السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«لما قدِم النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- انْجَفَلَ الناس عليه، فكنت فيمن انْجَفَلَ، فلمَّا تبيَّنتُ وجهه، عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يقول: أَفْشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».


رواه أحمد برقم: (23784) واللفظ له، والترمذي برقم: (2485)، وابن ماجه برقم: (3251)، من حديث عبد الله بن سَلَام -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7865)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (569).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«انْجَفَلَ»:
أي: ذهبوا مسرعين نحوه، يقال: جَفَل وأَجْفَل وانْجَفَل. النهاية، لابن الأثير (1/ 279).
قال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
والجفول: سرعة العدْوِ، ويقال: جفل الظليم (ذكر النعام) وأجفل: أسرع. المجموع المغيث (1/ 335).

«أَفْشُوا»:
«أفشوا السلام» بقطع همزه، مفتوحة. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 143).
أي: أظهروا وأكثروا. شرح المصابيح، لابن الملك (2/ 473).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
يُقال: فشا الشيء، يفشو فشوًّا: إذا ظهر. لسان العرب (15/ 155).
يكتفى بما سبق لتجنب كثرة النقل في الغريب؛ ولتكرارها قول ابن علان في الشرح

«الأَرْحَام»:
الأرحام: جمع رحم، بوزن كَتِف...، والرحم: القرابة. المطلع على ألفاظ المقنع، للبعلي (ص: 370).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب. النهاية (2/ 210).


شرح الحديث


قوله: «لما قدِم النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- انْجَفَلَ الناس عليه»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«انْجَفَلَ الناس» أي: ذهبوا مُسرعين نحوه. قوت المغتذي (2/ 599).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقع عند أحمد والترمذي وصححه هو والحاكم من طريق زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال: «لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة انجفل الناس إليه، فجئت في الناس؛ لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب» الحديث، قال العماد ابن كثير: ظاهر هذا السياق يعني: سياق أحمد، لحديث عبد الله بن سلام، ولفظه: «لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة انجفل الناس لقدومه، فكنتُ فيمن انجفل» أنه اجتمع به لما قدِمَ قباء، وظاهر حديث أنس: أنه اجتمع به بعد أنْ نزل بدار أبي أيوب، قال: فيحمل على أنه اجتمع به مرتين.
قلتُ: ليس في الأول تعيين قباء، فالظاهر: الاتحاد. فتح الباري (7/ 252).

قوله: «فلما تَبَيَّنتُ وجهه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «تبينت» أي: تكلَّفتُ في البيان، وتأملتُ إما بعلامات مذكورة في الكتب، أو بالتثبت في النظر، والتفرُّس بأمارات لائحة في السِيْمَاء (العلامة)، وينصر هذا قوله: «عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب»، ولو أريد الأول لقيل: عرفتُ أنه النبي الموعود، وأنشد ابن رواحة في المعنى:
لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بداهته تُنْبِئُك عن خبره.
الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1550).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: أبصرتُ وجهه ظاهرًا، وقيل: تأملتُ وتفرَّسْتُ بأمارات لائحة في سيماه، وأصل معناه: تكلَّفتُ في البيان. مرقاة المفاتيح (4/ 1340).

قوله: «عرفتُ أنَّ وجهه ليس بوجه كذَّاب»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ليس بوجه كذاب» بالإضافة، ويُنَوَّن، أي: بوجهٍ ذي كذب، فإن الظاهر عنوان الباطن. مرقاة المفاتيح (4/ 1340).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ليس بوجه كذاب» لما لاح عليه من سَوَاطِع أنوار النبوة، وإذا كان أهل الصلاح والصلاة في الليل يعرفون بوجوههم...، فكيف هو؟! وهو سيدهم -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه-. كفاية الحاجة (1/ 401).

قوله: «فكان أوَّلُ شيءٍ سمعته»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أولُ شيءٍ» بالرفع اسم (كان)، وخبرها: المصدر المنسبك من قوله: «أنْ قال»، أي: فكان أول شيء سمعته من كلامه قوله -صلى الله عليه وسلم-، والأولى نصبُ «أول» على أنَّه خبر مُقدَّم لـ(كان)؛ لما عرف عندهم. مرشد ذوي الحجا (19/ 161).

قوله: «أَفشوا السلام»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أفشوا» بقطع الهمزة، أي: أشيعوا وانشروا. دليل الفالحين (5/ 326).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَفْشُوا السَّلامَ» أي: أظهروه وأكثروه على من تعرفونه، ومن لا تعرفونه. مرقاة المفاتيح (4/ 1340).
وقال المغربي -رحمه الله-:
المراد: نشر السلام بين الناس؛ لإحياء سنته، ولو لغير معروف. البدر التمام (10/ 365).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أظهروه وعُمُّوا به المؤمنين، ولا تخصُّوا به المعارف؛ إحياءً للسُّنة، ونشرًا للأمان بين الأمة، وقصدًا إلى التحابُبِ والتوادُدِ، واستكثارًا للإخوان؛ لأن كلمته إذا صدرت أخلصت القلوب الواعية لها عن النُّفْرَةِ إلى الإقبال عليها، وهي أول كلمة تفاوض فيها آدم مع الملائكة. فيض القدير (1/ 552).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «أفشوا» هذا مطلق، لكنه مقيَّد بما إذا كان الـمُسَلَّم عليه أهلًا للسلام عليه، فأما إذا كان كافرًا، فلا تُفْشِيْ السلام عليه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام». فتح ذي الجلال والإكرام (6/441).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
إفشاء السلام له معنيان:
المعنى الأول: الإكثار منه، أنْ يسلِّم الإنسان على كل من لَقِيَهُ عرفه أم لم يعرفه، وسلام المعرفة فيه نقص في الإخلاص...، (و) المخلص هو الذي يُسلِّم على من عرف ومن لم يعرف.
المعنى الثاني -من إفشاء السلام-: إظهاره باللفظ، بمعنى: أنْ تُسلِّم سلامًا يسمعه من تُسَلِّمُ عليه...، وهل الأفضل أن يكون بصوت أكثر مما يسمع أو بصوت بقدر ما يسمع؟ الظاهر: الأول، إلا إذا كان رفعًا خارجًا عن الأدب، فهنا لا ينبغي. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 440-441).
وقال النووي -رحمه الله-:
أقل السلام الذي يصير به مُسَلِّمًا مُؤَدِّيًا سُنَّة السلام: أنْ يرفع صوته بحيث يسمع الـمُسَلَّم عليه، فإنْ لم يسمعه لم يكن آتيًا بالسلام، فلا يجب الرَّدُّ عليه، وأقل ما يسقط به فرض رَدِّ السلام: أن يرفع صوته بحيث يسمعه الْمُسَلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرَّدِّ، ذكرهما أبو سعد المتولي وغيره.
قلتُ: والمستحب أن يرفع صوته رفعًا يسمعه به الـمُسَلَّم عليه، أو عليهم سماعًا محقَّقًا، وإذا تشكَّكَ في أنه يُسمعُهُم زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسُّنة أنْ يخفض صوته، بحيث يحصل سماع الأيقاظ، ولا يستيقظ النيام. الأذكار (ص:407).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سِرًّا، بل يشترط الجهر، وأقلُّه أنْ يسمع في الابتداء، وفي الجواب، ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه. فتح الباري (11/ 19).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
الابتداء به (يعني: السلام) سنة، والرَّدُّ واجب كفاية، على الأصح. دليل الفالحين (5/ 326).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإن لقي جماعة يُسلِّم عليهم جميعًا، ويكرهُ أنْ يخص أحدهم بالسلام؛ لأنه يُوَلِّدُ الوحشة، ومشروعية السلام لِجَلْبِ التَّحابِّ والألفة، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ألا أدلُّكُم على ما تحابُّون به؟ أفشوا السلام بينكم»، ويُشرع السلام عند القيام من الموقف، كما يشرع عند الدخول؛ لما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى أحق من الآخرة». سبل السلام (2/ 694).

قوله: «وأَطْعِمُوا الطَّعامَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وأطعموا» بهمزة قطع «الطعام» للخاصِّ والعامِّ، البر والفاجر. فيض القدير (1/ 552).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وأطعموا الطعام» أي: تصدقوا بما فضُل عن حاجة من تلزَمُكم مؤْنته. السراج المنير (1/ 232).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأطعموا الطعام» أي: لنحو المساكين والأيتام. مرقاة المفاتيح (4/ 1341).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وأطمعوا الطعام» ندبًا في نحو الضيافة، وفرض كفاية لِسَدِّ حاجة المحتاج. دليل الفالحين (5/ 326).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
أراد به: قَدْرًا زائدًا على الواجب في الزكاة، سواء فيه الصدقة والهدية والضيافة. مرعاة المفاتيح (6/ 342).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «وأطعموا الطعام» ظاهره: عموم الإطعام لمن يجب عليه إنفاقه، أو من يلزمه إطعامه ولو عُرفًا وعادة، وكالصدقة على السائل للطعام وغيره، إذا أريد به العموم، فالأمر محمول على فعل ما هو أولى من تركه؛ ليشمل الواجب والمندوب. البدر التمام (10/ 369).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وأطعموا الطعام» يعني: من يحتاج إليه، فيشمل هذا إطعام الجائع، وإطعام من تجب عليك نفقته، وإطعام المساكين في الكفارات ونحوها، فهو عامٌّ شامل لإطعام الطعام الواجب، وإطعام الطعام المستحب.
وقوله: «الطعام» هل المراد بالطعام: الشراب أو ما يؤكل؟
يشمل هذا وهذا؛ لأن ما يُشرَبُ يُسَمَّى طعامًا، قال الله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} البقرة: 249؛ ولأن الشراب له طعم، لكن الأكل والشرب يختلفان، فالشرب يكون في المائعات، والأكل في الجامدات. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 441-442).

قوله: «وصِلُوا الأرحامَ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وصِلوا» بكسر المهملة، من وصل يصِل وصْلًا وَصِلَةً «الأرحام»: جمع رحم بفتح أوله، وكسر ثانية، وبكسر أوله، وسكون ثانية، وهي: القرابة، يُقال: وصل رحمه، أي: أحسن إلى الأقربين إليه من ذوي النسب، وعطف عليهم، ورفق بهم. مرعاة المفاتيح (6/ 342).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأرحام: جمع رحم، وهم القرابات، قال أهل العلم: والقرابة من الجد الرابع فما دونه. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 441).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وصلوا الأرحام» أي: ولو بالسلام. مرقاة المفاتيح (4/ 1341).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«وصلة الأرحام» هي البِرُّ بالأقارب. الفتح الرباني (4/ 234).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
النصوص لصلة الأرحام لم تُعَيِّن صِلة معينة، وعلى هذا: فيرجع فيه إلى العرف؛ كما قيل في القواعد:
وكل ما أتى ولم يحدَّدِ *** بالشرع كالحِرْز فبالعُرْف احددِ
لم يبين كيف تكون الصلة، وعلى هذا: فيرجع فيها إلى العرف، وإذا رجعنا فيها إلى العرف صارت تختلف باختلاف القرابة، فصلة الأقرب أوكد من صلة الأبعد.
ثانيًا: للحاجة، فصلة المحتاج أوكد من صلة المستغني.
ثالثًا: بالحال النفسية، بعض القرابات لا يهمه أن تصله في الشهر مرة، أو في السنة مرة، وبعض القرابات يريد أن تصله كل أسبوع؛ ولهذا إذا فقدك في أسبوع قال: لماذا لم تزرني؟ فهو إذن يختلف باختلاف ما يتعلق بالنفوس، فعليه يقول: كلما كان هناك صلة حسب الاختلاف الذي ذكرنا فهو داخل في قوله: «صلوا الأرحام»، وهل من الأرحام الأصهار؟ لا، الأصهار -يعني: أقارب الزوج أو الزوجة- ليسوا من الأرحام إلا أن يكونوا من بني العم؛ فحينئذٍ يكونون من الأرحام. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 441).

قوله: «وصَلُّوا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وصلَّوا..» يشمل الفريضة والنافلة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 442).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: التهجد، بأنْ يكون بعد نوم، أو ائتوا بها فيه مطلقًا. دليل الفالحين (6/ 636).
وقال المغربي -رحمه الله-:
يحتمل: أنْ يريد بها: قيام الليل المندوب، أو ما يشمل صلاة العشاء الآخرة، فإنه كما جاء في الحديث: «إنكم تنتظرون صلاة ما انتظرها غيركم من أهل الأديان». البدر التمام (10/ 369).

قوله: «والنَّاسُ نِيَامٌ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«والناس نيام» جملة حالية من فاعل «صلوا». دليل الفالحين (5/ 326).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«نيام» بكسر النون: جمع نائم، أو مصدر بمعنى اسم فاعل. مرعاة المفاتيح (6/ 342).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«والناس نيام»؛ لأنه وقت الغفلة، فلأرباب الحضور مزيد المثوبة، أو لبعده عن الرياء والسمعة. مرقاة المفاتيح (4/ 1341).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«والناس نيام» لأن هجر المصلي فراشه، وإِدْآبَ نفسه في طاعة ربه، وحرمان نفسه لذيذ المنام شديد؛ فلذا جُوْزِيَ من محض الفضل بقوله: «تدخلوا الجنة بسلام». دليل الفالحين (5/ 326).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد بالناس...: أهل الكتابين. التنوير (2/ 420).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من المراد بالناس؟ المراد بهم: الذين لا يصلون، سواء كانوا من المسلمين أو كانوا من الكافرين؛ لأنه يوجد بعض المسلمين لا يصلون الصبح إلا إذا قام ولو بعد طلوع الشمس، وكذلك في العشاء ينامون عنها. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 442).

قوله: «تدخُلُوا الجنَّةَ بسلامٍ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«تدخلوا» بالجزم، جواب الأمر. فيض القدير (1/ 552).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وهل هو مجزوم بصيغة الأمر أم بشرط مقدَّر؟ بعض النحويين يقول: إنه مجزوم بشرط مُقدَّر، والتقدير: إنْ تفعلوا تدخلوا، وبعضهم يقول: إنه مجزوم بنفس الفعل فعل الطلب، والخلاف قريب من اللفظ؛ لأنهم متفقون على أن الفعل إذا وقع جوابًا للطلب فهو مجزوم. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 442).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «تدخلوا الجنة بسلام» جواب لمقدَّر، أي: إن فعلتم ما ذكر تدخلوها مُتلبِّسين بالسلام من الآفات التي تكون في غيرها، وبه سُمِّيَتْ دار السلام على أحد الأقوال.
والمراد: دخولها مع الناجين، وإلا فدخولها لأهل الإيمان واجب بالوعد الذي لا يخلف.
ويحتمل: أن المراد: مطلق دخولها مع الناجين، فيكون فيه تبشير فاعل هذه الأمور بالموت على الإسلام؛ ليكون من أهلها. دليل الفالحين (5/ 326).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «تدخلوا الجنة بسلام» يعني: أنَّ هذه الخصال من أرجى ما يُنَال به الجنة، سالمين من جميع مخاوف الآخرة، وإن كان لا بد من استكمال الواجبات، واجتناب المحرمات.
أو المراد: أنها سبب للتوفيق لأداء غيرها من المشروعات، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت: 45 -والله سبحانه وتعالى أعلم-. البدر التمام (10/ 369).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «تدخلوا الجنة بسلام» إخبار بأنَّ هذه الأفعال من أسباب دخول الجنة، وكأنَّه بسببها يحصل لفاعلها التوفيق، وتجنب ما يوبقها من الأعمال، وحصول الخاتمة الصالحة. سبل السلام (2/ 694).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الجنة بسلام» أي: إذا فعلتم ذلك، ودمتم عليه، وشملتكم الرحمة، يقال لكم: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} الزمر: 73، آمنين، {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} الزخرف: 68. فيض القدير (1/ 552).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بسلام» أي: من الله، أو من ملائكته من مكروه، أو تَعَبٍ ومشقة. مرقاة المفاتيح (4/ 1341).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«بسلامٍ» ظاهره: أنه بلا عقاب ولا عذاب؛ لأن مَن عُذِّبَ لم يَسْلَم. شرح رياض الصالحين (5/ 201).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «بسلام» يحتمل: أن يكون المعنى: أن تدخلوا الجنة وأنتم سالمون.
ويحتمل: أن يكون معنى بسلام: أنه يسلم عليكم، فتكون الباء للمصاحبة؛ لأن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، ويقولون: سلام عليكم بما صبرتم، وإذا كان اللفظ يحتمل معنيين لا منافاة بينهما؛ فيُحْمل عليهما جميعًا، فهم يدخلون الجنة سالمين من كل سوء، ومن كل عيب، حاضرًا ومستقبلًا، وهم أيضًا يدخلون الجنة والملائكة يتلقونهم بالسلام. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 442).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وكان من مقالته ما هو جامع لمكارم الأخلاق من حُسْنِ المعاشرة مع الخلق بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، ومع الحق بالتقرب إليه بالتهجد، قال الله تعالى: «ما يزال العبد يتقرب إِلَيَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ له سمعًا وبصرًا» الحديث. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1551).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فائدة (إفشاء السلام): شيوع المحبة بين الخَلْق بائتلاف الكلمة، فتعم المصلحة، وتقع المعاونة، وتظهر شعائر الدين، وتُخزى زمرة الكافرين، ويعين على ذلك ويتضمنه قيام بعضهم على بعض بحقوقهم...، فإنها كلمة إذا صدرت أخلصت القلوب الواعية لها عن النُّفرة إلى الإقبال عليها، ويرزق القبول فيها، وهي أول كلمة تفاوض فيها آدم مع الملائكة، فإنه لما خلقه الله قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة، فسلِّم عليهم، فاستمع ما يجيبونك به، فإنها تحيَّتك وتحية ذريتك، فقال لهم: السلام عليكم، فقالت له الملائكة: وعليك السلام ورحمة الله. عارضة الأحوذي (10/116-117).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه: بشارة لفاعل مجموع ذلك بالدخول لها (يعني: الجنة) ابتداء -والله أعلم-. دليل الفالحين (6/ 636).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد، منها:
إثبات الأسباب؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذكر إفشاء السلام، وصلة الأرحام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل، أربعة أسباب لدخول الجنة، فيكون في هذا إثبات الأسباب، وهو أمر معلوم بالشرع، ومعلوم بالفطرة والحِسِّ ولا أحد ينكره...
ومن فوائد الحديث: الحث على إفشاء السلام، وجه ذلك: أنَّ إفشاء السلام من أسباب دخول الجنة.
ومن فوائد الحديث: الحث على صلة الأرحام؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جعلها من أسباب دخول الجنة...
ومن فوائد الحديث: الحث على إطعام الطعام؛ لأن الرسول جعله من أسباب دخول الجنة.
ومن فوائد الحديث: فضيلة قيام الإنسان بالعبادة على حين غفلة الناس؛ لقوله: «صلوا بالليل والناس نيام»؛ لأن جملة: «والناس نيام» هذه حال.
ومن فوائد الحديث: أنه من المعلوم أن الليل محل النوم؛ لقوله: «والناس نيام»، وهذا هو الموافق للفطرة؛ ولما خلق الله -عزَّ وجلَّ- من اختلاف الزمان، ولكن مع الأسف أن الناس في عصرنا هذا -ولا سيما من قريب- جعلوا ليلهم نهارًا، ونهارهم ليلًا...
ومن فوائد الحديث: جواز السجع في الكلام، فإننا إذا تأملنا الجمل وجدناها سجعًا: «السلام» «الأرحام» «الطعام» «نيام» «سلام»، وقد جاء ذلك أيضًا في أحاديث أخرى؛ مثل: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق»، ولا شك أنَّ السجع يُزَيِّنُ الكلام، ويُرَغِّبُ في الاستماع إليه، لكن بشرط ألا يكون مُتَكَلَّفًا، وضابط السجع الْمُتَكَلَّف: أن يُعْذِبَ الإنسان الألفاظ، ويأتي بألفاظ غريبة صعبة الفهم، أو بألفاظ يحصل بها مع ما إلى جانبها من الكلمات تناقض، فهنا لا ينبغي السجع، أما إذا جاء عفوًا بمقتضى الطبيعة هذا طيب لا شك. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 442-445).


إبلاغ عن خطأ