«أعتَق رجلٌ من بني عُذْرَةَ عبدًا له عن دُبُرٍ، فبلغ ذلك رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: أَلك مال غيره؟ فقال: لا، فقال: مَن يشتريه منِّي؟ فاشتراه نُعَيْمُ بن عبد الله العَدَوِيُّ بثمانمائة دِرهم، فجاء بها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك، فتصدَّق عليها، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فَضَلَ عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فَضَلَ عن ذي قرابتك شيءٌ، فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك».
رواه البخاري برقم: (2141)، ومسلم برقم: (997) واللفظ له، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لأحمد برقم: (14273)، وأبي داود برقم: (3957)، والنسائي برقم: (4653): «إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه...».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَعْتَقَ»:
يقال: أعتقتُ العبد أُعْتِقُه عِتْقًا وعَتاقة، فهو مُعْتَق، وأنا مُعْتِق، وعتق هو فهو عَتِيْق، أي: حرَّرته، فصار حرًّا. النهاية، لابن الأثير (3/ 179).
«عن دُبُر»:
أي: بعد الموت، ولا تُستعمل هذه اللفظة في كل شيء بعد الموت؛ من وصية ووقف وغيره؛ لأن التدبير لفظ خُصَّ به العتق بعد الموت: يقال: دابَر الرجل، فهو مدابر، إذا مات. الزاهر، للأزهري (ص: 282).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
عن دُبُر: أي: بعد موته، تقول: دبَّرت العبد، إذا علَّقت عتقه بموتك، وهو التدبير، أي: أنه يُعْتَق بعد ما يدبره سيده، ويموت، وقد. النهاية (2/ 98).
«فإنْ فَضَل»:
فإن فضل من ثمنه شيء، أي: زاد وبقي. طلبة الطلبة، للنسفي (ص: 148).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
فَضَل منه شيء يفضُل، مثل: دخَل يدخُل، وفيه لغة أخرى: فَضِل يَفْضَلُ، مثل حذِر يحذَر، حكاها ابن السِّكيت، وفيه لغة ثالثة مركبَّة منهما: فَضِلَ بالكسر، يفضُل بالضم، وهو شاذٌّ لا نظير له. الصحاح (5/ 1791).
شرح الحديث
قوله: «أَعتَقَ رجلٌ من بني عُذْرَةَ عبدًا له عن دُبُر»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أعتق رجل من بني عذرة» وجاء في رواية أخرى في الأم: أنَّ هذا الرجل من الأنصار، واسمه: أبو مذكور. المفهم (3/ 50).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من بني عُذْرَةَ» قبيلة مشهورة من العرب. الكوكب الوهاج (11/ 386).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من بني عُذْرَةَ» ... نِسبة إلى عذرة، من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وهي قبيلة معروفة. البحر المحيط الثجاج (19/ 256).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عبدًا له» اسمه يعقوب (القبطي). الكوكب الوهاج (11/ 386).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «عن دُبرٍ» يريد: علق عتقه بموته، أي: أنه يُعتق بعدما يدبر سيده، أن يولي ويموت، والعبد مُدبَّر، والتدبير على ضربين: مطلق، ومقيد.
فالمطلق: أن يقول: أنت حرٌّ بعد موتي، ونحو ذلك من الألفاظ.
والمقيَّد: أن يقول: إن متُّ من مرضي هذا فأنت حرٌّ، أو قال: في سنتي هذه، أو سفري هذا، وأشباه ذلك. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 512).
وقال النووي -رحمه الله-:
أي: قال له: أنت حرٌّ بعد موتي، وسُمي هذا تدبيرًا؛ لأنه يحصل العتق فيه في دبر الحياة. شرح صحيح مسلم (11/ 141).
وقال العراقي -رحمه الله-:
المدَبَّر: العبد الذي علَّق سيده عتقه على الموت، وسُمِّي بذلك؛ لأن الموت دُبُرَ الحياة، وقيل: لأنَّ السَّيد دبَّر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه. طرح التثريب (6/ 211).
قوله: «فبلغ ذلك رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: أَلَكَ مالٌ غيره؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فبلغ ذلك» أي: عِتق الرجل عبده، وتدبيره له «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» «فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للرجل: «ألَك» أي: هل لك أيها الرجل «مال غيره؟» أي: غير هذا العبد تنفقه على نفسك وأهلك؟. الكوكب الوهاج (11/ 386).
قوله: «فقال: لا، فقال: «مَن يشتريه منِّي؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» الرجل المعتق: «لا» يا رسول الله، أي: ليس لي مال سوى هذا المدَبَّر «فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من يشتريه» أي: من يشتري هذا المدبَّر. الكوكب الوهاج (11/ 386).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «من يشتريه؟» أي: العبد «مني» مقتضاه: أنه -عليه الصلاة والسلام- باشر البيع بنفسه الكريمة، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وتصرفه عليهم ماضٍ؛ ليدل على أنه يجوز للمُدَبِّر -بكسر الموحدة- بيع المدّبَّر -بفتحها-، وأنَّ الحاكم يبيع على المديون ماله عند المفلس؛ ليقسمه بين الغرماء. إرشاد الساري (4/ 225).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
«مَن يشتريه مني؟» حُمِلَ على تجويزه البيع، وإذنه فيه، قال الشافعي: كأنه دبَّر وهو يرى أنه لا يجوز بيع المدبَّر، وأراد بيعه إما محتاجًا إليه، أو غير محتاج، وبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأذن له في بيعه، أو توكل عنه في البيع، ودفع إليه الثمن. شرح مسند الشافعي (4/ 144-145).
قوله: «فاشتراه نُعَيْمُ بن عبد الله العَدَوِيُّ بثمانمائة درهم»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «نُعَيْم» مُصَغَّر النعم، «ابن عبد الله» النَّحَّام -بفتح النون، وشدة المهلة- العدوي. الكواكب الدراري (10/ 27).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
يقال له: نعيم بن النحام، وقد يقال: نعيم النحام، وذكر بعضهم أنه الصواب، وإنَّما سمي النَّحام؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دخلتُ الجنة فسمعتُ نحمة نعيم» والنَّحمة: السَّعْلة، ويمكن أنْ يُقال: كل منهما صواب، هذا باعتبار نحمته، وذلك لوقوع الاسم في نسبه. شرح مسند الشافعي (4/ 143-144).
وقال النووي -رحمه الله-:
هكذا هو في جميع النسخ ابن النحام بالنون (على أنَّ النحام أبو نُعيم) قالوا: وهو غلط، وصوابه: فاشتراه النَّحام (صِفَة نُعيم)؛ فإنَّ المشتري هو نُعيم، وهو النحام. المنهاج (11/ 142).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قوله: «بثمانمائة درهم» كذا هو في الأكثر، وروى مسدد عن هشيم...، عن جابر: أنَّ رجلًا أعتق غلامًا عن دُبُرٍ منه، ولم يكن له مال غيره، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَبِيْعَ بتسعمائة أو بسبعمائة، كأنه جرى ذِكر الثمن على التقريب، ومن قال: بثمانمائة أراد ثمانمائة، أو نحو ذلك. شرح مسند الشافعي (4/ 145).
قوله: «فجاء بها رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فدفعها إليه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فجاء بها» أي: نُعَيْم، بثمانمائة درهم، «رسولَ اللهِ -عليه الصلاة والسلام-، فدفعها إليه» أي: إلى الرجل الأنصاري. شرح المصابيح (4/ 88).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فجاء بها» أي: جاء نُعيم بتلك الدراهم «رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فدفعها إليه» أي: دفع -صلى الله عليه وسلم- تلك الدراهم إلى صاحب المدبَّر المذكور (سيد العبد). ذخيرة العقبى (35/ 203).
قوله: «ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم قال» رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي دبَّر المباع: «ابدأ» أيها الرجل في إنفاق هذه الدراهم «بنفسك». الكوكب الوهاج (11/ 386).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ابدأ بنفسك» أي: في الإنفاق «فتصدق عليها» أي: فإنها أحق بها وأهلها، فإنها مركب الروح في سلوكها. مرقاة المفاتيح (6/ 2223).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإنَّ الإنفاق على النفس صدقة، والأمر للندب أو للإباحة، والإيثار فضيلة. التنوير (1/ 237-238).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «ابدأ بنفسك، فتصدق عليها» سمى الإنفاق على نفسه صدقة، وهو قربة إذا كان من حلال، وبقدر الحاجة، وقد يصل إلى الوجوب؛ وذلك عند الاضطرار. طرح التثريب (6/ 218).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
ومحل تقديم النفس في حق من لا يصبر على الإضاقة، أما من صبر عليها، وآثر على نفسه، فهو محمود، قد جاء بمدحه القرآن الكريم، وفَعَله الصديق؛ وذلك الأنصاري الذي نزلت فيه الآية وغيرهما. طرح التثريب (6/ 219).
قوله في الرواية: «إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه...»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إذا كان أحدكم فقيرًا» أي: لا مال له، ولا كسب يقع موقعًا من كفايته؛ «فليبدأ بنفسه» أي: يقدمها بالإنفاق عليها مما آتاه الله. فيض القدير (1/ 426).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«إذا كان أحدكم فقيرًا» لا مفهوم له، والمطلوب أنْ يبدأ الشخص بنفسه مطلقًا، غنيًّا كان أو فقيرًا. السراج المنير (1/ 165).
قوله: «فإن فَضَلَ شيءٌ فلأهلك»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنْ فَضَلَ» بفتح العين، أي: زاد «شيء» أي: منها. مرقاة المفاتيح (6/ 2223).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فلأهلك» فيه: أنَّ نفقة الأهل بعد كفاية النفس، والمراد بالأهل: الزوجة. التنوير (1/ 237).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلأهلك» أي: مما يعولك. مرقاة المفاتيح (6/ 2223).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي قوله: «فإن فضل شيء فلأهلك...» حُجة في ترتيب الحقوق، وتقديم الآكد فالآكد، وأنَّ الواجبات تتأكد في نفسها؛ لأن حق النفس واجب، وحق الأهل ومن تلزمه النفقة واجب، لكنه يقدم حق النفس عليها، وأنه من لا مال له إلا قوته لم يلزم إعطاؤه للزوجة والولد، ولا مشاركتهما فيه، إلا فيما فضَل عن حاجته. إكمال المعلم (3/ 514-515).
قوله: «فإن فَضَلَ عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك» الأولاد ونحوهم، إنْ أريد بالأول الزوجة، وإنْ أريد أعم منها، فالقرابة يُراد بهم الأعم من الأولاد. التنوير (1/ 237).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك» أي: إما وجوبًا، أو استحبابًا. مرقاة المفاتيح(6/ 2223).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فإنْ فضل عن أهلك، فلذي قرابتك» إنْ حُمل على التطوع، يتناول كل ذي قرابة، وإن حُمل على الواجب، اختص بمن تجب نفقته من الأقارب، وهم الأصول والفروع عند الشافعي وطائفة؛ ولذلك تفاريع في كتب الفقه، ولم يذكر في هذا الحديث الرقيق، ولعله داخل في الأهل، أو سكت عنه؛ لأنَّ أكثر الناس لا رقيق لهم، فأجرى الكلام على الغالب، أو ذاك الشخص المخاطب بهذا الكلام لا رقيق له، فبيَّن حال نفسه، وقد قدَّم الحنابلة العبد على القريب من ولد وغيره، ولم أرَ أصحابنا الشافعية تعرضوا لذكر العبد عند تزاحم من تجب نفقته، وكأن ذلك؛ لأن له جهة ينفق منها، وهي كسبه، وبتقدير أن يكون غير كسوب، وتعذَّرت إجارته لمنفعة من المنافع، فيباع هو، أو جزء منه لنفقته. طرح التثريب (6/ 218-219).
قوله: «فإن فَضَلَ عن ذي قرابتك شيءٌ، فهكذا وهكذا»:
قال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا» فيه تقديم الصدقة على القَرابة على الصدقة على الأجانب إن كان الحديث في صدقة التطوع، فإن كان في النفقة الواجبة خرج من هذا الباب. طرح التثريب (6/ 219).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فهكذا وهكذا» أي: بين يديك، وعن يمينك وشمالك، وهو كناية عن كثرة عدد الإنفاق، وأصل (كذا) كناية عن العدد، ويجيء من الخبر قليلًا. التنوير (1/ 237).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فهكذا وهكذا» كذا هو عند مسلم مرتين، ثم فسَّره بقوله: «فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك»، وذلك يقتضي تكرير قوله: «هكذا» ثلاثًا، وكذا هو في رواية النسائي، وعبر بذلك عن كثرة الصدقة، وتنويع جهاتها، وليس المراد: حقيقة الجهات المحسوسة. طرح التثريب (6/ 219).
قوله: «يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقول» أي: الراوي. مرقاة المفاتيح (6/ 2223).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه: إطلاق القول على الإشارة. البحر المحيط الثجاج (19/ 261).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك» وهذا التفسير من بعض الرواة، ولم يتبين لي من هو؟ البحر المحيط الثجاج (19/ 261).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك» تفسير للتفريق. مرقاة المفاتيح (6/ 2223).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك» أي: تصدَّقْ أو أَعْطِ. الأزهار، مخطوط، لوح (319).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا الحديث يَجمَع نوعين من الأحكام: جواز بيع المُدبَّر، وبيع مال الْمُفْلِس عليه. أعلام الحديث (2/ 1199).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث: دليل على مشروعية التدبير، وهو متفق على مشروعيته. سبل السلام (2/ 605).
وقال العراقي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: جواز بيع المدبَّر، واختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الشافعي، والمشهور من مذهب أحمد، وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود وابن حزم، وحكاه عن عائشة وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن سيرين وطاوس ومحمد بن المنكدر ومجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعن الشعبي: يبيعه الجريء، ويدعه الورع...
الثاني: المنع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية...
الثالث: المنع من بيعه إلا أنْ يكون على السيد دين مستغرق، فيباع في حياته وبعد موته، وهذا مذهب المالكية، وهو رواية عن أحمد.
الرابع: يجوز بيع المدبر، ويمتنع بيع المدبرة، وهو رواية عن أحمد...
الخامس: جواز بيعه إذا احتاج صاحبه إليه، حكاه الخطابي عن الحسن بن ربيعة، وحكاه ابن حزم عن طاوس أيضًا.
السادس: لا يجوز بيعه إلا إذا أعتقه الذي ابتاعه، حكاه الخطابي عن الليث بن سعد، وحكاه ابن حزم عن مالك، وكأن القائل بهذا رأى بيعه موقوفًا كبيع الفضولي عند القائل به، فإن أعتقه المشتري تبين أن البيع صحيح، وإلا فلا، فإنه لو بطل البيع من الأول لما صح العتق؛ لأنه لا يكون إلا في ملك، ولو صح من الأول لم ينقلب باطلًا بكون المشتري لم يعتقه.
السابع: قال الخطابي: وكان ابن سيرين يقول: لا يباع إلا من نفسه. انتهى.
والحق: أنَّ هذا ليس قولًا آخر، بل هو قول المنع مطلقًا؛ لأن بيعه من نفسه ليس بيعًا، وإنما هو عتق.
الثامن: منع بيع المدبر تدبيرًا مطلقًا، وجواز بيع المدبر بقيد، كقوله: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، حكاه الخطابي عن بعض أهل الحديث، وهو مذهب المالكية، فإنهم قالوا: إن قول القائل: إن مت من مرضي هذا، أو من سفري هذا، ليس تدبيرًا، وإنما هو وصية، والرجوع عن الوصية جائز؛ ولهذا قال الحنفية: بجواز البيع في التدبير الْمُقَيَّد. طرح التثريب (6/ 212-214).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
تأول بعض أهل العلم الحديث في بيع المدبر على التدبير المعلَّق، قال: وهو أن يقول لمملوكه: إن مت من مرضي هذا فأنت حُرٌّ، قال: وإذا كان كذلك، جاز بيعه، قال: وأما إذا قال: أنت حُرٌّ بموتي، أو بعد موتي، فقد صار المملوك مدبرًا على الإطلاق، ولا يجوز بيعه.
قلتُ: ليس في الحديث بيان ما ذكره من تعليق التدبير، وإنما جاء الحديث ببيع المدبر، واسم التدبير إذا أُطْلِقَ كان على هذا المعنى لا على غيره. معالم السنن (4/ 75).
وقال المازري -رحمه الله-:
يحتج به للشافعي على جواز بيعه، وتأوله أصحابنا (يعني: المالكية) على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما باعه عليه في الدَّيْن، والذي في كتاب مسلم تقوية للشافعي؛ لأنه ذكر فيه أنه -عليه السلام- قال له: «ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك»، ولو كان بيع للدَّيْن لقضي الثمن للغرماء، ولم يأمره أن يفعل فيه ما ذكر.
والشافعي أحل المدبر في البيع محل الموصى بعتقه، وأصح ما فرق به أصحابنا بينهما: أنَّ ذلك مبني على المقاصد، والتدبير عندهم علامة على أنه قصد أن لا يرجع في هذا الفعل ولا يحله، وليس كذلك الوصية، ولو صرَّح في الوصية بأنه لا يرجع فيها لشابهت التدبير. المعلم (2/ 19).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- متعقبًا المازري:
ينفصل عن الشافعي فيما وجه له من قوله: «ابدأ بنفسك» أي: بحقوق نفسك، والدَّيْن من أحد الحقوق على النفس، وأوجبها في الدنيا والآخرة، وليس في دفعه إليه دون الغرماء ما يقتضي أخذه له لنفسه ليأكله، بل ليؤديه إلى غرمائه، ويقضيهم حقوقهم، وإنما يكون ذلك للإمام، ولا يمكن الديان من ماله إذا تم تفليسه، وحجب عن ماله، وليس في هذا الحديث ما يدل أن الرجل كان بهذه الصفة، ولعل ثمن الغلام بقدر الدَّيْن، فلا يكون مفلسًا. إكمال المعلم (3/ 514).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
العتق المعلق لا يمنع التصرف ولا ينفذ، فله التصرف به قبل ذلك، وكذلك الوقف المعلق والوصية: إن مت فهي وقف، له الرجوع؛ لهذا الحديث الصحيح. الحلل الإبريزية (2/ 316).
وقال السندي -رحمه الله-:
مَن لا يرى بيع المدبر: منهم من يحمله على أنه كان مدبرًا مُقيَّدًا بمرض أو بمدة، كعلمائنا، ومنهم من يحمله على أنه دبَّرَهُ وهو مديون، كأصحاب مالك، والأول بعيد، والثاني يَرُدُّهُ آخر الحديث، والأقرب: أنَّ هذا الحديث دليل الجواز من غير معارض قوي يُحْوِجْ إلى تأويله. حاشيته على سنن النسائي (5/ 70).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام السندي:
هذا الذي قاله السندي -رحمه الله- إنصاف منه، حيث ردَّ على أهل مذهبه وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنص إذا اتضح لهم الحق، ولا يعاندوا، ولا يتعصبوا لمذهبهم، ولا يتعلَّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النص بالتأويل البعيد، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين. البحر المحيط الثجاج (19/ 258).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
ملخَّص الكلام: أن أصحاب أبي حنيفة حملوا الحديث على المدبر المقيد، وهو عندهم يجوز بيعه، وأصحاب مالك على أنه كان مديونًا حين دبَّر، ومثله يجوز إبطال تدبيره عندهم، وأما الشافعي ومن وافقه فأخذوا بظاهر الحديث، وجوَّزوا بيع المدبَّر مطلقًا. عون المعبود (10/ 354).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استدل به (يعني: بحديث جابر) من جوَّز الرجوع عن التدبير بالقول، وبه قال الشافعي في القديم، وهو أحد قوليه في الجديد، وهو مبني على أن التدبير وصية، واقتصر ابن العربي على نقل هذا عن الشافعي، لكن الذي نص عليه في أكثر كتبه وعليه الفتوى عند أصحابه منع الرجوع عنه بالقول، وأنه ليس وصية، وإنما هو تعليق عتق بصفة، ولا يلزم من الرجوع عنه بالتصرف بالبيع وغيره جوازه بالقول، فقد يغتفر في الضمنيات ما لا يغتفر في المقاصد -والله أعلم-. طرح التثريب (6/ 220).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ المحتاج ينبغي أن يمسك المال، وينفق منه على نفسه، قال الشافعي: لئلا يحتاج إلى الناس، ثم ينفق على أهله وأقاربه، فإن فضل شيء فعلى سائر الناس، وقد روي عن عطاء عن جابر: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دفع ثمنه إليه، وقال: «أنت إلى ثمنه أحوج، والله عنه غني». شرح مسند الشافعي (4/ 145).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
منها: الابتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب.
ومنها: أنَّ الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قُدِّم الأوكد فالأوكد.
ومنها: أنَّ الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها. المنهاج (7/ 83).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وفي هذا الحديث: نظر الإمام في مصالح رعيته، وأمره إياهم بما فيه الرفق بهم، وإبطال ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها.
وفيه: جواز البيع فيمن يزيد، وهو مجمع عليه الآن، وقد كان فيه خلاف ضعيف لبعض السلف. المنهاج (11/ 142).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وفيه دلالة: على أنَّ النبي كان له التصرُّف في مال الغير على ما كُتب في الخصائص. الأزهار، مخطوط، لوح (319).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه دلالة على أنَّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية للبخاري، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: «أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دُبُر، فاحتاج، فأخذه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: من يشريه مني...؟» الحديث، ففيها التصريح بأن سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه، وقد جاءت رواية أخرى فيها بيان أنَّ سببه هو الدَّيْن، فقد أخرج الإسماعيلي من طريق أبي بكر بن خلاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: «أعتق غلامًا له، وعليه دَيْن»، وقد جاءت رواية أخرى بينت السببين معًا، فقد أخرج النسائي من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: «أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دُبُر، وكان محتاجًا، وكان عليه دَيْن...»، والحاصل: أنَّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمله الدَّيْن -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (19/ 257-258).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان أنَّ أفضل الصدقةِ: الصدقةُ على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء.
ومنها: بيان مشروعية تدبير المملوك...
ومنها: بيان أنَّ الدَّين مقدَّم على التبرع بالتدبير.
ومنها: أنَّ للإمام أنْ يبيع أموال الناس بسبب ديونهم.
ومنها: بيان أنه يحجر على السفيه، ويُرَدُّ عليه تصرفه. البحر المحيط الثجاج (19/ 264-263).
ولمزيد من الفائدة ينظر: