«كُنَّا مع النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في مَسِيرٍ، قال: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ القومِ، قال: حتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بعضِ حَمَائِلِهِمْ، قال: فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، لو جَمَعْتَ ما بَقِيَ مِن أَزْوَادِ القومِ، فَدَعَوْتَ اللهَ عليها، قال: فَفَعَلَ، قال: فجاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، قال: وقال مجاهِدٌ: وذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قلتُ: وما كانوا يَصْنَعُونَ بالنَّوَى؟ قال: كانُوا يَمُصُّونَهُ ويَشْرَبُونَ عليه الماءَ، قال: فدعَا عليها، قال: حتَّى ملَأَ القومُ أَزْوِدَتَهُمْ، قال: فقالَ عندَ ذلك: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ، لا يَلْقَى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيهما إلَّا دَخَلَ الجنَّةَ».
رواه مسلم برقم: (27)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (2484)، من حديث سلمة بن الأكوع –رضي الله عنه- بنحوه.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«مَسِيرٍ»:
سارَ القومُ يَسيرونَ سيرًا ومَسيرًا، إذا امتدَّ بهمُ السَّيرُ في جهةٍ توجَّهوا لها. لسان العرب (4/ 389)
«فَنَفِدَتْ»:
النَّفاد: الفَناء. المفردات، للراغب الأصفهاني (ص: 817).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يُقال: نَفَدَ يَنْفدُ: من باب: تَعِبَ، نفادًا: فَنِيَ وانقطع. المصباح المنير (2/ 616).
«أَزْوَاد»:
جمع: زاد، وهو طعام يُتَّخَذُ للسَّفَر. مرقاة المفاتيح، للقاري (9/ 3811).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
زاد المسافر: طعامه المتَّخذ لسفره، والجمع: أزواد، وتزود لسفره وزودته: أعطيته زادًا. المصباح المنير (1/ 259).
«حَمَائِلِهِمْ»:
حمائلهم: جمع حمُولة، الإبل التي تَحْمِل، وروي بالجيم: جمع جِمالة، جمع جَمَل. مجمع بحار الأنوار، للفتني(1/ 585).
وقال الرازي -رحمه الله-:
الحَمُولةُ (بالفتح): الإبل التي تُحمَل، وكذا كُل ما احتمل عليه الحَيُّ مِن حِمارٍ وغيره سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكُن. مختار الصحاح (ص: 167)
«أَزْوِدَتَهُمْ»:
جمع زاد على غير القياس. النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير(2/ 317).
شرح الحديث
قوله: «كُنَّا مع النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في مَسِيرٍ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وفي رواية الأعمش...: «لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة...»؛ فتبيَّن بها: أن ذلك المسير كان في غزوة تبوك. البحر المحيط الثجاج (1/ 560).
قوله: «قال: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ القومِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فنفدتْ أزوادُ القومِ» أي: كادت تنفد، أو نفدت أزواد أكثر القوم، ففيه مضاف محذوف، بدليل جمع ما بقي من أزوادهم، ونفد الزاد من باب: سمع: فَنِيَ وذهب، والزاد طعام السفر والحضر جميعًا، والجمع أزواد، وعلى غير القياس أزودة. فتح المنعم (1/ 100).
قوله: «قال: حتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بعضِ حَمَائِلِهِمْ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى همَّ» الظاهر أنَّ الضمير للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبي في المفهم، ويكون المعنى: حتى هم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنْ يأمرهم بنحر بعض حمائلهم؛ ليستعينوا بذلك على دفع الجوع.
ويحتمل: أنْ يكون الضمير للقوم، باعتبار أنَّ لفظه مفرد، ويؤيد هذا قوله في الرواية التالية: «قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا». البحر المحيط الثجاج (1/ 561).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
كان هذا الهم من النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكم النظر المصلحي لا بالوحي، ألا ترى كيف عرض عمر بن الخطاب عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبي -صلى الله عليه وسلم- رجحانها فوافقه عليها، وعمِل بها. المفهم (1/ 198).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الذي هم به النبي -صلى الله عليه وسلم-: بيانٌ لمراعاة المصالح، وتقديم الأهم فالأهم، وارتكاب أخف الضررين لدفع أضرهما -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (1/ 224).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الحمائل: جمع: حمولة بفتح الحاء، ومنه: قوله تعالى: {حَمُولَةً وَفَرْشًا} الأنعام: 142، وهي: الإبل التي تُحْمَل عليها الأثقال، وتُسمَّى رواحل؛ لأنها يُرحل عليها، وتُسمَّى نواضح، إذا استُقِيَ عليها، والبعير: ناضح، والناقة: ناضحة، قاله أبو عبيد. المفهم (1/ 197).
قوله: «قال: فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، لو جَمَعْتَ ما بَقِيَ مِن أَزْوَادِ القومِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال عمر» أي: بعد أنْ أَذِنَ لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن ينحروا بعض حمائلهم، «يا رسول الله، لو جمعت» «لو» هنا للعرض، نحو قولك: لو تنزل عندنا، فتصيب خيرًا، ويحتمل: أن تكون للتمني، كقولك: لو تأتيني فتحدثني، أي: أتمنى ذلك، ويحتمل: أن تكون للشرط، ويقدر جوابها: لكان خيرًا. البحر المحيط الثجاج (1/ 562).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم» هذا فيه بيان جواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة؛ لينظر الفاضل فيه، فإنْ ظهرت له مصلحة فعله. شرح صحيح مسلم (1/ 224).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ولم يكن قول عمر اعتراضًا منه على تصرُّف الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل هو عرض لما ظهر له أنَّه مصلحة؛ ليرى الإمام فيه رأيه. فتح المنعم (1/ 101).
قوله: «فَدَعَوْتَ اللهَ عليها، قال: فَفَعَلَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ففعل» أي: فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أشار عليه عمر -رضي الله عنه- من جمع أزواد القوم. البحر المحيط الثجاج (1/ 563).
قوله: «قال: فجاءَ ذُو البُرِّ بِبُرِّهِ، وذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجاء ذو البر» أي: صاحب القمح، «ببره» أي: بما بقي عنده من بُرِّهِ وقمحه، «و» جاء «ذو التمر» أي: صاحبه «بتمره» أي: بما بقي عنده من تمره. الكوكب الوهاج (2/ 243).
قوله: «وقال مجاهِدٌ: وذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ»:
قال النووي -رحمه الله-:
القائل: «قال مجاهد» هو طلحة بن مصرف، قاله الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (1/ 224).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» جاء «ذو النواة» أي: صاحب نوى التمر «بنواه» أي: بالنوى الذي بقي عنده. الكوكب الوهاج (2/ 244).
قوله: «قلتُ: وما كانوا يَصْنَعُونَ بالنَّوَى؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال مجاهد: «قلتُ» لأبي هريرة: «وما كانوا» أي: وأي شيء كان الأصحاب «يصنعون» ويفعلون «بالنوى» ويستفيدون منه، هل يدُقُّونه ويأكلون دقيقه، أو يأكلون بقايا لحوم التمر منه، و«ما» في قوله: «وما كانوا» استفهامية في محل نصب مفعول مُقدَّم وجوبًا لـ«يصنعون»، و«كان» زائدة بين الفعل ومفعوله، أي: وأي شيء يصنعون بالنوى؟ ويحتمل أصالتها، وجملة «يصنعون» خبرها. الكوكب الوهاج (2/ 244).
قوله: «قال: كانُوا يَمُصُّونَهُ ويَشْرَبُونَ عليه الماءَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يمصُّونه» أي: يمصُّون النوى، ويلتذُّون ما بقي عليه من طعم التمر، «ويشربون عليه» أي: على النوى، «الماء» العذب، ويقتاتون بذلك؛ لضيق حالهم، وفراغ ما عندهم من الزاد. الكوكب الوهاج (2/ 244).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ويشربون عليه الماء» يعني: أنهم وإن لم ينتفعوا بأكله، إلا أنه إذا مصَّ جلب العطش، فشربوا الماء، وتقوَّوْا بذلك. البحر المحيط الثجاج (1/ 563).
قوله: «قال: فدعَا عليها»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فدعا عليها» أي: دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما أتوا به من بقية الأزواد. البحر المحيط الثجاج (1/ 566).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فدعا عليها» أي: دعا فوق تلك الأزواد، وفي استعمال كلمة (على) إشارة إلى أنَّه نفخ، أو تفل عليها بعد الدعاء، فبارك الله فيها. منة المنعم (1/ 73).
قوله: «قال حتَّى ملَأَ القومُ أَزْوِدَتَهُمْ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى ملأ القوم أزودتهم» غاية لمحذوف، أي: فأمرهم بالأخذ منها، فأخذوا حتى ملؤوا أزودتهم. البحر المحيط الثجاج (1/ 566).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «حتى ملأ القوم أزودتهم» هكذا الرواية فيه في جميع الأصول، وكذا نقله عن الأصول جميعها القاضي عياض وغيره، قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: الأزودة: جمع زاد، وهي لا تُملأ، إنما تُملأ بها أوعيتها، قال: ووجهه عندي: أن يكون المراد: حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، قال القاضي عياض: ويحتمل أنه سمى الأوعية أزوادًا باسم ما فيها كما في نظائره -والله أعلم-. شرح على مسلم (1/ 224).
قوله: «قال: فقالَ عندَ ذلك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال» -صلى الله عليه وسلم- «عند ذلك» أي: عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقية الأزواد. البحر المحيط الثجاج (1/ 567).
قوله: «أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» حقًّا، تعجبًا من إجابة هذه الدعوة، وظهور هذه البركة. الكوكب الوهاج (2/ 246).
قوله: «لا يَلْقَى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيهما»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يلقى الله بهما» أي: بالشهادتين. مرقاة المفاتيح (9/ 3812).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«غير شاك» ... أي: غير متردد «فيهما» أي: في معناهما. الكوكب الوهاج(2/ 246).
قوله: «إلَّا دَخَلَ الجنَّةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلا دخل الجنة» إنْ كان بريئًا من الكبائر، أو تاب عنها، أو عفا الله عنها، وإلا فبعد العقوبة على ذنبه. الكوكب الوهاج (2/ 246).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا الحديث: أنَّ مَن لقي الله وهو يشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده، دخل الجنة، ولا يدخل النار، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة ولم يتب منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 116. المفهم (1/ 199-200).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد جاء هذا الحديث وأمثلة له كثيرة في ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف، وللناس فيها خبط كثير، وعن السلف خلاف مأثور، فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وجاء في رواية معاذ عنه -عليه السلام-: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وعنه في رواية أخرى: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة»، وعنه في أخرى: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار»، ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك، وزاد في حديث عبادة: «على ما كان من عمل»، وفي حديث أبي هريرة: «لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة»، وفي حديث آخر: «فيحجب عن الجنة»، وفي حديث أبي ذر وأبي الدرداء: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق»، وفي حديث أنس: «حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».
وهذه الأحاديث كلها قد سردها مسلم في كتابه، فحكى عن جماعة من السلف منهم ابن المسيب وغيره: أنَّ هذا كان قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي، وذهب بعضهم إلى أنها مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها، وهو قول الحسن البصري، وذهب بعضهم إلى أن ذلك لمن قالها عند التوبة والندم، ومات على ذلك، وهو قول البخاري.
وهذه التأويلات كلها إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نزلت تنزيلها لم يشكل تأويلها على ما بيَّنه المحققون.
فنقرر أولًا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين: أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وشهد مخلصًا من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا أو سليمًا من المعاصي والتبعات دخل الجنة برحمة ربه، وحرم على النار بالجملة، فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بيِّنًا، وهو التفات الحسن والبخاري في تأويلهما، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرم عليه، فهو في المشيئة لا يقطع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه لأول حاله الجنة، بل يقطع أنه لا بد له من دخول الجنة آخرًا، ولكن حاله له قبل في خطر المشيئة، وبرزخ الرجاء والخوف، إن شاء ربه عذبه بذنبه، أو غفر له بفضله، وإلى هذا التفت من قدم قوله من السلف، لكن قد يصح استقلال ألفاظ هذه الأحاديث بأنفسها على هذا التنزيل، فيكون المراد باستحقاق الجنة: ما قدمناه من إجماع أهل السنة من أنه لا بد له من دخول كل موحد لها إما معجلًا معافى، أو مؤخرًا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار: تحريم الخلود، خلافًا للخوارج والمعتزلة في الوجهين، وينزل حديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله» خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه، وخاتمة لفظه، وإنْ كان قبل مخلِّطًا، فيكون سببًا لرحمة الله له ونجاته رأسًا من النار، وتحريمه عليها، بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين، وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أي أبواب الجنة شاء، خصوصًا لمن قال ما ذكره -عليه السلام-، وقرن بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح بسيئاته ومعاصيه، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، كما أشار إليه في الحديث، والله أعلم بمراد نبيه. إكمال المعلم (1/254-255).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا الحديث: أنَّ مَن لقي الله وهو يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده، دخل الجنة، ولا يدخل النار، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة ولم يتُب منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 116. المفهم (1/ 199-200).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله -رحمه الله-:
حاصله: أنَّ لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع؛ ولهذا قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. تيسير العزيز الحميد (ص: 69).
وقال عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله-:
لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها: أحدها: العلم المنافي للجهل، الثاني: اليقين المنافي للشك، الثالث: القبول المنافي للرد، الرابع: الانقياد المنافي للترك، الخامس: الإخلاص المنافي للشرك، السادس: الصدق المنافي للكذب، السابع: المحبة المنافية لضدها. فتح المجيد (ص: 83).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيه: دليل على العمل بالمصالح، وعلى سماع رأي أهل العقل والتجارب، وعلى أن الأزواد والمياه إذا نفدت أو قلَّت، جمع الإمام ما بقي منها، وقوَّتهم به شرعًا سواء، وهذا كنحو ما مدح به النبي -صلى الله عليه وسلم- الأشعريين، فقال: «الأشعريون إذا قلَّ زادهم جمعوه، فاقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم». المفهم (1/ 198).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ نحر الظهر عند اشتداد الضرورة جائز؛ لإذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
وفيه أيضًا: أنَّ العدول عن ذلك لما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جميع الأزواد والدعاء عليها أفضل.
وفيه: جواز أنْ يشير على الإمام ذو الرأي والكلمة المسموعة من أصحابه، كإشارة عمر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وفيه أيضًا: دليل على جواز الرجوع إلى قول الصاحب عن معاينة الأولى والأجدر، وترك العزم الأول...
وفيه أيضًا: دليل واضح على صحة نبوته -صلى الله عليه وسلم-، فإنه قد دل هذا الحديث على أنه ملأ من ذلك القِدْر الطفيف كل مزادة في العسكر، وفضلت، حتى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله».
وفيه أيضًا: دليل على أنه يستحب تجديد الشهادة عند تجديد كل نعمة، أو ظهور آية، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن على شك من أنه لا إله إلا الله، وأنه رسول الله؛ لأنه شهد بالوحدانية ولنفسه بالرسالة عند تجدد هذه النعمة.
وفيه أيضًا: أن كل من لقي الله غير شاك في الكلمة لم يحجب عن الجنة. الإفصاح (8/ 58-59).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد يحتج به (يعني: هذا الحديث) أيضًا من يرى أنَّ معرفة القلب مجردة نافعة دون النطق بالشهادتين؛ لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة: أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى، إلا لمن لم يقدر عليها من آفة بلسانه، أو لم تمهله المدة لقولها: حتى اخترم (يعني: مات)، ولا حجة للمخالف للجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد ورد مفسرًا في الحديث الآخر بقوله: «مَن قال: لا إله إلا الله»، «ومَن شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله». إكمال المعلم (1/ 253-254).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: جواز خلط المسافرين أزوادهم وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نص أصحابنا على أن ذلك سنة -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم(1/ 224).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه، وإخراجه عن أيديهم إلا بإذن الإمام؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم في أسلحتهم، وجميع ما يحتاجون إليه في غزوهم. إكمال المعلم (1/ 258).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: أنَّ مَن مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، وهذا هو الذي أراده المصنف (أي: مسلم) -رحمه الله تعالى- بإيراده في هذا المحل.
ومنها: أنَّ في هَمِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بذبح بعض حمائلهم بيان مراعاة المصالح، وتقديم الأهم فالأهم، وارتكاب أخف الضررين؛ لدفع أشدهما. البحر المحيط الثجاج (1/570-572).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُؤخَذ من الحديث:
1. حسن خلقه -صلى الله عليه وسلم-، وإجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه، وإجراؤهم على العادة البشرية.
2. جواز المشورة مع الإمام بالمصلحة، وإنْ لم يطلبها، وجواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة.
3. منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- دالَّة على قوة ثقته بإجابة دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
4. جواز خلط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين...
5. أنَّ الأزودة والمياه إذا قلَّت كان للإمام أن يجمع ما بقي منها ويطعمهم منه بالسوية، دون نظر إلى من يملك أكثر أو يأكل أكثر...
6. حسن أدب خطاب العظماء والسؤال منهم، فيقال: لو فعلت كذا، أو أمرت بكذا، أو أذنت بكذا، فهذا أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر.
7. أنه لا ينبغي للجيش أن يتصرفوا في دوابهم، ولا في أدواتهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة، أو خاف مفسدة ظاهرة.
8. أخذ بعضهم من الحديث وقوع النسخ قبل الفعل؛ لأن إذنه الأول إباحة، والإباحة حكم شرعي، فرفعها نسخ.
9. فيه حجة لأهل السنة أن من مات على الشهادتين دخل الجنة. فتح المنعم (1/ 102-103).