كنتُ أُصلِّي في المسجدِ، فدعاني رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فلم أُجِبْهُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي كنتُ أُصَلِّي، فقال: «ألم يقلِ اللَّهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} الأنفال: 24، ثم قال لي: لَأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظمُ السُّورِ في القرآنِ قبلَ أنْ تخرجَ من المسجدِ»، ثم أَخَذَ بيدي، فلمَّا أرادَ أنْ يخرجَ، قلتُ له: ألم تقُلْ: لَأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظمُ سورةٍ في القرآنِ؟ قال: «{الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} الفاتحة: 2، هي السَّبْعُ المثانِي، والقرآنُ العظيمُ الذي أُوتِيتُهُ».
رواه البخاري برقم: (4474)، من حديث أبي سعيد بن المـُعَلَّى الأنصاري -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«السَّبْعُ المثانِي»:
هي الفاتحة؛ لأنها سبع آيات. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير(2/ 335)
قال ابن الأثير-رحمه الله-:
سُميت بذلك لأَنها تُثنى في كُل صلاة: أَي: تُعاد. النهاية في غريب الحديث(1/ 225).
شرح الحديث
قوله: «كنتُ أصلّي في المسجد، فدعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجبه»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «في المسجد» أي: في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، قوله: «فلم أُجِبْهُ» لأنه ظن أنَّ الخطاب لمن هو خارج عن الصلاة. عمدة القاري (18/ 81).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فلم أُجِبْهُ» لأنه -عليه الصلاة والسلام- منعهم من الكلام في الصلاة، ومِن قطعها. إرشاد الساري (7/ 459).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فدعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجبه» زاد في تفسير الأنفال من وجه آخر عن شعبة: «فلم آتِه حتى صليتُ، ثم أتيته»، وفي رواية أبي هريرة: «خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أُبي بن كعب وهو يصلي فقال: أَيْ أُبيّ، فالتفتَ فلم يُجبه، ثم صلى فخفَّف، ثم انصرف، فقال: سلامٌ عليك يا رسول الله، قال: ويحك! ما منعك إذ دعوتُك أن لا تجيبني؟» الحديث. فتح الباري (8/ 157).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «فدعاني» إنْ حُمِلَ الخبر على ظاهره من أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- علم بصلاة أُبي، أفاد جواز مناداة المصلي؛ وذلك بالأمر اليسير مما لا يشغله عن صلاته، ويمكنه أنْ يعيه مع الاشتغال بصلاته، والإقبال عليها، قال ابن حبيب: سواء كان في مكتوبة أو نافلة، فأما إنْ كان كثيرًا لا يعيه إلا مع الإقبال عليه، والاشتغال عن صلاته، فإن ذلك لا يجوز؛ ولذلك لم يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أُبيًّا في الصلاة بما أخبره به بعد الفراغ منها.
وقال الداودي: معنى ذلك: أنَّه أَمِنَ على أُبي أنْ يجيبه في الصلاة لعلمه، وفي قوله هذا نظر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد احتج على أُبي بعد إخباره له بأنه كان في الصلاة بقوله تعالى: {اِسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم} الأنفال: 24، وهذا يقتضي أنَّ الأمر يقتضي إجابة النبي -صلى الله عليه وسلم- حال الصلاة، ويحتمل أنْ يكون جواب أُبي للنبي -صلى الله عليه وسلم- لو أجابه بالتلبية، والصلاة عليه لا يقطع صلاته، ويكون هذا حُكمًا يختص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه مأمور بإجابته؛ ولأن إجابته بالتلبية والتعظيم له والصلاة عليه من الأذكار التي لا تنافي بالصلاة، بل هي مشروعة فيها. المنتقى شرح الموطأ (1/ 154).
قوله: «فقلتُ: يا رسول الله، إنّي كنتُ أصلِّي، فقال: «ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} الأنفال: 24؟»:
قال الزمخشري -رحمه الله-:
«{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} الأنفال: 24» وحّد الضمير كما وحّده فيما قبله؛ لأن استجابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كاستجابته، وإنما يُذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، والمراد بالاستجابة: الطاعة والامتثال، وبالدعوة: البعث والتحريض. الكشاف (2/ 210).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(تنبيه) نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا، وهو قوله: «ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الأنفال: 24» قبل قول أبي سعيد: «كنتُ في الصلاة»، قال: فكأنه تأوّل أنَّ مَن هو في الصلاة خارج عن هذا الخطاب، قال: والذي تأول القاضيان عبد الوهاب (ابن نصر المالكي) وأبو الوليد (الباجي) أن إجابة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة فرض يعصي المرءُ بتركه، وأنه حُكم يختص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
قلتُ: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جَنَحَ إليه القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلافٍ عندهم بعد قولهم بوجوب الإجابة هل تبطل الصلاة أم لا؟ فتح الباري (8/ 157).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} الأنفال: 24، ولم يُفرِّق بين مَن في الصلاة وغيرها، فاقتضى وجوب إجابته، ولو على مَن في الصلاة المفروضة بالقول والفعل، ولا تَبطل صلاة المجيب بذلك، وهذا من خصوصياته -صلى الله عليه وسلم-.
فإن قلتَ: ليس هنا صيغة عموم، فما وجه الاستدلال؟
قلتُ: لا يتوقف الاستدلال به على صيغة عموم؛ إذ المطلق يُستدل به أيضًا، غاية الفرق: أنَّ العموم ثَمَّ شموليٌّ، وهنا بَدَلِيٌّ، على أنَّ هنا صيغة عموم؛ إذ الفعل في حيز الشرط للعموم. فتح الإله (7/86).
قوله: «ثم قال لي: لأعلمنَّك سورةً هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور» في رواية رَوح في تفسير الأنفال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن» وفي حديث أبي هريرة: «أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؟» قال ابن التين: معناه: أن ثوابها أعظم من غيرها، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض. فتح الباري (8/ 157).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «هي أعظم سور القرآن» يعني: بذلك عِظَم المثوبة على قراءتها؛ وذلك لِمَا تجمع هذه السورة من الثناء على الله -عز وجل-، والدعاء والمسألة، وقد روِي عن محمد بن علي بن الحسين أنه قال: «سورة الحمد أولها ثناء، ووسطها إخلاص، وآخرها مسألة الله -عز وجل-». أعلام الحديث (3/ 1797).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أعظمَ سورة في القرآن...» سَمَّى الفاتحةَ (أعظم سورة) لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبّد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ لأن فيه ذِكرَ رحمة الله على الوجه الأبلغ الأشمل، وذِكرَ تفرّده بالْمُلك وعبادة عباده إياه، واستعانتهم إياه، وسؤلهم منه؛ ولا سورةَ بهذه المَثَابة. شرح المصابيح (3/ 16).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أعظم سورة من القرآن»...فهي أعظم كيفية، وإن كان في القرآن أعظم منها كمية. مرقاة المفاتيح (4/ 1459).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ومعنى «أعظم» ثوابها، قال محمد بن علي بن الحسين: أولها ثناء، وأوسطها إخلاص، وآخرها مسألة، وفي (الموطأ): «سورة ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها». التوضيح (22/ 12).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أعظمَ سورة في القرآن...» سَمَّى الفاتحةَ (أعظم سورة) لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبّد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ لأن فيه ذِكرَ رحمة الله على الوجه الأبلغ الأشمل، وذِكرَ تفرّده بالْمُلك وعبادة عباده إياه، واستعانتهم إياه، وسؤلهم منه؛ ولا سورةَ بهذه المَثَابة. شرح المصابيح (3/ 16).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قبل أن تخرج» أي: أنت «مِن المسجد» قيل: لم يُعلمه بها ابتداء ليكون ذلك أدعى لتفريغ ذهنه، وإقباله عليها بكُليَّته. مرقاة المفاتيح (4/ 1459).
قوله: «ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلتُ له: ألم تقل: لأعلمنَّك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ثم أخذ بيدي» زاد في حديث أبي هريرة: «يحدثني وأنا أتباطأ؛ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث». فتح الباري (8/ 157).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ومما يدل أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لأعلمنك أعظم سورة» لا يوجب تفاضل القرآن بعضه على بعض في ذاته: قولُه تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} البقرة: 106، ولم يختلف أهل التأويل في أن الله تعالى لم يُرِد بقوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} تفضيل بعض الآيات على بعض، وإنما المراد بخير منها لعباده المؤمنين التالين لها، إما بتخفيفٍ وعفوٍ، أو بثوابٍ على عمل، ولو قال قائل: أيما أفضل: آية رحمة، أو آية عذاب، أو آية وعد، أو آية وعيد؟ لم يكن لهذا جواب، ومن اختار التفاضل في القرآن فقد أوجب فيه النقص، وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقص في شيء منها، فيكون بعضه أفضل من بعض، وكيف يجوز أن يكون شيء من صفاته منقوصًا غير كامل وهو قادر على أن يُتِم المنقوص حتى يكون في غاية الكمال، فلا يلحقه في شيء من صفاته نقص، تعالى الله عن ذلك...
ويحتمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لأعلمنَّك أعظم سورة» وجهًا آخر، وهو: أن يكون «أعظم» بمعنى سورة عظيمة، كما قيل: الله أكبر، بمعنى: كبير، وكما قيل في اسم الله: الأعظم بمعنى: عظيم، وقد تقدَّم الكلام في حديث أبي سعيد الخدري في كتاب الإجازة في باب ما يُعطى في الرقية بفاتحة الكتاب، ومعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يدريك أنها رقية» فتأمله هناك. شرح صحيح البخاري (10/ 245).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
كلام الله وهو غير مخلوق، أما كونه لا يَفضُل بعضُه على بعض فهذا القول لم يُنقل عن أحد من سلف الأمة وأئمة السنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن حنبل وأمثاله، ولا عن أحد قبلهم...
ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة نصٌّ يمنع تفضيل بعضِ كلام الله على بعض، بل ولا يمنع تفاضل صفاته تعالى، بل ولا نُقل هذا النفي عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة المسلمين الذين لهم لسان صدق في الأمَّة، بحيث جُعلوا أعلامًا للسنة وأئمة للأمة.
وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض؛ بل تفضيل بعض صفاته على بعض: فدلالة الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والآثار السلفية كثيرة على ذلك. مجموع الفتاوى (17/ 76-77).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
قد عُلم أن تفاضل القرآن وغيره من كلام الله ليس باعتبار نسبته إلى المتكلِّم؛ فإنه سبحانه واحد، ولكن باعتبار معانيه التي يَتكلم بها، وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه، والذي قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فضَّل مِن السور سورة الفاتحة، وقال: «إنه لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها» والأحكام الشرعية تدل على ذلك، وقد بُسط الكلام على معانيها في غير هذا الموضع، وفضَّل مِن الآيات آيةَ الكرسي، وقال في الحديث الصحيح لأُبي بن كعب: «أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} البقرة: 255، فضرب بيده في صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر»، وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذَكر الله في أول سورة الحديد، وآخر سورة الحشر عدَّة آيات لا آية واحدة. مجموع الفتاوى (17/ 129).
قوله: «قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أُوْتِيْتُه»:
قال عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله-:
قوله: «{الْحَمْدُ لِلَّهِ} الفاتحة: 2» قال ابن عَرَفة : الرضا بالقول، يُقال: حَمَدتُ الشيء إذا رَضيتُهُ، وأَحْمَدتُهُ: إذا وجدتهُ مَرضيًّا، وقيل: الحمد: الثناء، ونقيضه: الذمُّ دون الكفران، والحمدُ أعمُّ من الشكر؛ لأنَّك تحمدُ مَنْ أنعم عليك، أو على غيرك، وِلا تشكر إلا مَن أنعم عليك، والألف واللام للجنس {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: الربُّ: السيِّدُ والمولى. درج الدرر في تفسير الآي والسور (1/ 83).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2، هي السبع المثاني والقرآن العظيم» في رواية معاذ في تفسير الأنفال: «فقال: هي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2، السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وفي حديث أبي هريرة: «فقال: إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} الحجر: 87، هي الفاتحة، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أي: السور من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة، وقيل: يونس، وعلى الأول فالمراد بالسبع الآي؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وهو قول سعيد بن جبير، وقيل: لأنها استُثنيت لهذه الأمَّة لم تنزل على مَن قبلها. فتح الباري (8/ 157).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «هِيَ السَّبع» لأنها سبع آيَات، وَإِنَّمَا سميت بالمثاني لأنها تُثنى فِي كل ركعة، قاله ابن الأَنبَاري، وقيل: لأنها مما أُثني به على الله -عز وجل- ذكره الزّجاج. كشف المشكل (4/ 162).
وقال الثعلبي -رحمه الله-:
قوله: «هي السبع المثاني» واختلف العلماء في حديث آيات هذه السورة مثاني، فقال ابن عبّاس -رضي الله عنهما- والحسن وقتادة والربيع: لأنها تُثنَّى في كل صلاة، وفي كل ركعة، وقال بعضهم: سمّيت مثاني؛ لأنها مقسومة بين الله وبين العبد قسمين اثنين، بيانه والذي يدل عليه: ما روى أبو السائب (مولى هشام بن زهرة) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غير تمام». الكشف والبيان عن تفسير القرآن (5/ 349).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «هي السبع المثاني» تفسير لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} الحجر: 87، أن المراد بها فاتحة الكتاب، وقد روي عن السلف أقوال أُخر في تفسير السبع المثاني...، ويجوز أن يكون المثاني القرآن كلُّه، كما قال تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} الزمر: 23؛ لأن الأخبار تُثنى فيه. شرح صحيح البخاري (10/ 245).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والقرآن العظيم الذي أوتيته» قال الخطابي: في قوله: «هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم، وأن الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين، وإنما هي التي تجيء بمعنى التفصيل كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} الرحمن: 68 وقوله: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} البقرة: 98 انتهى، وفيه بحث؛ لاحتمال أن يكون قوله: «والقرآن العظيم» محذوف الخبر، والتقدير: ما بعد الفاتحة مثلًا، فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله: «هي السبع المثاني» ثم عطف قوله: «والقرآن العظيم» أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، ويكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة. فتح الباري (8/ 157).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: فيه دليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من القرآن، كذا قال، وعكَس غيرُه؛ لأنه أراد السورة، ويؤيده أنه لو أراد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2 الآية لم يقل: «هي السبع المثاني»؛ لأن الآية الواحدة لا يقال لها: سبع، فدل على أنه أراد بها السورة، و«الحمد لله رب العالمين» من أسمائها، وفيه قوة لتأويل الشافعي في حديث أنس قال: «كانوا يفتتحون الصلاة بـ{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2» قال الشافعي: أراد السورة، وتُعقِّب بأن هذه السورة تُسمى سورة الحمد لله، ولا تُسمى «الحمد لله رب العالمين» وهذا الحديث يرد هذا التعقّب. فتح الباري (8/ 157).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وفيه: أن إجابة المصلي دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تُفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية وغيرهم، وفيه بحثٌ؛ لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطَب مصليًّا أو غير مصلٍّ، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة، أو لا يخرج، فليس من الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جَنَح بعض الشافعية، وهل يختص هذا الحكم بالنداء، أو يشمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث، وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك. فتح الباري (8/ 157).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليل على أن الأمر على الفور؛ لأنه عاتبه لما تأخر عن إجابته.
وفيه: دليل على لزوم العمل بمقتضى اللفظ، إلا أن يصرف عنه دليل؛ لأنه قال: «ألم يقل: {اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ}»؟ كشف المشكل (4/ 162).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والأظهر من الحديث: أن الإجابة واجبة مطلقًا في حقه -صلى الله عليه وسلم- كما يُفهم من إطلاق الآية أيضًا، ولا دلالة على البطلان وعدمه، والأصل البطلان؛ لإطلاق الأدلة، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (4/ 1459).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على أن إجابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة لا تبطلها، كما أنك تخاطبه بقولك: «السلام عليك أيها النبي» ومثله يبطل الصلاة مع غيره. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1638).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
إنَّما قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة: 2، بلا بسملة؛ لشهرة السورة بذلك، ولحصول المعرفة بذلك، دون البسملة. [الأزهار مخطوط لوح (223).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} الفاتحة: 2» قد يحتج به من لا يرى البسملة آية منها، والحمد: الثناء بجميل صفاته، والرب: المدبِّر، {الْعَالَمِينَ} كل موجود سوى الله. التوضيح (22/ 12).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: دلالة على فضيلة كلام الله تعالى بعضه على بعض، وهو الصواب، وإن كان يحتمل أن يكون المراد أعظم نفعًا للمتعبدين؛ لأنه لا تجزئ صلاة إلا بها، ولذلك قيل لها: «السبع المثاني» كما سيأتي. التوضيح (22/ 12).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن...، قال العلماء: وإنما كانت أعظم سورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القُرآن؛ ولِذا سُميت بأم القرآن. تطريز رياض الصالحين (ص: 589).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)