«النِّكاحُ من سُنَّتِي، فمن لم يعمل بسُنَّتِي فليس منِّي، وتزوَّجُوا؛ فإني مُكَاثِرٌ بكم الْأممَ، ومن كان ذا طَوْلٍ فلْيَنْكِحْ، ومن لم يجد فعليه بالصيامِ؛ فإن الصومَ له وِجَاءٌ».
رواه ابن ماجه برقم: (1846)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (6807)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2383).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«طَوْلٍ»:
الغنى والفضل. الغريبين في القرآن والحديث، أبو عبيد (4/ 1188).
وقال أبو حيان الأندلسي -رحمه الله-:
الطَّوْل: الفضل والسعة والامتنان. تحفة الأريب (ص: 210).
«وِجَاءٌ»:
يُقَال للفحل إِذا رُضَّتْ أنثياه: قد وَجِئ وَجَاءً مَمْدُود فهو موجوءٌ وقد وجَأْتُه. غريب الحديث، أبو عبيد (2/ 73).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الوِجَاء: أن تُرَضَّ أُنْثَيَا الفحل رضًّا شديدًا يُذهب شهوة الجماع. النهاية (5/ 152).
شرح الحديث
قوله: «النِّكاحُ من سُنَّتِي»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «النكاح» أي: طلب النساء بالوجه المشروع في الدِّين، «من سنتي» من طريقتي التي سلكتُها وسبيلي التي ندبتها. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 567).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«النكاح من سُنتي» أي: الزواج من طريقتي ومِلَّتي بشرطه المارّ في الحديث قبله؛ أي: طلب النساء بالوجه المشروع في الدِّين من سُنتي؛ أي: من طريقتي التي أنا سلكتُها. مرشد ذوي الحجا والحاجة(11/ 19).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
والأصل في السنة: الطريقة والسيرة، وإذا أضاف السُّنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهى عنه، وندبه قولًا وفعلًا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث، واعلم أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن. فتح القريب المجيب (1/ 576).
قوله: «فمن لم يعمل بسُنَّتِي فليس منِّي»:
قال السندي -رحمه الله-:
«فمن لم يعمل بسنتي»؛ رغبة وإعراضًا عنها وقلَّة مُبالاة بها، فلا يشمل الحديث من يترك النكاح لعدم تيسُّر المؤن أو للاشتغال بالعبادة ونحو ذلك. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 567).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: مَن تركها إعراضًا عنها غير معتقد لها على ما هي عليه، أما من ترك النكاح على الصفة التي يُستحب له تركه -كما سبق-، أو ترك النوم على الفراش؛ لعجزه عنه، أو لاشتغاله بعبادة مأذون فيها أو نحو ذلك فلا يتناوله هذا الذم والنهي. شرح صحيح مسلم (9/ 176).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
أي: من ترك ما أَمَرت به من أحكام الدَّين فرضًا أو سُنة عن الاستخفاف بي وعدم الالتفات إليَّ فليس مني؛ لأنه كافر، ومَن ترك لا عن الاستخفاف بل عن الكسل لم يكن كافرًا، وعلى هذا فيكون قوله: «ليس مني» للزجر والوعيد، ويكون معنى: فليس من المقتدين بأثري والعاملين بسنتي. فتح القريب المجيب (8/ 597).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«فليس مني» المراد بالسنة: الطريقة لا التي تُقابل الفرض...، والمراد: مَن ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري «فليس مني»، ولَمَّح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه...، فمعنى «فليس مني» أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يَخرج عن الملة، وإن كان إعراضًا وتنطُّعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى «فليس مني» ليس على ملَّتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر. فتح الباري (9/ 105- 106).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وقد حمله الجمهور على الرغبة عن السنة إعراضًا عنها وعدم اعتقاد لما هي عليه، أما من أعرض عنها لِمُعارض لها من السنة أرجحَ منها فلا، وقد فعل ذلك -صلى الله عليه وسلم- في عدم هدم الكعبة، وجعل بابين لها متواطئين؛ مراعاة لِمُعارض أرجحَ منه في نظره -صلى الله عليه وسلم-. العدة في شرح العمدة (3/ 1253).
قوله: «وتزوَّجُوا؛ فإني مُكَاثِرٌ بكم الْأممَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وتزوجوا» أيها المؤمنون إن استطعتم الباءة، ولا عذر بكم؛ كالعنَّة والجَبِّ؛ «فإني مكاثر بكم» أي: مُفَاخر بكثرتكم على سائر «الأمم». مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (11/ 19).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وقوله: «إني مُكاثر بكم الأمم» المكاثرة: المفاخرة بكثرة الأتباع والأهل؛ يعني: أفاخر الأنبياء بكثرة أمَّتي وأقول: أنا أكثر الأنبياء أمَّة... وفضل كثرة أولاد الرجل والمرأة، وكثرة ثوابهما وهذا أفضل طاعة؛ لأن من حصل منه أولاد فقد حصل مراد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتحصيل مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل القُرَب، وفي تكثير الأولاد تكثير عباد الله، ولا شك أن تكثير من يطيع الله من أفضل القُرَب. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 15).
قال السندي -رحمه الله-:
«فإني مُكاثر بكم» أي: مفاخِر بكثرتكم. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 567).
وقوله: «ومن كان ذا طَوْلٍ فلْيَنْكِحْ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«من كان منكم ذا طول» بفتح الطاء أي: سعة. حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/ 171).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ومن كان» منكم «ذا طول» أي: صاحب قدرة على طَوْل ومهر وعلى سائر مؤن النكاح من النفقة والكسوة، ولا مانع به في نفسه، «فلينكح» أي: فليتزوج. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 19).
وقوله: «ومن لم يجد فعليه بالصيامِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أي: من لم يجد ذلك، ولا يُراد به هنا: القُدرة على الوطءِ؛ لقوله: «فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاء». المفهم (4/ 81-82).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
والحوالة على الصوم لما فيه كَسْرُ الشهوة، فإنَّ شهوة النكاح تابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف بضعفها. إحكام الأحكام (2/ 169).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
والقطع في الصوم نظرًا لدوامه، لا لابتدائه؛ فإنه يثير الحرارة، ويهيجها. فتح الإله في شرح المشكاة (8/366).
قال الخطابي -رحمه الله-:
وقد يُستدل به على جواز التَّعالج لقطع الشَّهوة كتناول الكافور ونحوه من الأشياء. أعلام الحديث (2/ 950)
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وينبغي أنْ يُحمل على دواء يسكِّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالة؛ لأنه قد يَقْدِر بَعْدُ، فيندم لفوات ذلك في حقه. فتح الباري (9/ 111).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
صرَّح علماؤنا بجواز شرب دواء مباح يمنع الجماع، قالوا: ولأنثى شُربه أيضًا؛ لإلقاء نطفةٍ لا علقةٍ؛ ولحصول حيض، لا قرب رمضان لتفطر. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (5/ 250).
قوله: «فإن الصومَ له وِجَاءٌ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فإنَّه» أي: الصوم «له وِجاء» بكسر الواو، وبالجيم ممدودًا، وقيل: بفتح الواو، مع القصر، بوزن عَصَا، أي: التعب والحفا؛ وذلك بعيد، إلا أنْ يُراد فيه معنى الفتور؛ لأنه مِن وُجِيَ إذا فَتَرَ عن المشي، فشبَّه الصوم في باب النكاح بالتعب في باب المشي، أي: قاطِعٌ لشهوته، وأصله: رَضُّ الأُنثيين (الخصيتين)؛ لتذهب شهوة الجماع، وإطلاق الصوم على الوِجاء من مجاز المشابهة؛ لأن الوِجاء قطع الفعل، وقطع الشهوة إعدام له أيضًا. إرشاد الساري (8/ 6).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وجاء» أي: قاطِع للشهوة، مع ما فيه من سلامة النفس من التعذيب، وقطع النسل، ومن حصول الثواب بالصيام المقتضي لرياضة النفس، المؤدية إلى طاعتها لأمر مولاها. مرقاة المفاتيح (2/ 607).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وِجَاء» أي: خصاء ووقاء «له» من الوقوع في العنت. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (11/ 20).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه.
وفيه: دليل على أنَّ النكاح غير واجب، ويُحكى عن بعض أهل الظاهر أنه كان يراه على الوجوب. معالم السنن (3/ 180).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أنَّ الصوم يقطع مادة النكاح ويضعفها، وهذا أمرٌ منه -صلى الله عليه وسلم- للشباب كما في رواية البخاري وغيره؛ فإن الشاب له من شهوة النكاح ما قد يغلب عليه، بخلاف الكبير، فإنَّ تلك المادة الكبرى ليست عنده.
وفيه: دليل على أنَّ المرء مأمور بعمل الأسباب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالتسبب في دفع حرارة ما يجده الإنسان مما أشرف إليه بالتأهل. شرح سنن أبي داود (9/ 255).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
فيه الترغيب في النكاح، وقد اختُلف هل هو من العبادات أو المباحات؟
فقال الحنفية: هو سُنّة مؤكَّدة على الأصح. وقال الشافعية: من المباحات. إرشاد الساري (8/ 4).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه: أن النكاح من سنن الإسلام، وأنه لا رهبانية في شريعتنا، وأنَّ مَن ترك النكاح رغبة عن سنة محمد -عَلَيْهِ السَّلام- فهو مذموم مبتدِع، ومن تركه من أجل أنه أوفق له وأعون على العبادة فلا ملامة عليه؛ لأنه لم يرغب عن سُنة نبيه وطريقته. شرح صحيح البخاري (7/ 160).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء؛ لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه أسهل.
وتُعقِّب دعوى كونه أسهل؛ لأن الترك أسهل من الفعل، وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة. فتح الباري (9/ 112).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
واستُدلَّ بالحديث على أنَّ مَن لم يستطع الجماع، فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه، ويضعف دواعيه. إرشاد الساري (8/ 6).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفيه: فضيلة للصوم؛ حيث كان مانعًا عن الوقوع في المعاصي، وهذا هو أصل الحكمة في مشروعيته، كما قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَكُم تَتَقُونَ} البقرة: 183. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (21/ 116).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
فيه: أيضًا أنَّ تشريك النية في مثل ذلك لا يضر بإخلاص العبادة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- أمر الشباب بالصوم لِكسر شهواتهم، فيدل على أنه إذا صام الإنسان احتسابًا، وكسرًا لشهوته جاز صومه، ونال الأجر، ومثل ذلك من يصوم احتسابًا، وتخفيفًا للسِّمَن، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (21/ 116).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)