عنه أنه قال: «مَن توضأ في بيته ثم أَتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة»، ومع هذا فلا يُسافر إليه، لكن إذا كان الإنسان بالمدينة أتاه، ولا يقصد إنشاء السَّفر إليه، بل يقصد إنشاء السفر إلى المساجد الثلاثة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».
ويُستحب أيضًا زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أُحد؛ للدعاء لهم والاستغفار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد ذلك. مجموع الفتاوى(17/ 469 -470).


إبلاغ عن خطأ