«مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ، لم تُقبل له صلاةٌ أربعين ليلة».
رواه مسلم برقم: (2230) واللفظ له عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورواه أحمد برقم: (16638) بلفظ: «مَن أتى عرَّافًا فصدَّقه بما يقولُ، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«عَرَّافًا»:
أراد بالعَرَّاف: المنَجِّم أو الحازي الذي يدَّعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به. النهاية، لابن الأثير (3/ 218).
وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
العرَّاف كالكاهن، إلّا أنّ العرَّاف يختص بمن يخبر بالأحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر بالأحوال الماضية. المفردات (ص: 562).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «مَن أَتَى عَرَّافًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مَن» شرطية، فهي للعموم. القول المفيد(1/ 532).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مَن أَتَى» هذا عامٌّ مخصوصٌ بالصبي والمجنون والْمُكره. الأزهار مخطوط لوح (115).
وقال البغوي -رحمه الله-:
العَرَّاف: هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق مَن الذي سرقه، ومعرفة مكان الضالة، وتُتَّهم المرأة بالزنا، فيقول مَن صاحبها، ونحو ذلك من الأمور. شرح السنة (12/ 182).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
العرَّاف:...مَن يستخرج الوقوف على المغيبات بضربٍ من فعل أو قول. فتح الباري (10/ 217).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
العَرَّاف قد قيل: إنه اسم عام للكاهن والمنجِّم والرمَّال ونحوهم ممن يتكلم في تقدُّم المعرفة بهذه الطرق. مجموع الفتاوى (35/ 173).
وقال ابن أبي العز -رحمه الله-:
المنجِّم يَدخل في اسم العرَّاف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه. شرح الطحاوية (ص: 502).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «مَن أتى عرَّافًا» قد عرفتَ معنى العراف، وأنه أحد أنواع الكهنة، وأنَّ المراد به في هذا الحديث ما يشمل العرَّاف والكاهن والمنجِّم. لمعات التنقيح (7/ 546).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
العرَّاف: صيغة مبالغة مِن العارف، أو نسبة، أي: من ينتسب إلى العِرَافة.
والعَرَّاف قيل: هو الكاهن، وهو الذي يُخبر عن المستقبل.
وقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجِّم والرمَّال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق؛ إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كلَّ مَن تعاطى هذه الأمور، وادعى بها المعرفة. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 532).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الفرق بين الكاهن والعرَّاف: أنَّ الكاهن إنَّما يتعاطى الخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار.
والعرَّاف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما من الأمور. معالم السنن (3/ 104).
قوله: «فَسَأَلَهُ عن شيءٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فسأله عن شيء» أي: على وجه التصديق، بخلاف مَن سأله على وجه الاستهزاء أو التكذيب، وأَطْلَق؛ مبالغة في التنفير عنه، والجملة احتراز عمَّن أتاه لحاجة أخرى. مرقاة المفاتيح (7/ 2905).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فسأله عن شيء» من المغيبات عنه، وصدَّقه فيما أخبر به. الكوكب الوهاج (22/ 336).
وقال المظهري -رحمه الله-:
إنْ أتى أحد عرافًا، فسأله شيئًا، فأخبره عن غيب، فإنْ صدَّقه في ذلك الخبر فهو كافر حتى يجدد الإيمان، ولا تُقبل له صلاة ولا غيرها من الطاعات قبل أن يجدد الإيمان.
وإن لم يصدِّقه فلم يَكْفُرْ، ولكن لا تُقبل كمال صلاته وغيرها من الطاعة أربعين يومًا، كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-. المفاتيح (5/ 99).
قوله: «لم تُقبل له صلاةٌ أربعين ليلة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لم تُقبل» بالبناء للمجهول. البحر المحيط الثجاج (36/ 451).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لم تُقبل له» بصيغة التأنيث، وجُوِّز تذكيره، أي: قبول كمال، حيث لا يترتب عليه الثواب، أو تضاعفه، وهو الأظهر الأقرب إلى الصواب. مرقاة المفاتيح (7/ 2905).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لم تُقبل له» أي: للسائل. التنوير (10/ 19).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله-:
قوله: «لم تُقبل له صلاة» إذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسؤول؟! فتح المجيد(ص: 295).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» فكيف بغيرها من العبادة؟! لمعات التنقيح (7/ 546).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
عدم قبول صلاته عقوبة مجرد السؤال، فإنْ صَدَّقَهُ فيما قال كَفَر، كما يفيده الحديث الآتي (يعني حديث: «من أتى كاهنًا أو عرافًا...»). التنوير (10/ 19).
وقال المناوي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ ذا وما أشبهه كمَن شرب الخمر يلزمه الصلاة وإن لم تُقبل. فيض القدير (6/ 22).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وخَصَّ الليلة؛ لأن من عاداتهم ابتداء الحساب بالليالي. فيض القدير (6/ 22).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
تخصيص الصلاة من بين الأعمال يحتمل أنْ يكون لكونها عماد الدين، فيكون صيامه وغيره كذلك، أو يفوض علمه إلى الشارع، قيل: ذكر العدد هنا للتكثير، وهذا في حق من اعتقد صدق العراف، لا في حق من سأل للاستهزاء أو للتكذيب. شرح المصابيح (5/ 126).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
نفي القبول هل هو نفي للصحة أو لا؟
اختُلف في ذلك لاختلاف الأدلة، والصواب أن يقال: إن الدليل النافي للقبول على أربعة أقسام:
الأول: أن يكون لانتفاء أمر وجودي؛ مثل: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» ومثل: «لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل» ونحو ذلك، فالنفي للقبول هنا نفي للصحة قطعًا؛ لأنه علَّق قبوله على أمر مطلوب، ولم يحصل فتعين بطلان المنفي.
الثاني: أن يكون لمعنى يقتضي مناقضة المنفي، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقبل الله صدقة من غلولٍ» فإن في الغلول معنى ينافي معنى الصدقة؛ إذ المقصود من الصدقة الإحسان، وصرفها من الغلول إساءة كبرى، وهذا أيضًا كالأول، وقد يقال: إنه منه، فإن الصدقة تبرُّع، ولا يصح إلا من مالك، والغالُّ ليس بمالك، فنفي قبول الصدقة لانتفاء الملك، وهو أمر وجودي.
القسم الثالث: أن يكون لغير ذلك، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من شرب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا» فنفي القبول هنا يراد به -والله أعلم- أن في هذا شرًّا كبيرًا يقابل ثواب الصلاة هذه المدة، ولا يقتضي البطلان، ومثل هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أتى عرافًا فسأله، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» رواه مسلم.
القسم الرابع: أن يكون الأمر مترددًا بين تلك الأقسام، فإن كان أكثر شبهًا بأحدها أُلْحِقَ به؛ ولذلك تجد العلماء مختلفين في هذا القسم.
فمن ذلك: ما ورد في العبد الآبق، والمرأة الساخط عليها زوجها، وإمام القوم المكروه بينهم أن صلاتهم لا تجاوز آذانهم. المنتقى من فرائد الفوائد(ص: 49-51).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
تخصيصه -صلى الله عليه وسلم- الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع، منها: قوله في شارب الخمر: «لا تقبل له صلاة أربعين يومًا» وقوله: «والذي نفسي بيده إنه ليُجمع خَلْقُ أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك» وقوله: «مَن أخلص لله أربعين، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} البقرة: 51، ومنه توقيته -صلى الله عليه وسلم- في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة ألا تُترك أكثر من أربعين ليلة.
فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص هو سرٌّ من أسرار الشريعة لم يطلع عليه نصًا، غير أنه قد تَنَسَّم منه بعض علمائنا أمرًا تسكن النفس إليه، وذلك أنه قال: إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خُصَّ بالذكر؛ لأنه مدة يكمل فيها ما ضُربت له، فينتقل إلى غيره، ويحصل فيها تبدُّله وبيانه بانتقال أطوار الخلقة في كل أربعين منها يكمل فيها طور، فينتقل عند انتهائه إلى غيره، كما قد نص عليه في الحديث، وكذلك في الأربعين الميعادية (يعني: التي وعد بها بنو إسرائيل) أُمِرَ بنو إسرائيل أنْ يكملوا تهيؤهم لسماع كلام الله، فكمل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية (يعني: التي يخلص فيها العبد)، وأما أربعون شارب الخمر، فليتبدل لحم شارب الخمر بغيره، ويؤيده أنَّ أهل التجارب قالوا: إن السِّمَن يظهر في الحيوان في أربعين يومًا، وقريب من هذا: الأربعون المضروبة لخصال الفطرة؛ لأنها عند انتهائها يكمل فحشها واستقذارها، فينبغي أن تغيَّر عن حالها.
وأما أربعون إتيان العراف فلأنها -والله أعلم- المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها، وفي جوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 636-637).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام القرطبي:
هو بحث جيد، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (36/ 455).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أما تقيده بالأربعين فلا يُعرَف وجهه، وما يَذكر الشراح تخمين بلا دليل. التنوير (10/ 19).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
تخصيص هذا العدد لا يمكننا أنْ نعلله؛ لأن الشيء المقدر بعدد لا يستطيع الإنسان غالبًا أنْ يعرف حكمته، فكون الصلاة خمس صلوات أو خمسين لا نعلم لماذا خصصت بذلك، فهذا من الأمور التي يُقصد بها التعبد لله، والتعبد لله بما لا تعرف حكمته أبلغ من التعبد له بما تعرف حكمته؛ لأنه أبلغ في التذلل، صحيح أن الإنسان إذا عرف الحكمة اطمأنت نفسه أكثر، لكن كون الإنسان ينقاد لما لا يعرف حكمته دليل على كمال الانقياد، والتعبد لله -عز وجل- فهو من حيث العبودية أبلغ وأكمل، أما ذاك فهو من حيث الطمأنينة إلى الحكم يكون أبلغ؛ لأن النفس إذا عَلِمَت بالحكمة في شيء اطمأنت إليه بلا شك، وازدادت أخذًا له وقبولًا، فهناك أشياء مما عيَّنَه الشرع بعدد أو كيفية لا نعلم ما الحكمة فيه، ولكن سبيلنا أن نكون كما قال الله تعالى عن المؤمنين: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب:36، فعلينا التسليم والانقياد وتفويض الأمر إلى الله تعالى. القول المفيد(1/ 536-537).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهره (يعني: الحديث) أنَّ صلاته في هذه الأربعين تُحبط وتَبطل، وهو خارج على أصول الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب، وقد بينَّا فساد هذا الأصل فيما تقدم، وأنه لا يُحبط الأعمال إلا الردة، وأما غيرها فالحسنات تُبطل السيئات كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فليس معنى قوله: «لا تُقبل له صلاة» أنْ تحبط، بل إنما معناه -والله أعلم-: أنها لا تُقبل قبول الرضا، وتضعيف الأجر، لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها فقد برئت ذمَّته من المطالبة بالصلاة، وتَقصَّى عن عُهْدَةِ الخِطَاب بها، ويفوته قبول الرضا عنه وإكرامه وثوابه، ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض، ولله المثل الأعلى؛ وذلك أن الـمُهدي إما مردود عليه، أو مقبول منه، والمقبول إما مقرَّب مُكْرَم مُثَاب، وإما ليس كذلك، فالأول هو الْمُبْعَد المطرود، والثاني هو المقبول القبول التام الكامل، والثالث لا يَصْدُق عليه أنه مثل الأول، فإنه لم تردَّ هديته، بل قد التُفت إليه، وقُبلت منه، لكنه لَمَّا لم يُثَب ولم يُقَرَّب صار كأنه غير مقبول منه، فيصْدُق عليه أنه لم يُقبل منه؛ إذ لم يحصل له ثواب ولا إكرام. المفهم (5/ 635-636).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
كلام القرطبي هذا فيه نظر لا يخفى، فكلامه يدل على أنَّ هذا الذي قرره في كلامه المذكور مذهب أهل السُّنة والجماعة، وهو غير صحيح، فقد قال بعدم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة أحمد بن حنبل، وكذا قال غيرها في غيرها، فهل يقول القرطبي هذا الكلام في حديث: «لا يَقبل الله صلاة مَن أحدث حتى يتوضأ»، لا تُقبل صلاته قبول الرضا، وتكون مجزئة؟ هيهات، وهل يقول مثل هذا في حديث: «لا تُقبل صلاة حائض إلا بخمار» أي: قبول الرضا، وتجزئها؟ هيهات، وقس على هذا.
والحاصل: أنَّ كون عدم القبول كناية عن عدم الإجزاء هو الواضح، ومثله في الصلاة في الدار المغصوبة، وصلاة الآبق (وهو العبد الذي فرَّ من سيده) وصلاة شارب الخمر وغير ذلك، فكلها معناه: أنها لا تُجزئ، بل تجب إعادتها، وقد أوضحت هذا في التحفة المرضية في الأصول، وشرحها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. البحر المحيط الثجاج (36/ 454).
وقال النووي -رحمه الله-:
أمَّا عدم قبول صلاته فمعناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقِطة للقضاء، ولكن لا ثواب فيها، كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أُتي بها على وجهها الكامل تَرَتَّب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أدَّاها في أرض مغصوبة، حصل الأول دون الثاني، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإنَّ العلماء متَّفقون على أنَّه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلوات أربعين ليلة، فوجب تأويله، والله أعلم. المنهاج (14/ 227).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا النووي:
قلتُ: وجوب تأويله مُسَلَّم، لكن تأويله المذكور غير مُتَعين، فإنَّ مذهب أهل السُّنة أن الحسنات لا تُبطلها السيئات إلا الردة، مع الإجماع على عدم لزوم الإعادة حتى في الردة إذا عاد إلى الإسلام إلا الحج، فإنه فرض العُمر، ثم مفهوم التأويل السابق أنه لو صلى النفل يكون له ثواب، وكذا الفرض؛ لأنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا، نعم، التضاعف من فضله -سبحانه وتعالى-، فإذا فعل العبد ما يوجِب غضبه تعالى، فله إسقاط المضاعفة الزائدة على مقتضى العدل، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (7/ 2905).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
القول بإجزاء تلك الصلاة محل نظر، فأين الدليل على ذلك؟ بل الظاهر أنها غير مجزئة، وماذا يفعل النووي ومن يرى رأيه بحديث: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه؟ فهل إذا صلى تجزئه؟ هيهات، وكذا حديث: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»؟ حديث صحيح رواه أبو داود، فهل لو صلت المرأة بغير خمار يجزئها؟ هيهات، وهل بين هذه النصوص فرق؟ هيهات، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (36/ 452).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ظاهر الحديث أنَّ مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يومًا، ولكنه ليس على إطلاقه، فسؤال العرَّاف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أنْ يسأله سؤالًا مجردًا، فهذا حرام؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أتى عرافًا»، فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه؛ إذ لا عقوبة إلا على فعلٍ محرَّم.
القسم الثاني: أنْ يسأله فيصدِّقه، ويَعتبر قوله، فهذا كُفر؛ لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} النمل: 65.
القسم الثالث: أنْ يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله، فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث، وقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن صَيَّاد، فقال: «ماذا خبَّأتُ لك؟ قال: الدُّخ، فقال: اخسأ، فلن تَعْدُو قدرك»، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سأله عن شيء أضمره له؛ لأجل أن يختبره، فأخبره به (وكان النبي قد أضمر له في صدره الشريف {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} الدخان: 10، (كما هو عند الإمام أحمد).
القسم الرابع: أنْ يسأله ليُظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا، وإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكود واجبًا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصَّل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى. القول المفيد (1/ 533-534).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن القاسم -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: أنَّ الوعيد مرتب على مجيئه، سواء صدَّقه، أو شك في خبره؛ لأن إتيان الكهان منهي عنه. حاشية كتاب التوحيد (ص: 203).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا يدل على أنَّ السؤال المجرد نفسه لا يجوز؛ لأنه وسيلة للتصديق؛ ولأن في سؤالهم إظهارًا لشأنهم، وتعظيمًا لقدرهم، وفي هجرهم وترك سؤالهم تناسيًا لهم، وإذلالًا لهم. التعليقات البازية على كتاب التوحيد (ص: 45).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده:
منها: بيان أنَّ إتيان العرافين كبيرة، يمنع من قبول الصلاة أربعين ليلة. البحر المحيط الثجاج (36/ 453).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)