الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«‌مَن ‌قتل ‌نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجَّأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن شرِب سُمًّا فقتل نفسه فهو يتحسَّاهُ في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردَّى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».


رواه البخاري برقم: (5778)، ومسلم برقم: (109) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم (1365): «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يتوجَّأُ»:
الوَجْءُ: اللَّكْزُ، ووجَأَه باليد والسِّكِّينِ وَجْأً، مَقْصُورٌ: ضَربَه، وَوَجَأَ فِي عُنُقِه كَذَلِكَ. لسان العرب، لابن منظور(1/ 190).

«يتحسَّاهُ»:
التَّحَسِّي عَمَلٌ فِي مُهْلةٍ...، وَاسْمُ مَا يُتَحَسَّى الحَسِيَّةُ والحَسَاءُ، مَمْدُودٌ، والحَسْوُ ...، والحُسْوَةُ، كُلُّهُ: الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِنْهُ، والحُسْوةُ: مِلْءُ الفَمِ. لسان العرب، لابن منظور(14/ 176).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يتحسَّاه» أي: يتكلَّفُه في شربه. مرقاة المفاتيح (6/ 2262).

«تردَّى»:
رَدَى في البئر يُرْدِيْ -بالكسر- وتَرَدَّى: إذا سقط فيها أو تهوَّر من جبل. مختار الصحاح، للرازي (ص: 267).


شرح الحديث


قوله: «‌مَن ‌قتل ‌نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجَّأُ بها في بطنه»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«من قتل نفسه بحديدة» لفظ الحديدة أعمُّ من السكين، فيشمل آلات النجار وآلات الحدَّاد وغيرهما، لكن المراد بها: السكين وما شابهها؛ لأنها التي يطعن بها البطن. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 356).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فحديدته» التي قتل بها نفسه في الدنيا تكون «في يده» يوم القيامة، فضيحة له على عمله. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (3/ 150).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى «يتوجَّأ» أي: يطعن، وهو مهموز ويسهَّل أيضًا. إكمال المعلم (1/ 387).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
والمراد: ضرب حديدته في بطنه، وظاهر اللفظ: أنها الحديدة التي قتل بها نفسه. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (9/ 303).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
والضمير في «بها» للحديدة. تحفة الأبرار (2/ 459).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية.
ويؤخذ منه: أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له، وإنما هي ملك لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه. إحكام الأحكام (ص: 459).

قوله: «في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
جهنم: اسم لنار الآخرة، غير منصرف، إما للعجمة والعلمية، وإما للتأنيث والعلمية. عمدة القاري (21/ 291).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«خالدًا مخلدًا» منصوبان على الحال من الضمير في «يتردى». المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 192).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «خالدًا مخلدًا» قد كان قوله: «خالدًا» يكفي في معنى الخلود والمقام، ولكنه جاء بعده بذكر التخليد، فهو على معنى المراغمة للخالد والقهر له. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 345).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله فيه: «خالدًا مخلدًا» لمن فعل ذلك مستحلًا، أو خلود طول إقامة لا خلود دوام وتأبيد، ويدخل فيها من التأويلات ما يدخل آية قاتل النفس، وقد يقال في أدعية الملوك: خلد الله ملكك، وأبَّدَ أيامك، أي: أطالها. إكمال المعلم (1/ 387).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال الأُبي: وقد يكون هذا كناية عن كون عقوبته أشد من عقوبة قتله أجنبيًا؛ لأنه أوقع الذنب مع وجود الصارف، كزنا الشيخ، وكذب الملك، والصارف هنا حب الإنسان نفسه بالجِبِلَّة، ثم ينبغي تقيده بغير من قتل نفسه؛ لظنه أن العدو يقتله.
قال: وفي الجهاد إذا خرق العدو سفينة للمسلمين جاز لهم طرح أنفسهم، لأنهم فروا من موت إلى موت، ولم ير ذلك ربيعة إلا لمن طَمِع بنجاة، فلا يقتل نفسه، وليصبر لأمر الله تعالى، وكان الشيخ ابن عرفة يُجَوِّز لمن قُطِعَتْ يده ظلمًا ترك المداواة حتى يموت، وإثمه على قاطعه، والظالم أحق أن يحمل عليه. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (3/ 151).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فإن قال قائل: إن الذي تحسَّى سُمًّا أو يقتل نفسه بحديدة أو يتردَّى من رأس جبل لا يخرجون بهذه الأفعال من الإسلام، وقد ثبت أنه لا يخلد في النار إلا الكافرون، فكيف قطع لهم بالتخليد؟
فالجواب: أن هذا محمول على أنه يستحل ذلك. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 345).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف يستقيم لك هذا التأويل وقد خصَّصت حكم الخلود بالمستبيح ثم تقول: إن غير المستبيح أيضًا مسؤول عنه معذَّب به، والحديث لم يفرق بين المستبيح وغيره، وإنما سلك بالكل مسلكًا واحدًا؟
قلنا: قد عرفنا حكم الخلود من قول الشارع مُبَيَّنًا في غير هذا الحديث، فرددنا المجمل منه إلى المفصل في غيره.
فإن قيل: فلم يأت به في هذا الحديث على الوجه الذي تدَّعيه في غيره؟ قلنا: أبهمه إبهامًا إيفاء لوظيفة الخوف على أصحاب النفوس المتمرِّدة، فإنه على تلك الصيغة أبلغ في الوعيد وأمثل في الزجر، فيرتدع به الغاوي، ولا يشتبه على الخبير؛ لما انتهى إليه من الواضح الجلي. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 810).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: فما تصنع بالحديث الذي يتلوه مرويًا عن جندب بن عبد الله البجلي، فإن قوله -عليه الصلاة والسلام-: «قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، فحرمت عليه الجنة» صريح في أن قاتل نفسه محروم عن الجنة، ممنوع عنها؟
قلتُ: هو حكاية حال، فلا عموم فيها، إذ يحتمل أن الرجل كان كافرًا، أو ارتدَّ من شدة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحًا، مع أن قوله: «فحرمت عليه الجنة» ليس فيه ما يدل ظنًّا على الدوام والإقناط الكلي، فضلًا عن القطع. تحفة الأبرار (2/460).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وقد تمسك المعتزلة وغيرهم ممن قال: بتخليد أصحاب المعاصي في النار بقوله: «في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، ولما كان أهل السنة لا يقولون بتخليد العصاة من الموحدين في النار، وكانت الأحاديث الصحيحة تدل على أن مصير المؤمنين الجنة؛ أجاب أهل السنة عن ظاهر الحديث بِعِدَّةِ إجابات؛ منها:
1 - ذهب بعضهم إلى توهين وردِّ رواية: «خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» لورود الحديث بدونها في كثير من الروايات الصحيحة، ورفضُ هذا الرأي أولى من ردِّ الرواية وهي صحيحة.
2 - وقال بعضهم: إن المراد: خالدًا مخلدًا فيها إلى أن يشاء الله، وهذا القول يضعفه التعبير بلفظ: «أبدًا».
3 - وقيل: المراد بالخلود: طول المدة لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يخلد مدة معينة ويُبْعِدُهُ أيضًا لفظ: «أبدًا».
4 - وقيل: ورد الحديث في رجل بعينه، وليس القصد منه الحكم العام، ويُبْعِدُهُ تعديد طرق الانتحار، والرجل المعين انتحر بطريقة معينة.
5 - وقيل: ورد الحديث مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مُرَادَة، وهذا ضعيف أيضًا.
6 - وقيل: المعنى: أن هذا جزاؤه الأصلي، لكن الله قد تكرَّم على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وهو مردود أيضًا بعبارات الحديث الواضحة في وقوع هذا الجزاء لكل منتحر.
7 - وقيل: إن الحديث محمول على من استحلَّ هذا الفعل، فإنه باستحلاله يصير كافرًا، والكافر مخلَّد بلا ريب، وهذا الرأي أقرب للقبول من سوابقه.
8 - والأولى أن يقال: إن الجزاء المذكور هو الجزاء إن لم يتجاوز الله عنه.
هذا وقد نقل عن الإمام مالك: أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه: أنه لا يُصلَّى عليه، وقد روى أصحاب السنن: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى برجل قتل نفسه بِمَشَاقِصَ (يعني: بنصل السهام) فلم يُصَلِّ عليه»، وفي رواية للنسائي أنه قال: «أما أنا فلا أصلي عليه». فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 357).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الظاهر: أن المراد من هؤلاء: الذين فعلوا ذلك مستحلين له، وإن أريد منه العموم؛ فالمراد من الخلود والتأبيد: المكث الطويل المشترك بين دوام لا انقطاع له، واستمرار مديد ينقطع بعد حين بعيد؛ لاستعمالهما في المعنيين، فيقال: وقف وقفًا مخلدًا مؤبدًا، أو أدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل؛ فيجب جعلهما للقدر المشرك بينهما، وللتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل. تحفة الأبرار (2/ 459-460).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أن أحسن التأويل إذا لم يكن مستحلًا: تأويل من قال: هذا جزاؤه إن جُوْزِيَ، لكن قد تكرَّم الله على الموحدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وهو أقرب التأويلات؛ للجمع بين النصوص التي تقطع بدخول الموحدين الجنة، وإن فعلوا ما فعلوا غير الشرك، كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 116 الآية -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (3/ 304).

قوله: «ومَن شرِب سُمًّا فقتل نفسه فهو يتحسَّاهُ في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «من شرب سُمًّا» ينبغي حمل «شرب» على معنى: دخل في باطنه، فإنه قد يخلط بالماء فيشرب، وقد يخلط بالطعام فيؤكل. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 346).
وقال السندي -رحمه الله- أيضًا:
السُّم دواء قاتل يُطرَح في طعام أو ماء، فينبغي أن يُحمَلَ «تحسَّى» على معنى أدخل في باطنه؛ ليعم الأكل والشرب جميعًا. حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 67).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فقتل نفسه» فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها: توقف الجزاء المذكور عليها. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 356).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فأما من شرب سُمَّا للتداوي به ولم يقصد به قتل نفسه، وشرب منه مقدارًا لا يقتل مثله، أو خَلَطَه بغيره مما يكسِر ضُرَّهُ فليس بداخل في الوعيد، لأنه لم يقتل نفسه، غير أنه يُكرَهُ ذلك؛ لما روى الترمذي من حديث مجاهد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الدواء الخبيث»، قال أبو عيسى: يعني: السم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (27/ 564-565).

قوله: «ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردَّى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «من تردَّى» أي: أسقط نفسه منه. عمدة القاري (21/ 291).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
التَّردي إذا أُسْنِدَ إلى الإنسان فمعناه: التعرُّض للهلاك، والمراد منه ها هنا: أن يتهوَّر الإنسان فيرمي نفسه من جبل. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 809).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقتل نفسه» على أنه تعمد ذلك، وإلا فمجرد قوله: «تردَّى» لا يدل على التعمد. فتح الباري (10/ 248).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فقتل نفسه» فائدة ذكرها: توقف الجزاء المذكور عليها، وهي التي أفادت التعمد، إذِ التردِّي يكون عن عمد وعن غير عمد، أما إذا تعمَّد الإلقاء، ولم يحدث بذلك قتل فله جزاء آخر يعلمه الله. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 356).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فهو يتردَّى في نار جهنم» أي: ينزل من جبال النار إلى أوديتها «خالدًا مخلدًا فيها أبدًا». البحر المحيط الثجاج (3/ 306).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
التردِّي في الأصل: التعرُّض للهلاك؛ من الردى، وشاع في التدهور لإفضائه إلى الهلكة، والمراد به ها هنا: أن يتهوَّر الإنسان فيرمي نفسه من جبل. تحفة الأبرار (2/ 459).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فهو يتردى في نار جهنم» أي: يسقط، وذلك بأن يُهَيَّأَ له جبل من نار، يُكَلَّف الصعود إليه والسقوط منه في نار جهنم، تشير إلى ذلك رواية البخاري: «يتردى فيه» أي: في الجبل، أي: في مثله....
اقتصر هذا الحديث على ثلاث من طرق الانتحار وقتل النفس؛ لما أنها هي التي كانت شائعة آنذاك، فهي أمثلة فقط، وليست للحصر، فيقاس عليها: من تردَّى في بحر فغرق، ومن أشعل في نفسه نارًا فاحترق، وقد جاءت بعض الروايات بطريقة أخرى غير الطرق الثلاثة المذكورة؛ فقد روى البخاري: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار» كما جاءت بعض الروايات بلفظ العموم، فقد روي في الحديث الآتي: «ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّبَ به يوم القيامة». فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 356-357).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
لما كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر والحنق والغضب على إتلاف نفسه ويُسوِّلُ له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مُطالب من قبل الخلق فالله يغفر له؛ أعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- المكلفين أنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة، ومعذبون به عذابًا شديدًا، وأن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس المحرمة. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 809-810).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على ... أن نفس المرء ليست له، وإنما هي وديعة عنده لله سبحانه، فإذا فرط في وديعته منها كان ذلك من أقبح الخيانة. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 344).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وهذا الحديث يشهد لصحة نهي الله تعالى في كتابه المؤمن عن قتل نفسه حيث قال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} الآية النساء: 29. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (27/ 564).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفيه دليل لمالك -رحمه الله- ومن قال بقوله على أن القصاص من القاتل بما قتل به محددًا كان أو غير محدد، خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله-، اقتداء بعقاب الله لقاتل نفسه في الآخرة، وبحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليهودي الذي رَضَّ رأس الجارية بين حجرين، فأمر بِرَضِّ رأسه بين حجرين، وبحكمه في العُرَيِنِّيين، ولأن العقوبات والحدود وضعت للزجر ومقابلة الفعل بالفعل، والتغليظ على أهل الاعتداء والشر. إكمال المعلم (1/ 387-388).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- متعقبًا لعياض:
هذا الذي أخذه من هذا الحديث في هذه المسألة ضعيف جدًّا؛ لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله، وليس كل ما فعله في الآخرة بمشروع لنا في الدنيا؛ كالتحريق بالنار وإلساع الحيات والعقارب، وسقي الحميم الْمُقَطِّعِ للأمعاء.
وبالجملة: فما لنا طريق إلى إثبات الأحكام إلا نصوص تدل عليها، أو قياس على المنصوص عند القياسيين، ومن شرط ذلك: أن يكون الأصل المقيس عليه حكمًا أما ما كان فعلًا لله تعالى فلا، وهذا ظاهر جدَّا، وليس ما نعتقده فعلًا لله تعالى في الدنيا أيضًا بالمباح لنا، فإن لله أن يفعل ما يشاء بعباده، ولا حكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه بواسطة أو بغير واسطة. إحكام الأحكام (ص: 459).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا لابن دقيق العيد:
استدلال القائلين بالمماثلة في القصاص بهذا الحديث، وإن ضعفه ابن دقيق العيد إلا أن لهم أدلة أخرى، فقد استدلوا بقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية النحل: 126، وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} الآية البقرة: 194، وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الآية الشورى: 40، وحديث رَضِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رأس اليهودي الذي رَضَّ رأس الجارية، وغير ذلك من الأدلة. البحر المحيط الثجاج (3/ 308).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمع الفقهاء وأهل السنة: أن مَن قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه يصلى عليه، وإثمه عليه كما قال مالك، ويدفن في مقابر المسلمين، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي في خاصة أنفسهما، والصواب: قول الجماعة؛ لأن الرسول سنَّ الصلاة على المسلمين، ولم يستثنِ منهم أحدًا، فيصلى على جميعهم؛ الأخيار والأشرار إلا الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة. شرح صحيح البخاري (3/ 349).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
وفي تعذيب الفساق بما هو من جنس أفعالهم حِكَمٌ لا تخفى على المتفكرين من أولي الألباب. تحفة الأبرار (2/ 459).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ويؤخذ من الحديث:
1 - التحذير من الانتحار مهما كانت أسبابه ودواعيه.
2 - أن الجزاء الأخروي من جنس العمل.
3 - وجوب الصبر على الآلام، وعدم السخط والجزع، والرضا بالقضاء، وتسليم قبض الروح لواهب الحياة.
4 - استدل به بعضهم على عدم جواز شرب السم للتداوي؛ لأنه يُفْضِي إلى قتل النفس، وهذا الاستدلال باطل، قال الحافظ ابن حجر: إن مجرد شرب السم ليس بحرام على الإطلاق؛ لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره.
5 - وفيه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أُذِنَ له فيه.
6 - احتج به بعضهم على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به محددًا كان أو غيره، اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه....
7 - وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، ففيه ردٌّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضر. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 358).


إبلاغ عن خطأ