«رَقَبْنا رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في صلاة العشاء، فاحتبس حتَّى ظننَّا أن لن يخرج، والقائل مِنَّا يقول: قد صلَّى ولن يخرج، فخرج رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقلنا: يا رسول الله، ظننَّا أنَّك لن تخرج، والقائل منَّا يقول: قد صلَّى ولن يخرج، فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أَعْتِمُوا بهذه الصلاة؛ فقد فضِّلتم بها على سائر الأمم، ولم تُصلِّها أُمّة قبلكم».
رواه أحمد برقم: (22066) واللفظ له، وأبو داود برقم: (421)، من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1043)، صحيح سنن أبي داود برقم: (448).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«رَقَبْنَا»:
رقبتُ الشيء أرقبُهً رِقبة ورِقباناً، أي: انتظرت، وقوله تعالى: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} طه: 94، أي: لم تنتظر. ٍ العين، للفراهيدي (5/ 154).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
تقول: رقبتُ الشيء أرقبه رقوبًا، ورِقْبَةً ورِقْبانًا بالكسر فيهما، إذا رَصَدْتَهُ. الصحاح (1/ 137).
«أَعْتِمُوا»:
أعْتَم الناس: إِذا دخلوا في ظلمة الليل. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 443).
وقال الفيروزآبادي -رحمه الله-:
العَتمة، محرَّكة: ثلث الليل الأول، بعد غيبوبة الشفق، أو وقت صلاة العشاء الآخرة. القاموس المحيط (ص: 1135).
شرح الحديث
قوله: «رَقَبْنَا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاة العشاء»:
قال ابن شداد -رحمه الله-:
رُوي في الحديث: «رقبنا» براء مفتوحة، وقاف وباء: من الارتقاب، وروي: «بغينا» بغين معجمة، موضع القاف. دلائل الأحكام (1/193).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
أي: انتظرناه في صلاة العشاء الآخرة. المنهل العذب المورود (3/ 345).
قوله: «فاحتبس حتى ظننَّا أن لن يخرج»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فاحتبس» على بناء الفاعل أو المفعول. الـحاشية على مسند أحمد (5/139).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«حتى ظننَّا أن لن يخرج»: أي: إلى المسجد، صلَّى في بيته أو لم يُصَلِّ؟ بذل المجهود (3/ 89).
قوله: «والقائل منَّا يقول: قد صلَّى ولن يخرج»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«والقائل منا يقول: صلَّى» أي: فرغ من الصلاة. بذل المجهود (3/ 89).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «والقائل منا يقول: صلى» يعني: أنه مَرَّ وقت طويل، ولم يكن معهودًا عنه -صلى الله عليه وسلم- أن يؤخر هذا التأخير. شرح سنن أبي داود (62/ 7).
قوله: «فخرج رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«خرج النبي -صلَّى الله عليه وسلم-» من حجرته إلى المسجد. بذل المجهود (3/ 89).
قوله: «أَعْتِمُوا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«أَعْتِمُوا» بفتح الهمزة، وكسر المثناة فوق. فيض القدير (1/ 554).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أَعْتِمُوا» أي: أخِّرُوا، الإعتام: التأخير...، ويحتمل: أنْ يكون معنى «أعتموا» أي: ادخلوا في العتمة، وهي صلاة العشاء، فعلى هذا يكون معناه: بالِغوا في المحافظة على أدائها. المفاتيح (2/ 32).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أعتِموا» صيغة أمر، من أَعْتَمَ به: إذا أدخله في العتمة، وهي الظلمة، ويقال: أعتم، أي: أخَّر، والمراد على الوجهين: هو التأخير والانتظار لها؛ لأن المنتظر للصلاة كالذي في الصلاة. الحاشية على مسند أحمد (5/139).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
أعتم الرجل: إذا دخل العتَمة، كما يُقال: أصبح: إذا دخل في الصباح، والعتمة: ظلمة الليل، وقال الخليل: العتمة من الليل ما بعد غيبوبة الشفق، أي: صلوها بعدما دخلتم الظلمة، وتحقق لكم سقوط الشفق، ولا تستعجلوا فيها، فتوقعوها قبل وقتها، وعلى هذا لم يدل على أنَّ التأخير فيه أفضل.
ويحتمل: أنْ يُقال: إنه من العَتْم الذي هو الإبطاء، يقال: أعتم الرجل قراه: إذا أخره. تحفة الأبرار (1/ 240).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
المراد: أَخِّروا صلاة العشاء الآخرة إلى ثلث الليل أو نصفه، والأمر في هذا الحديث للندب، بدليل قوله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- في الحديث السابق: «لولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة».
ولا منافاة بين حديث الباب وما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه»؛ لأن الأمر المنفي فيه للإيجاب، وحديث الباب حجة لمن قال بأفضلية تأخير صلاة العشاء. المنهل العذب المورود (3/ 345).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قيل: قد نهى عن إطلاق اسم العتمة على العشاء، كما في صحيح مسلم: «لا يغلبنَّكم الأعراب على صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله: العشاء، وإنها تعتم بِحِلَاب الإبل» معناه: أن الأعراب يسمونها: العتمة؛ لكونهم يُعتمون بِحِلاب الإبل، أي: يؤخِّرونه إلى شدة الظلام، وإنما اسمها في كتاب الله: العشاء، في قوله تعالى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} النور: 58، فينبغي لكم أن تسمُّوها العشاء.
قلتُ: قد جاء في الأحاديث الصحيحة تمسيتها بالعتمة، كحديث: «لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوها ولو حَبْوًا» وغير ذلك.
وأما النهي: فهو للتنزيه لا للتحريم، ويمكن أنْ يكون استعمالها -أيضًا- لمن لا يعرف العشاء، فيخاطب بما يعرفه، أو لأنها أشهر عند العرب من العشاء. شرح أبي داود (2/ 290).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أعتِموا» للندب عند الأكثرين من الصحابة والتابعين، وللإباحة عند مَن رجح التعجيل من الفقهاء الشافعية، وغيرهم. الأزهار، مخطوط، لوح (122).
قوله: «بهذِهِ الصلاةِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
الباء في «بهذه» للتعدية، يعني: بالغوا في المحافظة على أدائها، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا، أي: أعتموا مُلابِسين بهذه الصلاة. شرح المصابيح (1/ 383).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«بهذه الصلاة» أي: بصلاة العشاء؛ يعني: إذا لم تكن هذه الصلاة لأُمِّة غيركم فعظِّموها، واجلسوا ذاكرين منتظرين لها إلى أن يذهب بعض الليل، والغرض من هذا التأخير الاشتغال بالذكر، وإحياء بعض الليل. المفاتيح (2/ 32).
قوله: «فقد فُضِّلتم بها على سائر الأمم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«قد فُضِّلْتُم» بالبناء للمفعول. فيض القدير (1/ 554).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قد فُضِّلتم بها» فَضَّلَكُم الله بفرضها في ذلك الوقت. التنوير (2/ 461).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «فإنكم قد فُضِّلتم بها...» أي: خصَّكم الله تعالى بإيجاب صلاة العشاء عليكم دون سائر الأمم، وهو تعليل للأمر بتأخيرها. المنهل العذب المورود (3/ 345).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«على سائر الأمم» أي: على جميع الأمم، أو باقيها بعد إخراج هذه الأمة منها. بذل المجهود (3/ 89).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قيل: كيف يكون تفضيلهم بهذه الصلاة على سائر الأمم عِلَّة للإعتام؟
قلتُ: لأن سائر الأمم لم يُعْتِمُوا؛ لأن قوله: «ولم يُصَلِّها أمة قبلكم» يحتمل معنيين:
الأول: أنهم لم يُصَلُّوا العتمة أصلًا، وهو الظاهر.
والثاني: أنهم لم يُعتموا بها، وإن كانوا صلُّوها، فيكون تفضيل هذه الأمة على غيرهم، إما بمعنى: أن غيرهم لم يُصَلُّوها أصلًا، أو بمعنى: أنهم أعتموا وغيرهم لم يعتموا، والقرينة ترجِّح المعنى الثاني، وأن تفضيلهم على غيرهم بالإعتام، وأن الإعتام أفضل من التقديم. شرح أبي داود (2/ 290).
وقال المناوي -رحمه الله-:
المناسبة بين تأخيرها واختصاصها بنا: المجوّز لجعل الثاني علَّة للأول، أنهم إذا أخَّروها منتظرين خروج النبي، كانوا في صلاة، وكتب لهم ثواب المصلي. فيض القدير (1/ 554).
وقال السندي -رحمه الله-:
فلما شرَّفهم الله بهذه الصلاة وخصَّهم بها ينبغي لهم أنْ يأتوا بها على وجه؛ يعظم لهم به الأجر، ويكثر لهم به الانتفاع بهذه الصلاة، ومن جملته: الانتظار لها -والله تعالى أعلم-. فتح الودود (1/ 281).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
هي (صلاة العشاء) من خصوصيات هذه الأمة، فينبغي لهم الاحتياط في شأنها أكثر؛ لأن ما شارك الإنسان غيره فيه، لا يبالغ في الاعتناء به مثل مبالغته في الاعتناء بما يختص به، كما هو معلوم من غالب الطباع. فتح الإله (3/77).
قوله: «ولم تُصلِّها أمَّة قبلكم»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ولم تصلها» أي: صلاة العشاء «أمة» أي: من الأمم «قبلكم». بذل المجهود (3/ 89).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولم تُصلِّها أمة قبلكم»؛ لأنه تعالى لم يفرضها عليهم، ففاتهم ما خصَّكم به، أو لأنه فرضها فأضاعوها، وهو دليل على تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وأنه أفضل من أول وقتها. التنوير (2/ 461).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
التوفيق بين قوله: «لم تصلها أُمّة قبلكم» وقوله في حديث جبريل: «هذا وقت الأنبياء من قبلكم» أنْ يُقال -والله أعلم-: إنَّ صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم، ولم تكتب على أممهم، كالتهجد فإنه وجب على الرسول -صلوات الله عليه- ولم يجب علينا، أو يجعل هذا إشارة إلى وقت الإسفار، فإنه قد أشرك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة، بخلاف سائر الأوقات. تحفة الأبرار (1/ 240).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الوجه فيه (يعني: في التوفيق بين الحديثين) أنَّ قوله يحتمل أن الأنبياء كانوا يصلونها، ثم إنها لم تفرض على أمة من الأمم، إلا على هذه الأمة، فلا اختلاف بينهما إذًا.
ويحتمل: أنه أراد لم تُصَلِّها أمة قبلكم على النمط الذي تصلونها من التأخير، وانتظار وقت الفضيلة، والاجتماع لها في وقت ارتكام الظلام، وغلبة المنام على الأنام -والله أعلم-. الميسر (1/ 187).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا الذي جاء في الحديث -وهو أن هذه الأُمّة فُضلت بها- إذا فسر بأنها تَعْتم بها وتؤخرها، فلا تنافي بينه وبين الحديث الذي سبق أنْ مَرَّ (يعني: حديث: «هذا وقت الأنبياء من قبلك»)، ومعنى هذا: أن هذه الصلاة كانت على الأُمم السابقة، ولكن فُضلت هذه الأُمَّة بها بكونهم يؤخرونها، بخلاف الأمم السابقة، فإنها لم تكن تؤخِّرها مثل هذا التأخير. شرح سنن أبي داود (62/ 7).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
هل تأخير العشاء إلى آخر وقتها المختار أفضل، أم تعجيلها أفضل، أم الأفضل مراعاة حال المأمومين؟
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن تعجيلها أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، بل أشهرهما، وقول مالك...
والقول الثاني: أن تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في جامعه عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين...
(الثالث: اعتبار حال المأمومين)... ومما يدل على اعتبار حال المأمومين، وأنه لا يشق عليهم: ما روى أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن عبد الله، قال: كان معاذ يتخلف عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا جاء أَمَّ قومه، فاحتبس عنهم مُعاذ ليلة، فصلى سليم (بن الحارث) وحده وانصرف، فأخبر معاذ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل إلى سليم (بن الحارث) ، فسأله عن ذلك، فقال: إني رجل أعمل نهاري، حتى إذا أمسيت أمسيت ناعسًا، فيأتينا معاذ وقد أبطأ علينا، فلما أبطأ عَلَيَّ أمسيت، ثم انقلبت إلى أهلي، قال: فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى معاذ: «لا تكن فاتنًا تفتن الناس، ارجع إليهم فصلِّ بهم قبل أن يناموا» خرَّجه البزّار...، فقد تبيَّن بهذا: أنَّ هذا القول الثالث، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير، هو الأرجح في هذه المسألة، وقد عقد له البخاري بابًا منفردًا. فتح الباري (4/ 402-407).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ تأخير العشاء أفضل، وإليه ذهب جمع منَّا (الشافعية)، فقالوا: تأخيرها إلى ثلث الليل أفضل، لكن المُفتى به خلافه؛ لأدلة أخرى. فيض القدير (1/ 554).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه دليل: أنهم اختصوا بفريضة صلاة العشاء، أو أنهم اختصُّوا بفضيلة تأخيرها؛ لقوله: «فإن الناس قد صلَّوا ورقدوا» حيث أريد بهم أهل الكتابين. التحبير (5/ 124).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
الحديث يدل على مشروعية انتظار الإمام إذا تأخر عن الحضور أول وقت الصلاة، وعلى استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها إلى ثلث الليل أو نِصفه، لكن محله ما لم يثقل على الحاضرين كما تقدم، وعلى أن الله تعالى خص الأمة المحمدية بفضل لم يكن لغيرها، وعلى أن من أتى بشيء يخفى على غيره يُطْلَبُ منه أن يُبَيِّنَ وجهه، وعلى أن من خفي عليه شيء يُطْلَبُ منه أن يسأل عنه الخبير به. المنهل العذب المورود (3/ 346).