السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«لا تقوم الساعةُ حتى تطلع الشمسُ مِنْ مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حين: {لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158، ولَتَقُومَنَّ السَّاعةُ وقد نشر الرَّجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعةُ وقدِ انصرف الرَّجلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ، فلا يطعمه، ولَتَقُومَنَّ الساعة وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ، فلا يسقي فيه، ولَتَقُومَنَّ السَّاعةُ وقد رَفَعَ أحدكم أُكْلَتَهُ إلى فيه، فلا يطعمها».


رواه البخاري برقم: (6506) واللفظ له، ومسلم برقم: (2954) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لِقْحَتَهُ»:
اللِّقْحة، بالكسر والفتح: النَّاقة القريبة العهد بالنَّتاج، والجمع: لِقَحٌ، وقد لَقِحَتْ لَقْحاً ولقاحاً، وناقةٌ لَقُوح: إِذا كانت غزِيرة اللَّبَن، وناقةٌ لاقحٌ، إِذا كانت حاملاً، ونوقٌ لَوَاقِحُ، واللِّقَاح: ذوات الألبان، الواحدة: لَقُوح، وقد تكرر ذكره في الحديث مفرداً ومجموعًا. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (4/ 262).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
اللِّقْحَة: الناقة الحلوب، فإذا جُعِل نعتًا، قيل: ناقةٌ لَقُوح، ولا يقال: ناقةٌ لِقْحةٌ. العين (3/ 47).

«يَلِيطُ»:
أي: يصلحه، ويميله، ويُطَيِّنه، يريد: أن قيام الساعة تكون بغتة. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 526).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
يُقال: لاط الحوض بالطين لوطًا: طَيَّنه، والتاطه: لاطه لنفسه خاصة،
وقال اللحياني: لاط فلان بالحوض، أي: طلاه بالطين، ومَلَّسه به، فعَدَّى "لاط" بالباء. لسان العرب(7/ 394).

«أُكْلَته»:
الأُكلة: بالضم اللقْمة، تقول: أكلت أُكْلَةً واحدة، أي: لقمةً. الصحاح، للجوهري (4/ 1624).


شرح الحديث


قوله: «لا تقوم السَّاعة حتى تطلع الشمس من مغربها»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لا تقوم الساعة» يعني: ساعة البعث، والساعة تقوم إذا أنهى -تبارك وتعالى- هذا العالم. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 621).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
السَّاعة: القيامة، سُميت بذلك؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وبديهة، كما تقول: "في ساعة" لمن تستعجله، وجرت عَلَمًا لها، كالنجم للثريا، والكوكب للزهرة. الكشاف (3/ 493).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى تطلُع» بضم اللام: مضارع طلَع بفتحها، يقال: طَلَعَ يَطْلُعُ طُلُوعًا، من باب: قعد يقعُد قعودًا، ومَطْلَعًا بفتح اللام، وكسرها، وكل ما بدا لك من عُلُوٍّ فقد طلع عليك، وطلعْت الجبل طلوعًا يتعدَّى بنفسه، أي: عَلَوْتُهُ، وطلعت فيه: رَقَيْتُهُ. البحر المحيط الثجاج (4/ 308).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من مغربها» أي: من أفق غروبها؛ إشعارًا بأنَّ الدنيا قد قرُب انتهاؤها. الكوكب الوهاج (4/ 112).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ما الحِكَمُ في طلوعها من المغرب؟
قلتُ: الحكمة فيه: إبطال قول الملاحدة والمنجِّمين، لما قال إبراهيم -عليه السلام- لنمرود: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} البقرة: 258، حيث أنكروا ذلك، وادَّعوا أنه لا يقع، ولا يُتصور. عمدة القاري (18/ 231).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
مذهب أهل السنة: حَمْلُ طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها؛ إذ لا إحالة فيها، وهي أمور ممكنة في نفسها، وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها. المفهم (1/ 373).
وقال العراقي -رحمه الله-:
بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- كيفية طلوعها من مغربها، وهو في حديث أبي ذر، وهو في الصحيحين فقال: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنَّ هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي وارجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذلك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي اصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، تدرون متى ذاكم؟ ذاك حين{لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158» وقد اختلف المفسرون في هذا، فقال جماعة بظاهر هذا الحديث. طرح التثريب (8/ 258).

قوله: «فإذا طلَعت فرآها الناس، آمنوا أجمعون»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإذا طلعت فرآها الناس، آمنوا أجمعون» وقع في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة في التفسير: «فإذا رآها الناس، آمن مَنْ عليها» أي: على الأرض من الناس. فتح الباري (11/ 353).
قوله: «فذلكَ حِينَ: {لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158»:
قال العراقي -رحمه الله-:
معنى الآية الكريمة: أنَّ الكافر لا ينفعه بعد طلوع الشمس من مغربها الإيمان، وأنَّ العاصي لا ينفعه بعد ذلك التوبة، واكتساب الخير، بل يختم على كل أحد بالحالة التي هو عليها، وقال ابن عطية: قوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158، يريد جميع أعمال البر؛ فرضها ونفلها. طرح التثريب (8/ 259).
وقال ابن جرير -رحمه الله-:
...لا ينفع كافرًا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها، إيمانه بالله، إنْ آمن وصدق بالله ورسله؛ لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله؛ لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة؛ وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله؛ لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار، ولا ينفع مَنْ كان بالله وبرسله مصدِّقًا، ولفرائض الله مضيعًا، غير ما اكتسب بجوارحه لله طاعة، إذا هي طلعت من مغربها أعمالُه إن عمل، وكسبُه إن اكتسب؛ لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك. جامع البيان (12/ 266-267).
وقال المظهري -رحمه الله-:
إنَّما لا يُقبل الإيمان بعد طلوع الشمس من المغرب؛ لأنه انقضى زمن التكليف بالإيمان؛ إذ طلوع الشمس من المغرب من أحكام الساعة، فحينئذٍ كأنه ظهرت الساعة، وظهور الساعة علامة انقضاء التكليف. المفاتيح (5/ 407).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتُ: ما الحكمة في عدم نفع الإيمان عند طلوع الشمس من مغربها؟
قلتُ: لوقوع الفزع في قلوبهم بما يخمد به كل شهوة من شهوات النفس، وفتور كل قوة من قوى البدن، فيصيرون في حالة من حضَرَهُ الموت؛ لانقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي، فمن تاب في مثل هذه الحالة، كمن تاب عند الغرغرة، ففي ذلك الوقت كأنهم شاهدوا مقاعدهم من النار أو الجنة، فلم ينفعهم إيمانهم؛ لأنَّا مكلفون بالإيمان بالغيب، فلا ينفع الإيمان عند المشاهدة. عمدة القاري (18/ 231).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحكمة في ذلك: أنَّ هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي، فإذا شوهد ذلك، حصل الإيمان الضروري بالمعاينة، وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. فتح الباري (11/ 354).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
{مِن قَبْلُ} الأنعام: 158 أي: قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن ذلك الإيمان إيمان يأس، وهو غير مقبول. شرح المصابيح (5/ 514).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: {مِن قَبْلُ} الأنعام: 158 أي: قبل إتيان بعض آيات الرب، على ما في القرآن مبهمًا ومجملًا، ومن قبل طلوع الشمس من مغربها، على ما في الحديث مُفَسَّرًا ومُبَيَّنًا. مرقاة المفاتيح (8/ 3406).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«{أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158» عطف على {آمَنَتْ}، والمعنى: لا ينفع الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا. إرشاد الساري (9/ 294).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
{أَوْ} للتنويع، إذ قد يوجد إيمان مجرَّد عن العمل، وقد يقترن العمل بالإيمان، لكن لما كان وقوعهما في حال البأس، ووقت اليأس؛ لا يكونان نافعين، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} غافر: 85، وقيل: التقدير: لا ينفع إيمانها ولا كسبها إن لم تكن آمنت من قبل، أو لم تكن كسبت، فالكلام من اللف التقديري، والنشر الظاهري، هذا وقيل: جملة {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ} الأنعام: 158، صفة نفس، والأولى أنْ تحمل على الاستئناف؛ لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف. مرقاة المفاتيح (8/ 3406-3407).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
{فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} المراد من الخير: التوبة أو الإخلاص، فتنوينه للتعظيم، يعني: لا ينفع تلك النفس إيمانها في قبول توبتها. شرح المصابيح (5/ 514).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
{أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158، أي: لا ينفع الإيمان حين طلوع الشمس من المغرب. منحة الباري (9/ 475).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: فما تقول في قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158، فإنه يساوي بين الإيمان المحدث بعد الآية وبين الإيمان المجرد قبل الآية؟
قلتُ: ذكر المحققون أن الآية من قبيل اللَّفْ والنشر، وملَخَّصُهُ: لا ينفع الإيمان المحدث بعد الآية، وكذا الكسب المحدث؛ لانغلاق باب التوبة، وأما الإيمان قبلُ، فقد صادف وقعه فلا مانع من قبوله، وبهذا يقع الجمع بين الأدلة.
فإن قلتَ: إذا طالت المدة، وولد من لم يشاهد طلوع الشمس من مغربها فما حكمه؟
قلتُ: ذكر بعض العلماء أنَّ ذلك يُقبل إيمانه وتوبته، والحق خلافه، فإنَّ الباب إذا أُغلق لا يُفتَح، دل عليه أحاديث كثيرة -والله أعلم-. الكوثر الجاري (10/ 178).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: عدم قبول الإيمان والتوبة في ذلك الوقت مخصوص بمن يشاهد طلوعها؛ حتى إنَّ مَن ولد بعده أو لم يشاهده، يقبل كلاهما منه.
والأصح: أنه غير مخصوص به؛ لما جاء في الحديث الصحيح: «إنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى يغلق بابها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أُغلق». شرح المصابيح (5/ 514).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: في رواية مسلم: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها: الدجال، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها».
قلتُ: لا ينافي، فإن طلوع الشمس متأخر، وقد نصَّ عليه هنا وحده، وفي رواية الترمذي: «إنَّ بالمغرب بابًا مسيرة سبعين عامًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها»، وهذا لا يبقى معه شبهة. الكوثر الجاري (10/ 179).

قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعة وقد نَشَرَ الرَّجلان ثوبهما بينهما، فلا يَتَبَايَعَانِهِ، ولا يَطْوِيَانِهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولتقومن الساعة» أي: النفخة الأولى، وهي مقدمة الساعة فأُطْلِقَتْ عليها، «وقد نشر الرجلان» الجملة حالية، أي: والحال أنهما فتحا وفرَّقا «ثوبهما بينهما»، الإضافة لأحدهما على أنه صاحبه، وللآخر على أنه طالبه «فلا يتبايعانه» أي: لا يكملان البيع والشراء «ولا يطويانه» أي: ولا يجمعان الثوب فيفترقان، بل تقع الساعة عليهما وهما مشغولان بالبيع والشراء، كما قال تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يس: 49-50.
وحاصله: أنَّ قيام الساعة يكون بغتة لقوم وهم في انشغالهم، كما قال تعالى: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} الأعراف: 187. مرقاة المفاتيح (8/ 3407).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولتقومَنَّ الساعة وقد نَشَرَ» أي: بسط. شرح المصابيح (5/ 514).

قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعة وقد انصرف الرَّجل بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فلا يطعمه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لِقْحَتِهِ» بكسر اللام وسكون القاف، أي: ناقة ذات لبن «فلا يطعمه» أي: فلا يمكن الرجل أن يشرب اللبن الذي حلبه وهو في يده. مرقاة المفاتيح (8/ 3407).

قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعة وهو يَلِيطُ حوضه فلا يسقي فيه»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«يَلِيْطُ حوضه» أي: يُطَيِّنه ويُصْلِحهُ؛ ليسقي به إبله. شرح المصابيح (5/ 514).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
لاط الرجل حوضه وألاطه: إذا مدَّرَهُ، وهو: أن يعمل من حجارةٍ لوطٍ (طين) فيسد خَصاصه (شقوقه) بالمدر ونحوه؛ لئلا يتسرَّب الماء. أعلام الحديث (3/ 2261).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا يسقي» أي: إبله، وهو بفتح الياء ويجوز ضمها، «فيه» أي: في ذلك الحوض أو من مائه.
والمعنى: أنَّ الساعة تأخذ الناس بغتة، تأتيهم وهم في أشغالهم فلا تمهلهم أن يُتِمُّوْهَا. مرقاة المفاتيح (8/ 3407).

قوله: «ولَتَقُومَنَّ السَّاعة وقد رفع أحدكم أُكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمُهَا»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
الأُكلة بالضم: اللقمة، وهي القرصة (الخبزة الصغيرة) أيضًا، وبالفتح: المرة الواحدة حتى تشبع. التوضيح (29/ 599).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلى فِيْهِ فلا يطعمها» أي: فلا يبلعها ولا يأكلها، وهذا أبلغ مما قبله من الصور. مرقاة المفاتيح (8/ 3407).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إلى فِيْه فلا يطعمها» وهذا إشارة إلى أن قيام الساعة يكون بغتة، تقوم وهم في اشتغالهم. شرح المصابيح (5/ 514).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
هذا كله إخبار عن الساعة أنها تأتي فجأة، وأسرع ما فيه دفع اللقمة إلى الفم. التوضيح (29/ 599-600).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهو (يعني: الحديث) على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة، خلافًا لمن تأوله من المبتدعة والباطنية، وهو أحد الأشراط المنتظرة. إكمال المعلم (1/ 475).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ظاهر الآية والحديث: استمرار هذا الأمر، وهو منع قبول الإيمان والتوبة بعد ذلك، وكان شيخنا الإمام أبو حفص البلقيني -رحمه الله- يقول: إذا تراخى الحال بعد ذلك وبَعُد العهد بهذه الآية، وتناساه أكثر الناس قُبِلَتِ التوبة والإيمان بعد ذلك؛ لزوال الآية التي تضطرُّ الناس إلى الإيمان، وهذا يحتاج إلى دليل، وما أظن الزمان يتراخى بعد ذلك، ولا يبقى فيه مهلة وتطاول، بحيث يطول العهد بذلك قبل يوم القيامة -والله أعلم-. طرح التثريب (8/ 260).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: وجوب الإيمان بطلوع الشمس من مغربها، فقد قال -عز وجل-: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} الأنعام: 168.
فقال المفسرون: هي طلوع الشمس من مغربها، وإنما كان طلوعها من مغربها أنه لرؤية أهل المشارق والمغارب لذلك، ولا يحتاجون إلى من يخبرهم به إذا كان الإنسان ذا بصر.
وفيه أيضًا: أنه لم يُوَقَّتْ لذلك وقتٌ، وما من ليلة إلا ويجوز أن تكون الليلة التي تطلع فيها، إلا أنه إذا توافرت الأشراط كان ذلك أقرب. الإفصاح (7/ 152- 153).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، وهذا هو وجه مطابقة ذكره في كتاب الإيمان.
ومنها: إثبات قيام الساعة، وأنه شيء لا بد من وقوعه.
ومنها: إثبات علامات وأمارات لوقوع الساعة.
ومنها: إثبات طلوع الشمس من مغربها، مخالفة لعادتها...
ومنها: أن طلوعها ذلك علامة غلق باب التوبة، فبعد ذلك لا ينفع الكافر أن يؤمن، ولا العاصي أن يتوب.
ومنها: بيان أن توبة العبد مقبولة قبل ذلك، وإن عمل ما عمل من كبائر الذنوب.
ومنها: بيان سعة رحمة الله -سبحانه وتعالى-، حيث أمهل العصاة أمدًا طويلًا. البحر المحيط الثجاج (4/ 312-313).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
دلَّ هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: تفسير الآية الكريمة.
ثانيًا: أن التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها...، وقد جاء التصريح بعدم القبول كما في حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو مرفوعًا: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه».
ثالثًا: أن من أشراط الساعة الكبرى وأخطرها طلوع الشمس من مغربها. منار القاري (5/ 55).


إبلاغ عن خطأ