الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«مَن ‌تركَ ‌اللِّباس ‌تواضُعًا للهِ، وهو يقدرُ عليه، دعاهُ اللهُ يومَ القِيامةِ على رُؤوسِ الخَلائقِ حتى يُخيِّرَهُ من أيِّ حُلَلِ الإيمانِ شاءَ يَلبسُها».


رواه أحمد برقم: (15631)، والترمذي برقم: (2481)، من حديث معاذ بن أنس -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6145)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (718).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «مَن تركَ اللِّباس تواضعًا للهِ، وهو يقدرُ عليه»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن تركَ اللِّباس» أي: لبس الثياب الحسَنة، وفي رواية: «تركَ ثوب جَمال»، «تواضعًا لله» أي: لا ليقال: إنه متواضعٌ أو زاهد ونحوه، والناقد بصير ... «وهو يقدرُ» جملة في موضع الحال، و «تواضعًا» يجوز كونه مفعولًا له، أي: للتواضع، وكونه مصدرًا في محل الحال، أي: مُتواضعًا. فيض القدير (6/ 101).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«مَن تركَ اللِّباس» أي: أعرض عنه، «تواضعًا» وتركًا لزهرة الحياة الدنيا، «وهو يقدرُ عليه» أما التَّارك للعجز فلا، نعم إن عزم أنه لو كان قادرًا عليه لأعرض عنه تواضعًا أُثيب على نيته ... وفي الحديث: «نيَّة المؤمن خيرٌ من عمله» (ضعفيه الشيخ الألباني، ضعيف الجامع برقم:(5976)). دليل الفالحين (5/ 284).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «مَن تركَ اللِّباسَ» أي: للأحسن، وعدلَ إلى الأخشن، «تواضعًا لله» -تعالى- بالميل عن طيبات الحياة، رغبةً فيما عند الله، وعرَّفوا التواضع: بأنه الخضوع، وعُرِّف أيضًا: بأنه حطُّ النفس إلى ما دُون قدرها، وإعطاؤها من التوقير أقلّ من استحقاقها، «وهو يقدرُ عليه» على لبس الأحسن، أو من لا قُدرة له مزهودٌ له لا زاهد. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 173).

قوله: «دَعاهُ اللهُ يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخِلائقِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«دَعاهُ اللهُ يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخِلائقِ» أي: يُشهره بين الناس، ويُباهي به، ويقال: هذا الذي صدرت منه هذه الخصلةُ الحميدةُ. فيض القدير (6/ 101).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«دَعاهُ اللهُ يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخِلائقِ» زيادة في تشريفه. دليل الفالحين (5/ 284).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«دَعاهُ اللهُ يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخِلائقِ» يحتمل أنه يُحمل على رؤوسهم وهم قعودٌ؛ ليعلم مكانه من الله -تعالى-. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 173).

قوله: «حتى يُخيِّرهُ من أيِّ حُلَلِ الإيمانِ شَاءَ يَلبسُها»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُخيِّره من أيِّ حُلَل الإيمانِ شَاءَ يَلبسُها» ومن ثَمَّ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلبس الصوف ويعتقل الشاة، وفي رواية لأحمد: «مَن ترك أن يلبسَ صالح الثياب وهو يقدرُ عليه تواضعًا لله تعالى» والباقي سواء ... ثم هذا إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، وأن التواضع الفعلي مطلوب كالقولي، وهذا من أعظم أنواع التواضع؛ لأنه مقصور على نفس الفاعل، فمُقاساتُهُ أشقُّ بخلاف التواضع الْمُتعدِّي، فإنه خفض الجناح، وحُسنُ التخلق ومزاولته أخفّ على النفس من هذا؛ لرجوعه لحُسن الخلق، لكن بزيادة نوع كسر نفسٍ ولِين جانب، ولما أرادوا أن يغيروا زيَّ عمر عند إقباله على بيت المقدس زجرهم وقال: إنا قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام فلن نلتمس العزَّ بغيرِه. فيض القدير (6/ 101).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «حتى يُخيِّره من أيِّ حُلَلِ» بضمٍّ ففتحٍ جمع حُلَّة، كُربة وقُرَب، «الإيمان يشاء» وحتى غاية لمقدر، أي: وينشر تشريفه ثمَّة بأنواع الشرفِ إلى أن يُخيِّره بين حُلل أهل الإيمانِ المتفاوتةِ المقام، فيختارُ الأعلى، ويرِد من الفُيوض المورد الأحلى فينزل المكان الأعلى، وقوله: «يلبسُها» جملة مستأنفة لبيان القصد من التخيير فيها. دليل الفالحين (5/ 284).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يُخيِّره من أيِّ حُلَل الإيمان» أي: أهلُه، «شاءَ يلبسُها» مجازاةً له على إيثاره الأخرى على الأُولى، وقد كان شمائله -صلى الله عليه وسلم- وهديه في ملبوسه أشرف هدي، ينبغي لكل مؤمن القُدوة به فهو رأسُ الزاهدين. التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 173).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
ومعنى قوله: «حُلل الإيمانِ» يعني: ما يُعطى أهلُ الإيمان من حُلل الجنة. سنن الترمذي (4/ 650).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: استحباب الزهد في الملبوس وترك لبس حسن الثياب ورفيعها لقصد التواضع، ولا شك أن لبس ما فيه جمال زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو والخُيلاء والكبر ...
والحاصل: أن الأعمال بالنيَّات فلبس المنخفض من الثياب تواضعًا وكسرًا لسَوْرَة النفس التي لا يؤمَن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد الصالحة الموجبة للمثوبة من الله، ولبس الغالي من الثياب عند الأمن على النفس من التسامي المَشوب بنوع من التكبر؛ لقصد التوصل بذلك إلى تمام المطالب الدينية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر عند مَن لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات، كما هو الغالب على عوام زماننا وبعض خواصّه، لا شك أنه من الموجبات للأجر، لكنه لا بدَّ من تقييد ذلك بما يحل لبسه شرعًا نيل الأوطار (2/ 130-131).
وقال الشيخ فيصل بن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضيلة مَن ترك الفاخر من اللِّباس تواضعًا، وثوابه؛ لأن مَن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ومن تواضع لله رفعه في الدنيا والآخرة. تطريز رياض الصالحين (ص 497).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ومن تجمل بلبسه إظهارًا لنعمة الله عليه فهو مشكور على ذلك؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمه عليه» وقال: «إن الله جميل يحب الجمال» ومَن ترك لبس الرفيع من الثياب تواضعًا لله لا بخلًا ولا التزامًا للترك مطلقًا؛ فإن الله يثيبه على ذلك ويكسوه من حُلل الكرامة ... والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة، ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة... كذلك اللِّباس: فمن ترك جميل الثياب بُخلًا بالمال لم يكن له أجر، ومَن تركه متعبِّدًا بتحريم المباحات كان آثمًا، ومن لبس جميل الثياب إظهارًا لنعمة الله واستعانة على طاعة الله كان مأجورًا، ومن لبسه فخرًا وخُيلاء كان آثمًا، فإن الله لا يحب كل مختال فخور. مجموع الفتاوى (22/ 137-139).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستحب ترك الترفع في اللِّباس تواضعًا، ويُستحب أن يُتوسط فيه، ولا يقتصر على ما يُزْدَرَىْ به لغير حاجة ولا مقصود شرعيّ. المجموع (4/ 453).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد كان كثيرٌ من السَّلفِ يَكْتُمُ حاجتَهُ، ويُظهِرُ الغِنَى تَعَفُّفًا وتكَرُّمًا، منهم: إبراهيمُ النَّخعِيُّ، كان يلبسُ ثيابًا حَسْناء، ويخرجُ إلى الناسِ وهم يرون أنه تَحِلُّ لهُ الميتةُ من الحاجةِ.
وكان بعكسِ هؤلاء مَن يلبسُ ثيابَ المساكين مع الغِنَى تَواضُعًا للهِ -عزَّ وجلَّ-، وبُعْدًا من الكِبْرِ، كما كان يفعله الخلفاءُ الراشدونَ الأربعةُ، وبعدهم عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وكذلك كان جماعةٌ من الصحابةِ؛ منهم: عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ وغيرُهما -رضيَ اللهُ عنهم-...
وإنما يُذمُّ مَن تركَ اللِّباسَ مع قُدرتِهِ عليه بُخْلًا على نَفْسِهِ، أو كِتْمانًا لِنِعْمَةِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وفي هذا جاء الحديثُ المشهورُ:
«إنَّ اللهَ إذا أنعَمَ على عبدٍ نِعْمَةً، أحبَّ أن يُرى أثَرُ نِعْمَتِهِ على عبدِهِ».
ومن لَبِسَ لِباسًا حَسَنًا إظهارًا لِنِعْمَةِ اللهِ، ولم يَفعلْهُ اختِيالًا، كان حَسَنًا، وكان كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ يلبسونَ لباسًا حسنًا، منهم: ابنُ عباسٍ، والحسنُ البصريُّ.
وقد صحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ سُئِلَ عن الرجلِ يُحِبُّ أن يكونَ لِباسُهُ حسنًا، ونَعْلُهُ حسنًا؟ قال: «ليسَ ذلك بالكِبْرِ، إنما الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ»،
يعني: التكبُّرَ عن قَبولِ الحقِّ والانقيادِ لهُ، واحتقارَ الناسِ وازدراءَهُم، فهذا هو الكِبْرُ.
فأمَّا مُجرَّدُ اللِّباسِ الحَسَنِ الخالي عن الخُيَلاءِ، فليسَ بكِبْرٍ، واحتقارُ الناسِ مع رَثاثةِ اللِّباسِ كِبْرٌ...
فلهذا كَرِهَ مَن كَرِهَ من السَّلَفِ كـ ابنِ سيرينَ وغيرِهِ لِباسَ الصوفِ؛ حيثُ صار شِعارَ الزاهدينَ، فيكونُ لِباسُهُ إشهارًا للنَّفسِ، وإظهارًا للزُّهدِ.
وأمَّا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فكان يلبسُ ما وَجَد، فتارةً يلبسُ لِباسَ الأغنياءِ من حُلَلِ اليَمَنِ وثيابِ الشامِ ونحوِها، وتارةً يلبسُ لِباسَ المساكينِ، فيلبسُ جُبَّةً من صوفٍ أحيانًا، وأحيانًا يَتَّزِرُ بِعَباءةٍ ويُهَيِّئُ إبلَ الصَّدقةِ؛ يعني: أنَّهُ يَطلبُها بيدِهِ ويُصلِحُها كما يفعلُ أربابُ الإبلِ بها.
ولم يَبعَثِ اللهُ نبيًّا من أهلِ الكِبْرِ، وإنَّما بَعَثَ مَن لا كِبْرَ عندَهُ، ولا يَتَكبَّرُ عن مُعالَجَةِ الأشياءِ التي يَأنَفُ منها المُتكبِّرون، كـ رِعايةِ الإبلِ والغَنَمِ، وإجارةِ نفسِهِ عندَ الحاجةِ إلى الاكتسابِ. اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص107-112).
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
أما لبسُ الخشنِ والمُزري مع القُدرةِ على الرّفيعِ لغرضٍ شرعيٍّ كـ هضمِ النفسِ واقتدائها بزُهّاد هذه الأمة الذين لبسوا الشِّمال والخشن، فهو محبوب.
وكذلك لبسُ الرّفيعِ للعلماءِ محبوبٌ بقصد امتثال أوامرهم وإشاراتهم، وإجلال العِلم، وإيقاع هيبته في قلوب العامة؛ ليتلقَّى عنهم ما يبرز من الأوامر والنواهي والزواجر والتغليظات.
وقد لبس العِز بن عبد السلام زيّ الزهّاد بمكة لما حج، فأمر بمعروف ونهى عن منكر، فلم يُلتفت إليه. فقيل له: لستَ من أهل الإنكار، وإنما يُنكر العلماء، فلبس الثياب النفيسة كـ الطِّيلسان وذوات الأكمام الواسعة ونحوها، فامتُثل أمره وخُضع لقوله؛ فَعُلِم أن مصلحة هذا أعظم من مصلحة الهضم الذي لا يُمتثل معه أمر، فرجع إلى لبس شعار العلماء، عملًا بأرجح المصلحتين.. الفتاوى الفقهية الكبرى (1/ 250-260).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا يعني أنَّ الإنسانَ إذا كان بين أُناسٍ متوسِّطي الحال، لا يستطيعون اللِّباسَ الرَّفيعَ، فتواضَعَ وصار يلبسُ مثلهم؛ لئلَّا تنكسرَ قلوبُهم، ولئلَّا يَفخَرَ عليهم، فإنَّه ينالُ هذا الأجرَ العظيم.
أمَّا إذا كان بين أُناسٍ قد أنعمَ اللهُ عليهم، ويلبسون الثيابَ الرَّفيعةَ، لكنها غيرُ محرَّمةٍ، فإنَّ الأفضلَ أن يلبسَ مثلهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى جميلٌ يحبُّ الجمال. ولا شكَّ أنَّ الإنسانَ إذا كان بين أُناسٍ رفيعي الحال يلبسون الثيابَ الجميلةَ، ولبسَ دونهم، فإنَّ هذا يُعَدُّ لباسَ شُهرةٍ.
فالإنسانُ ينظرُ ما تقتضيه الحال؛ فإذا كان تركُ رفيعِ الثيابِ تواضعًا لله، ومُواساةً لمن كان حوله من الناس، فإنَّ له هذا الأجرَ العظيم. أمَّا إذا كان بين أُناسٍ قد أغناهمُ اللهُ، ويلبسون الثيابَ الرَّفيعةَ، فإنَّه يلبسُ مثلهم. شرح رياض الصالحين(4/318).


إبلاغ عن خطأ