«من غَدَا إلى المسجدِ ورَاحَ، أعدَّ اللهُ له نُزُلَهُ من الجنَّةِ كُلَّما غَدَا أو رَاحَ».
رواه البخاري برقم: (662) واللفظ له، ومسلم برقم: (669)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«غَدَا»:
أي: مشى في وقت الغداة. الكليات، للكفوي (ص: 666).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«غدا»: إذا مشى في أول النهار. المفاتيح (2/ 64).
«ورَاحَ»:
أصل الرواح: أن يكون بعد الزوال. النهاية، لابن الأثير (2/ 273).
قال الأزهري -رحمه الله-:
سمعتُ العربَ تسْتَعْمل الرَّوَاح في السيرِ كُلَّ وقْتٍ، يُقال: رَاحَ القوْمُ إِذا سارُوا وغَدَوْا كذلك. تهذيب اللغة (5/ 143).
«نُزُلَهُ»:
النُّزُل: ما يُعَدُّ للضيف عند نزوله. مجمع بحار الأنوار، للفتني (4/ 687).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
النُّزُل: بضم النون، وبالزاي، وقد تُسَكَّنُ: ما يُقَدَّم للضيف وللعسكر، يُطْلقُ على الرزق، وعلى الفضل، ويُقال: أصلح للقوم نزلهم، أي: ما يصلح أنْ ينزلوا عليه من الغذاء، وعلى ما يُعَجَّل للضيف قبل الطعام. فتح الباري (11/ 373).
«أَعدَّ»:
الإعداد الذي هو: تهيئة الشيء. مقاييس اللغة، لابن فارس (4/ 29).
وقال المظهري -حمه الله-:
«أعدَّ الله» أي: هيأ الله. المفاتيح (2/ 64).
شرح الحديث
قوله: «من غَدَا إلى المسجدِ ورَاحَ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«مَن» يفيد العموم، ويُخصَّص بالكافر، ويختصُّ بالمسلم. الأزهار، مخطوط، لوح (130).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الغدوة -بفتح الغين-: من أول النهار إلى الزوال، والروحة: بعدها، وهذا الحديث يدل على فرق ما بينهما، وحجَّة لمالك في مذهبه في رواح الجمعة أنه بعد الزوال ...، والغدوة هنا: السير في الغداة، وقيل: الغدوة -بالضم-: من الصبح إلى طلوع الشمس، وقد استُعْمِل الغدو والرواح في جميع النهار، وفي الأحاديث من هذا: غدا ويغدوا، بمعنى: سار بالغُدُوِّ. مشارق الأنوار (2/ 129).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «من غدا إلى المسجد أو راح...» أصل غدا: خرج بغدو، أي: أتى مُبكِّرًا، وراح: رجع بعشيٍّ، ثم قد يُستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسُّعًا، وهذا الحديث يصلح أن يُحْمَل على الأصل، وعلى التوسُّع به -والله أعلم-. المفهم (2/ 294).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فأما لفظة «الرواح»، فلا ريب أنها تُطْلَقُ على الْمُضِي بعد الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرِنَتْ بالغدو، كقوله تعالى: {الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} سبأ: 12، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزلًا في الجنة كلما غدا وراح»، وقول الشاعر:
نروح ونغدو لحاجاتنا *** وحاجة من عاش لا تنقضي
وقد يطلق الرواح بمعنى: الذهاب والْمُضِيِّ، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو. زاد المعاد (1/ 499-500).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ومعنى الحديث: أنَّ من خرج إلى المسجد للصلاة فإنه زائر الله تعالى، والله يُعِدُّ له نزلًا من المسجد، كلما انطلق إلى المسجد، سواء كان في أول النهار، أو في آخره. فتح الباري (6/ 53).
وقال ابن حجر –رحمه الله-:
قوله: باب فضل من غدا للمسجد، ومن راح، هكذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث في الغدوِّ والرواح؛ ولأبي ذرٍّ بلفظ: «خرج» بدل «غدا»، وله عن المستملي والسرخسي بلفظ: «مَن يخرج» بصيغة المضارع، وعلى هذا: فالمراد بالغدو: الذهاب، وبالرواح: الرجوع، والأصل في الغُدُوِّ: المضي من بكرة النهار، والرواح: بعد الزوال، ثم قد يستعملان في كل ذهاب ورجوع توسُّعًا. فتح الباري (2/ 148).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
وفي الهامش: «غدا» مكان «خرج»، وهو الأولى، وحاصله: أنه لم تزل معاملته بالمسجد غداة وعشاء. فيض الباري (2/ 250).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«من غدا إلى المسجد أو راح» غدا يعني: ذهب غدوة، أي: ذهب أول النهار، وذلك مثل أن يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر، «أو راح» الرواح: يُطْلَقُ على بعد الزوال، مثل الذهاب إلى صلاة الظهر أو العصر، وقد يُطْلَقُ الرواح على مجرَّد الذهاب، كما في قول النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي هريرة: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى» إلى آخر الحديث، فإن معنى راح في الساعة الأولى، أي: ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى، لكن إذا ذكرت الغدوة مع الرواح، صارت الغدوة: أول النهار، والرواح: آخر النهار.
وظاهر الحديث: أن مَن غدا إلى المسجد أو راح -سواء غدا للصلاة، أو لطلب علم، أو لغير ذلك من مقاصد الخير- أن الله يكتب له بالجنة نُزُلًا. شرح رياض الصالحين (2/ 167).
قوله: «أعدَّ اللهُ له نُزُلَهُ من الجنَّةِ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أعدَّ: هيَّأ، ومنه قولهم:
وأعددت للحرب أوزارها *** رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورًا.
والنُّزل: ما يُهَيَّأُ للضيف من الكرامة. المفهم (2/ 294).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أعد الله» أي: هيأ الله، «النزل» بضم الزاي، ويجوز إسكانها: ما يقدم إلى الضيف من الطعام، يعني: عادة الناس أنْ يُقدِّموا طعامًا إلى من دخل بيوتهم، والمسجد بيت الله، فمن دخله في أي وقت كان من ليل أو نهار يعطيه الله أجره من الجنة؛ لأن الله تعالى أكرم الأكرمين، فلا يضيع أجر المحسنين. المفاتيح (2/ 64).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
النُّزُل: هو ما يُعَدُّ للضيف عند نزوله من الكرامة والتحفة، قال الحافظ أبو موسى المديني: وزيد فيه في غير هذه الرواية: «كما لو أنَّ أحدكم زاره مَن يحب زيارته لاجتهد في إكرامه» وخرج من طريق الطبراني بإسناده ...، عن سلمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، فهو زائر الله، وحقٌّ على المزور أنْ يكرم الزائر»... وخرج أيضًا من طريق الطبراني بإسناده ...، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الغدو والرواح إلى المساجد من الجهاد في سبيل الله»، وذكر مالك في الموطأ عن سمي مولى أبي بكر: أن أبا بكر بن عبد الرحمن كان يقول: "من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره؛ ليعلم خيرًا، أو يتعلمه، ثم رجع إلى بيته؛ كان كالمجاهد في سبيل الله"، ومما يستدل به على أن قصد المساجد للصلاة فيها زيارة لله -عز وجل-: ما خرجه ابن ماجه بإسناده فيه ضعف، من حديث أبي الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أحسن ما زرتم به الله في قبوركم ومساجدكم البياض». فتح الباري (6/ 54).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المعنى: هيَّأَ الله له في الجنة نعيمًا خاصًّا يستقبل بقدر غُدُوِّهِ إلى المسجد ورواحه منه، وبقدر وعدد ما يبذل في ذلك من خطوات ومشاقِّ. فتح المنعم (3/ 401).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «نزله» للكشميهني: «نزلًا» بالتنكير، والنُّزُل بضم النون والزاي: المكان الذي يُهَيَّأُ للنزول فيه، وبسكون الزاي: ما يُهَيَّأُ للقادم من الضيافة، ونحوها؛ فعلى هذا: «من» في قوله: «من الجنة» للتبعيض على الأول، وللتبيين على الثاني، ورواه مسلم وابن خزيمة وأحمد بلفظ: «نزلًا في الجنة» وهو محتمل للمعنيين. فتح الباري (2/ 148).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هذا الذي ذكره في الفتح من التفرقة بين النُّزُل بضمتين، والنُزْل بضم فسكون محل نظر؛ لأن الذي ذكره أصحاب اللغة يفيد أنَّ الساكن والمضموم بمعنى واحد، ودونك عبارة القاموس (ص: 1062): والنُّزُل بضمتين: المنزِل، وما هُيِّئَ للضيف أن ينزل عليه كالنُزْل -أي: بالسكون- جمعه: أنزال ... (ثم نقل غيره).
فتبين بما ذُكِرَ من كلام هؤلاء اللغويين: أنه لا فرق بين النُّزُل بضمتين، والنُّزْل بضم فسكون، بل هما بمعنى واحد، وهو ما هُيِّئَ للضيف من الضيافة، ونحوها، فتبصّر -والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل-. البحر المحيط الثجاج (14/ 401-402).
قوله: «كُلَّما غَدَا أو رَاحَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «كلما غدا أو راح» أي: بكل غَدْوَةٍ أو رَوْحةٍ. المفهم (2/ 294).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كلما غدا أو راح» للتكرير، أي: كل مرة مضى وسافر إلى المسجد أُعِدَّ له النُّزل، ولا يقطع القِرى، بخلاف الناس حيث ملوا حيث تكرر ذلك، وقطعوا القِرى، وتركوه. الأزهار، مخطوط، لوح (130).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«كلما غدا» ظرف، وجوابه ما دلَّ عليه ما قبله، وهو العامل فيه، المعنى: كلما استمرَّ غدوة وروحة يستمرُّ إعداد نُزُلِهِ في الجنة، فالغدوُّ والرواحُ في الحديث كالبكرة والعشي في قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم: 62، يراد بهما: الديمومة لا الوقتان المعلومان. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 931).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «كلما غدا وراح» وفي بعضها: «أو راح» بـ(أو) فإنْ قلتَ: ما الفرق في المعنى بين الروايتين؟
قلتُ: على الواو لا بد من الأمرين؛ حتى يُعَدُّ له النُّزُل، وعلى (أو) يكفي أحدهما في الإعداد. الكواكب الدراري (5/ 48).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «كلما غدا أو راح» أي: بكل غدوة وروحة، وظاهر الحديث: حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقًا، لكن المقصود منه: اختصاصه بمن يأتيه للعبادة والصلاة رأسها والله أعلم-. فتح الباري (2/ 148).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كلما غدا أو راح» ... المراد بهما: الدوام.
قلتُ: فعلى هذا تكون الحركة سبب البركة، والذهاب موجب الثواب. مرقاة المفاتيح (2/ 592).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «كلما غدا أو راح» أي: إلى المسجد، والإعادة لإفادة تأكيد تعميم الأوقات، أو في الجنة، كقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم: 62. لمعات التنقيح (2/ 456).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كلما غدا أو راح» أي: لكل غدوة وروحة يُعدُّ له نزلًا، وفيه عظم أجر من اعتاد إتيان بيوت الله للطاعة، وكون النُّزُل ما يُعَدُّ للقادم من الضيافة أوفق لجزاء من يأتي بيت الله؛ لأن من أتى بيت رجل أضافه وأكرمه. التنوير (10/ 320).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإنه يَكْتُبُ له نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح، ونحن -ولله الحمد- نغدو إلى المساجد ونروح في كل يوم وليلة خمس مرات، فيُكْتَبُ للإنسان نزلٌ في الجنة، يعني: ضيافة في الجنة هذه من فضائل المشي إلى المساجد. شرح رياض الصالحين (5/ 61).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«من غدا إلى المسجد أو راح» وفي بعضها: «وراح» الواو بمعنى (أو). الكوثر الجاري (2/ 310).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إلى المسجد» متعلق بـ«غدا»، وقوله: «أو راح» حُذِفَ متعلَّقُه؛ لدلالة ما قبله عليه، أي: إليه. البحر المحيط الثجاج (14/ 401).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أن المساجد بيوت الله -عز وجل-، وأن الوافدين إلى بيوته يقومون مقام الضيوف، فيُعِدُّ لهم النزل لغدوِّهِم ورواحهم، إلا أنه من نُزُل تقوى به الأرواح لا الأبدان، فينتقل إلى نُزُل الآخرة. الإفصاح (6/ 250).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه الحضُّ على شهود الجماعات ومواظبة المساجد للصلوات؛ لأنه إذا أعدَّ الله له نزله في الجنة بالغدو والرواح، فما ظنك بما يُعَدُّ له ويتفضل عليه بالصلاة في الجماعة، واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى؟! التوضيح (6/ 457).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى كون المسجد بيت الرب تعالى يضيف زائره. لمعات التنقيح (2/ 456).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: الحضُّ على شهود الجماعات، ومواظبة المساجد للصلوات؛ لأنه إذا أعدّ الله له نزلَهُ في الجنة بالغدو والرواح، فما ظنك بما يُعَدُّ له ويُتَفَضَّلُ عليه بالصلاة في الجماعة، واحتساب أجرها والإخلاص فيها لله تعالى. شرح صحيح البخاري (2/ 285).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إثبات هذا الجزاء العظيم لمن ذهب إلى المسجد أول النهار أو آخره.
وفيه: بيان فضل الله -عزَّ وجلَّ- على العبد، حيث يعطيه على مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل. شرح رياض الصالحين (2/ 168).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان فضل التردُّد إلى المسجد كل غدوٍّ ورواح.
ومنها: بيان سعة فضل الله تعالى وكرمه لأهل طاعته، حيث يكرمهم، ويعد لهم {نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} فصلت: 32، والنزل: هو ما يُعَدُّ للضيف عند نزوله من الكرامة والتحفة.
ومنها: أنه يدل على أنَّ مَن خرج إلى المسجد للصلاة فإنه زائر الله تعالى، والله يُعِدُّ له نزلًا من المسجد، كلما انطلق إلى المسجد، سواء كان في أول النهار أو في آخره. البحر المحيط الثجاج (14/ 403).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال صاحب الروضة في الفتاوى: فيه تنبيهٌ وحثٌّ على إطعام الأضياف كل مرة. الأزهار، مخطوط، لوح (130).