السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«مَن جهَّزَ غازيًا في سبيلِ اللهِ فقد غزَا، ومَن خَلَف غازِيًا في سبيلِ اللهِ بخَير فقد غزَا».


رواه البخاري برقم: (2843)، ومسلم برقم (1895)، من حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«جهَّزَ»:
جهَّزَ: جهَّزتُ القومَ تجهيزًا، إذا تكلّفتُ لهم جَهازَهم للسَّفَر، وكذلك جَهاز العَروس والْميِّتِ، وهو ما يُحتاجُ إليه. العين، للفراهيدي (3/ 385).
وقال الحميدي -رحمه الله-:
جهَّزتُ فلَانًا لسفرٍ أَو لغزوٍ إِذا هيَّأتُ جهازَ قَصده، وما يصلح لهُ فيهِ. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص: 132).

«خَلَفَ»:
‌خَلَفَ ‌يَخلُفُ فَهُوَ خَالِفٌ، وهو مَن يبقَى بعد مَن مَضى. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص:377).


شرح الحديث


قوله: «مَن جهَّزَ غازيًا في سبيلِ اللهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «من جهَّزَ» بتشديد الهاء «غَازيًا» أي: هيَّأ أسباب سفره، «في سبيلِ اللهِ» أي: في الجهاد. مرقاة المفاتيح (6/ 2460).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
تجهيز الغازي: تحميلُه وإعدادُ ما يحتاجُ إليه في غزوهِ، ومنه: تجهيزُ العَروس، وتجهيز الميِّتِ. النهاية (1/ 321).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
جهاز الغازي: ما يحتاجُ إليه في غزوه من العدَّة والسلاح والمركوب والنفقة وغير ذلك، قليلًا كان أو كثيرًا. شرح سنن أبي داود (11/ 99).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «من جهَّزَ غازيًا» في الكلام مجاز الْمُشارفة، أي: مَن جهَّزَ مَن يريد الغزو ويشارفُه، والتَّجهيز قد يراد منه: الإعانة والمساعدة والإسهام، وقد يراد منه: تمام التَّجهيز من أوله إلى آخره، و«مَن جهَّزَ» يشمل مَن جهَّزَ غيره وقعدَ هو، ومن جهَّزَ نفسه وغزَا، ومن جهَّزَ غيره وغزَا، فالتجهيز وحده له أجر الغزو، وهو أعمُّ من أن يكون بالمال أو بالسلاح أو بالدابة، أو بها جميعًا وبغيرها مما يحتاجه الغازي، فالمقصود: مَن هيَّأ للغازي أسبابَ خروجِه المادية. المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 99).

قوله: «فقد غزَا»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فقد غزَا» أي: له أجرُ فعل الخير، وأجر الغَزو، وإن لم يلحق بجميع تضعيفِ أجر مُعطي الخير، وأجر الغازي؛ لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعالٌ أُخَر، وأعمال من البر كثيرة، ولا يلحق بها الدال الذي ليس عنده إلا مجرد النيَّة في الحسنة. إكمال المعلم (6/ 317).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «فقد غزَا» أي: حُكمًا، وحصل له ثوابُ الغُزَاة. مرقاة المفاتيح (6/ 2460).

قوله: «ومن خَلَف غازيًا في سبيلِ اللهِ بخَير» وفي لفظ: «ومن خَلَف غازيًا في أهله»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «ومن خَلَف» بفتح اللام المخففة «غازيًا» أي: قام مقامهُ بعده، وصار خَلَفًا له برعاية أموره. مرقاة المفاتيح (6/ 2460).
وقال الشيخ حمزة قاسم -رحمه الله-:
قوله: «ومن خَلَف غازيًا في سبيلِ اللهِ» أي: ناب عنه في الإنفاق على أسرته، وقضاء مصالحهم والقيام بخِدمتهم. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 97).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
معناه: أنه ساعد على غزوه؛ لكونه أراحه فيما يتعلق بأهله، وبدلًا من أن يكون مشغول البال بأهله الذين خَلَّفهم وراءه، فقد وجد مَن يكون مستعدًّا لرعايتهم والمحافظة عليهم وإيصال الخير إليهم ودفع الأذى عنهم، فيكون بذلك مشاركًا للمجاهدين في الغزو. شرح سنن أبي داود (295/ 3).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
مَن يخلف الغازي في أهله بخَير أعمُّ من أن يخلفه في حياته أو بعد مماته، وقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته كانوا يبادرون إلى زوجة الشهيد كلٌّ يطلبُها زوجة؛ ليرعاها ويرعى أولادها، مما قوَّى عزيمة المسلمين على الاستشهاد دون خشيةٍ على ذرِّيَّة ضِعاف، يضيعون بعد أبيهم، كما روى البخاري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يرعى أمَّ سليم ويجبر قلبها بكثرة زيارتها في بيتها، ويعلل ذلك بأن أخاها قد استشهد في سبيلِ اللهِ. المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 99-101).

قوله: «فقد غزَا»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فقد غزَا» أي: حصل له أجرٌ بسبب الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهاد، وسواء قليلهُ وكثيره، ولكل خالفٍ له في أهله بخَير من قضاء حاجة لهم وإنفاقٍ عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، ويختلف قدر الثواب بقلَّة ذلك وكثرته، وفي هذا الحديث: الحث على الإحسان إلى مَن فعل مصلحة للمسلمين، أو قام بأمر من مُهمَّاتهم. شرح صحيح مسلم (13/ 40).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد غزَا» ... فإنه دل على أن للقاعد مثل أجر الخارج؛ لأنه حكم له بأنه قد غزَا، وأن المجهَّزَ كأنه غزَا، والمراد به: من أعطى الخارج جهاز جهاده من النفقة وغيرها. التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 53).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن ذلك: ما جرى لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين خَلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أهله في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، أتدعُني مع النساء والصِّبيان، فقال له: «أمَا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارونَ من موسى، إلا أنه لا نبيَّ بعدي» يعني: أن أستخلفك في أهلي، كما خَلف موسى هارونُ في قومه، حينما ذهب إلى ميقات ربه. شرح رياض الصالحين (2/ 374-375).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
أي: فله مثل أجر الغازي وإن لم يغز حقيقةً، من غير أن ينقصَ من أجر الغازي شيءٌ؛ لأن المغازي لا يتأتَّى منه الغزو إلا بعد أن يُكفى ذلك العمل، فصار كأنه يباشر معه الغزو، ولكنه يُضاعف الأجر لمَن جهَّزَ من ماله ما لا يضاعف لمن دلّه أو أعانه إعانة مجردة عن بذل المال.
نعم مَن تحقَّق عجزه عن الغزو، وصدقت نيّته ينبغي أن لا يختلف أن أجرهُ يُضاعف كأجر العامل المباشر...فإن قلت: هل من جهَّزَ غازيًا على الكمال ويخلفهُ بخَير في أهله أجر غازيَينِ أو غازٍ واحد؟
أجاب ابن أبي جمرة: بأن ظاهر اللفظ يفيدُ أن له أجر غَازيين؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- جعل كل فعل مستقلًّا بنفسه غير مُرتبط بغيره. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (5/ 66).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وكذلك قوله: «مَن جهَّزَ غازيًا فقد غزَا، ومَن خَلَفه في أهلِه بخَير فقد غزَا»، وضدّ ذلك مَن صدَّ عن سبيل الله بالتثبيط عن الجهاد؛ فإنه بمنزلة المحارب لله ولرسوله؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن حالت شفاعتُه دون حدٍّ مِن حدود الله، فقد ضادَّ اللهَ في أمره». شرح عمدة الفقه (3/ 362).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
هل هذا الحديث وأمثاله قصد به مماثلة الدال على الخير لفاعله في كمية الثواب أو في أصل الثواب والأجر ثم يزيد الفاعل؟
جمهور العلماء على الأول على المماثلة في الثواب إذا خلُصت النية...؛ لأن صرف الخبر عن ظاهر المماثلة يحتاج إلى دليل.
وقال بعض العلماء: إن المماثلة في أصل الثواب أما التضعيف للحسنات إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة؛ فهي للفاعل المباشر؛ لأنه بذل المشقة بنفسه، وفرق بين من يباشر مع النية الصادقة وبين من يدل على الخير بنية صادقة دون أن يباشر.
قال بعض المحققين: إن هذه الدعوى لا تصلح هنا؛ لأن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفي المؤنة لنفسه والحفظ لأهله؛ فمن جهَّزَ غازيًا أو خَلَفه في أهله بخَير باشر مشقة بنفسه أيضًا بخلاف من دل على الخير فإن فاعله كان يمكن أن يفعله بدون دلالة الدال؛ فالقول هنا بالمماثلة في الأجر وكميته أرجح؛ فمعنى قوله: «فقد غزَا»: أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة. المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 100).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
هل المراد بالتجهيز وبالخَلَف في الأهل تمام التجهيز حتى يستقل من ألفه إلى يائه أو مجرد الإسهام والإعانة والمشاركة؟
جمهور العلماء على الأول، وأنه لا ينال مثل أجر الغازي إلا من جهَّزَه وحده تجهيزًا كاملًا؛ أما من أسهم فله أجر آخر دون هذا الأجر، وكذلك من خَلَف الغازي في أهله بخَير لا ينال هذا الأجر إلا إذا قام مستقلًّا بكفايتهم والقيام مقام الغازي فيهم، أما من خَلَف بخَير دون ذلك فله أجر آخر ليس هذا الأجر، ويؤيد الجمهور رواية ابن ماجه وابن حبان وفيها: «من جهَّزَ غازيًا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يجرح»، وذهب قليل من العلماء أن المشارك في التجهيز والْمُسْهِم فيه له مثل أجر الغازي اعتمادًا على فضل الله وكرمه وظاهر الأحاديث. المنهل الحديث في شرح الحديث (3/ 100).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال الطبري: وفيه من الفقه: أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بِرٍّ فللمُعِيْنِ عليه أجر مثل العامل، وإذا أخبر الرسول أن من جهَّزَ غازيًا فقد غزَا، فكذلك من فطَّر صائمًا أو قوَّاه على صومه، وكذلك من أعان حاجًّا أو معتمرًا بما يتقوَّى به على حجه أو عمرته حتى يأتي ذلك على تمامه فله مثل أجره، ومن أعان فإنما يجيء من حقوق الله بنفسه أو بماله حتى يغلبه على الباطل بمعونة؛ فله مثل أجر القائم، ثم كذلك سائر أعمال البر، وإذا كان ذلك بحكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على معاصي الله وما يكرهه الله، للمعين عليها من الوزر والإثم. شرح صحيح البخاري (5/ 51).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قال مجاهد: قلت لابن عمر: أريد الغزو، قال: إني أحب أن أعينك بطائفة من مالي، قلت: وسع الله علي، قال: إن غناك لك، وإني أحب أن يكون من مالي في هذا الوجه. شرح السنة، للبغوي (11/ 18).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
من أعان قائمًا بحق من الحقوق بنفسه أو بماله حَتَّى يُعْلِيْهِ على الباطل بمعونته فله مثل أجر القائم به، ثم كذلك سائر أعمال البر، وإذا كان ذَلِكَ حكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على المعاصي، ومكروه الرب تعالى؛ للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما لعاملها؛ ولذلك نهى -صلى الله عليه وسلم- عن بيع السيوف في الفتنة، ولعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وكذلك سائر أعمال الفجور. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (17/ 482).
وقال الشيخ حمزة قاسم -رحمه الله-:
دلَّ هذا الحديث: على أن كل مَن شارك في مساعدة الغزَاة، ومدَّ يد المعونة للمجاهدين بإمدادهم بالمال، وتجهيزهم بالسِّلاح، أو بكفالة أهلهم وأولادهم، فإن الله يمنحهُ مثل أجر المجاهد. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 97).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
هذا الحديثُ فيه: فضلُ مَن جَهَّزَ الغازي أو خَلَفَه في أهله بخَير، وأن له مثلَ أجرِ الغازي، وهذا من فضلِ الله تعالى وإحسانِه.
فيكون الغازي المُجاهد له أجرُ الجهاد، والذي يُجَهِّزُه له أجرُ الجهاد أيضًا؛ لأنه جاهدَ بمالِه.
ويُجَهِّزَه يعني: يُعطيه ما يكفيه ليشتري السلاح والمركوب، أو يُعطيه نفقةً تكفيه.
والذي يَخلُفُه في أهله بخيرٍ له أجرُ الغازي أيضًا؛ لأن الغازي يحتاج إلى من يَخلُفه في أهله وأولاده، ويُنفق عليهم، ويرعى شؤونَهم؛ فالذي يَخلُفه بخيرٍ - يعني: يقوم مقامَه - له أجرُ الغازي. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (5/ 375)


إبلاغ عن خطأ