«لا تُؤْذِي امرأةٌ زوجَها في الدنيا إلا قالتْ زوجتُهُ من الحُورِ العِينِ: لا تُؤذِيه قاتلَكِ اللهُ؛ فإنما هو عندَكِ دخيلٌ، يُوشِكُ أنْ يُفارِقَك إلينا».
رواه أحمد برقم: (22101)، والترمذي برقم: (1174) واللفظ لهما، وابن ماجه برقم: (2014)، من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7192)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (173).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الحُورِ»:
واحدتهنَّ: حوراء، وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها. النهاية، لابن الأثير (1/ 458).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
شديدات البياض، وشديدات سواد المُقل. غريب القرآن (ص443).
«العِينِ»:
جمع: عيناء، وهي الواسعة العين. النهاية، لابن الأثير (3/ 333).
قال ابن القيم -رحمه الله-:
العِينِ هن اللاتي جَمَعَتْ أعينهن صفات الحسن والملاحة ... ومن محاسن المرأة: اتساع عينها في طول، وضيق العين في المرأة من العيوب. حادي الأرواح (ص219).
«دَخِيلٌ»:
الدَّخِيلُ: الضَّيفُ والنَّزيلُ. النهاية لابن الأثير (2/ 108).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
الدَّخيل: الضَّيفُ، لدُخُوله على المَضيف. المحكم والمحيط الأعظم (5/ 141).
«يُوشِكُ»:
أي: يَقْرُب ويسرع ويكاد. الترغيب والترهيب، للمنذري (3/ 38).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الوَشك: السرعةُ -بالفتح-، وحكى بعضُهم الكسر، وأنكره الأصمعي. إكمال المعلم (1/ 120).
شرح الحديث
قوله: «لا تُؤْذِي امرأةٌ زوجَها في الدنيا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال: «لا تؤذي» بصيغة النفي «امرأة زوجها في الدنيا». مرقاة المفاتيح (5/ 2126).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«لا تُؤْذِي امرأةٌ زوجَها في الدنيا» (هذا) العام يُخَصَّصُ بالكافر، مُخْتَصٌّ بالمسلم؛ لأن الحوراء مُخْتَصَّةٌ بالمسلمين. الأزهار، مخطوط، لوح (308).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا» أي: لا يقع منها معه ما من شأنه أنْ يتأذَّى به من غير مُجَوِّز لذلك شرعًا، وإلا فطلب نحو النفقة ممن يتأذَّى بها لنحو بُخْلِهِ، لا يدخل الزوجة في ذلك. دليل الفالحين (3/ 114).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تؤذي امرأة» بصيغة النفي «زوجها» في الدنيا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 499).
قوله: «إلا قالتْ زوجتُهُ من الحُورِ العِينِ: لا تُؤذِيه قاتلَكِ اللهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا قالت زوجُهُ من الحور العين: لا تؤذيه» نهي مخاطبة «قاتلكِ اللهُ» أي: لعنك عن رحمته، وأبعدك عن جنته. مرقاة المفاتيح (5/ 2126).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا قالت زوجُهُ» بالإضافة إلى الهاء، «من الحور» بضم الحاء المهملة، وهنَّ نساء أهل الجنة، واحدتهن حوراء: وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، «العِين» بكسر العين المهملة، أي: نُجْل العيون (أي: واسعات العيون) ...، «لا تؤذيه قاتلك» جملة دُعائية، والمراد من المفاعلة فيه: أصل الفعل، وعبَّر بها للمبالغة، وأنها لما فعلت ذلك، وتعرضت لعقوبة الله، صارت كالمقاتلة له تعالى، فعبَّر بذلك. دليل الفالحين (3/ 114).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا تؤذيه، قاتلك الله» خطاب للمرأة المؤذية زوجها. شرح المصابيح (4/ 17).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«قاتلكِ اللهُ» أي: قتلك الله، وقيل: لعنك الله، وقيل: دعاء لا يراد الوقوع. الأزهار، مخطوط، لوح (308).
وقال المظهري -رحمه الله-:
إنَّما تَعْرِفُ زوجته من الحور العين ما يجري بينه وبين زوجته في الدنيا؛ بأنْ رفع الله تعالى الحجاب بين الحور العين وبين أزواجهنَّ في الدنيا، حتى يعلمنَ ما يجري بينهم وبين زوجاتهم في الدنيا (يحتاج إلى دليل)...، قولها: «قاتلك الله» هذا خطاب مع كل امرأة تؤذي زوجها المسلم، سواء كانت مسلمة أو كتابية. المفاتيح (4/ 89).
وقال الأردبيلي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
ويُحتمل أنْ تَعْرِفَ ذلك من غير رفع الحجاب. الأزهار، مخطوط، لوح (308).
قوله: «فإنَّما هو عندَكِ دخيلٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنما هو» أي: الزوج «عندك دخيل» أي: ضيف ونزيل. مرقاة المفاتيح (5/ 2126).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «عندك دخيل» ... يقال: هو دخيل فيهم، أي: ليس منهم. لمعات التنقيح (6/ 123).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإنما هو عندك دخيل» أي: ضيف غريب ليس له عندك بقاء. شرح المصابيح (4/ 17).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «فإنما هو عندك دَخيل» أي: غريب. المفاتيح (4/ 89).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يريد أنه كالضيف والنزيل عليكِ، وأنتِ لست بأهلٍ له على الحقيقة؛ لأنه يفارقكِ عن قريب، ولا تلتحقين به كرامة به، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الطور: 21، وإنما نحن أهله فيفارقك ويتركك في النار، ويلحق بنا، ويصل إلينا. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2333).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
عبَّرَتْ بذلك لأن مُدَّة المقام بالدنيا وإنْ طالت فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أمد لها، فعبَّرَتْ بما يُعبَّر به عن قصير الإقامة، وهو الضيف. دليل الفالحين (3/ 114).
قوله: «يُوشِكُ أنْ يُفارِقَك إلينا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أن يفارقك إلينا» أي: عن قريب يتركك بأنْ يموت، ويصل إلينا، يعني: أنت زوجته في الدنيا، ونحن زوجاته في الآخرة، فإن كانت هذه المرأة كتابية فلا إشكال في هذا الحديث؛ لأن الكتابية تخلد في النار كسائر الكفار، ولا تكون زوجته في الآخرة؛ لأنه يكون في الجنة.
وأما إذا كانت مسلمة، فالحديث على هذا التقدير مُشكِل؛ لأنها تدخل الجنة كزوجها، فكيف يفارقها؟!
فدفْع هذا الإشكال بأن تقول: معنى هذا الحديث: إنك أيتها المرأة التي تؤذي زوجك في الدنيا إيذاؤك زوجك عصيان لله تعالى، وعصيان الله سبب دخول النار، ودخولك النار فراق بينك وبين زوجك مدة بقائك في النار إلى أن تخرجي من النار، وتدخلي الجنة، وتصلي إلى زوجك. المفاتيح (4/ 89-90).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«أنْ يفارقك إلينا» يعني: من الدنيا، إلخ، وقيل: من المؤذية إلى الحوراء؛ لأنها -أي: المؤذية- تذهب إلى النار، والزوج إلى الجنة، وهذا أقرب في المعنى؛ لأن موته قبل موت المؤذية لا يتحقق، وقد تموت هي قبله. الأزهار، مخطوط، لوح (308).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن يفارقك إلينا» أي: واصلًا إلينا، ونازلًا علينا. مرقاة المفاتيح (5/ 2126).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يوشك أن يفارقك إلينا» إنما قالت: يوشك؛ لأنه لا يُجْزَم بكونه من أهل الجنة. لمعات التنقيح (6/ 123).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أن يفارقك» منتقلًا «إلينا» أي: فأحسنِيْ إليه، وفي تعبيرها بالدخيل إيماء إلى ذلك، ففي الحديث الشريف: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». دليل الفالحين (3/ 114-115).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
في هذا الحديث وحديث لعن الملائكة لِعَاصِيَةِ الزوج: دلالة على أنَّ الملأ الأعلى يطَّلِعون على أعمال أهل الدنيا. مرقاة المفاتيح (5/ 2126).
وقال السندي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الآخرة هي الدار الصافية عن الكدر؛ حتى أنَّ أهل المرء في تلك الدار لا يريدون التعب عليه في الدنيا، قال تعالى: {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} غافر: 39. كفاية الحاجة (1/ 621).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
من آداب الزوجة: ألا تفاخر على الزوج بجمالها ومالها، ولا تزدري زوجها لقُبحِه أو لفقره، وقد روى الأصمعي قال: دخلتُ البادية، فإذا بامرأة حسناء من أحسن الناس وجهًا تحت أقبح الناس وجهًا، فقلتُ: يا هذه أترضين لنفسك أن تكوني تحت مثله؟ فقالت: يا هذا اسكت، أسأت فيما بيني وبين خالقي، فجعله عقوبتي، أفلا أرضى فيما رضي الله لي؟ فأسكتتني. فتح القريب المجيب (8/ 680).