السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«إذا قامَ أحدكم من الليل، ‌فاسْتَعْجَمَ ‌القرآنُ ‌على ‌لسانه، فلم يَدرِ ما يقول، فلْيَضطَجِع».


رواه مسلم برقم: (787)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌فاسْتَعْجَمَ»:
أُرْتِجَ عليه فلم يقدر أن يقرأ، كأنه صار به عُجْمَة. النهاية، لابن الأثير (3/ 187).
وقال ابن منظور-رحمه الله-:
يُقالُ: قرأ فلان فاسْتَعْجمَ عليه ما يقرؤه: إذا الْتَبَس عليه فلم يتهيَّأ له أن يمضي فيه. لسان العرب (12/ 389).


شرح الحديث


قوله: «إِذَا قام أحدُكُم مِنَ الليلِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إذا قام أحدكم من اللَّيل» أي: في الليل، فـ«من» بمعنى (في)، ويحتمل أن تكون للتبعيض، أي: بعض الليل. البحر المحيط الثجاج (16/ 208).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا قام أحدكم من الليل» لصلاة نفل أو تلاوة قرآن. التنوير(2/ 162).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إذا قام أحدكم من الليل» للصلاة، ودخل فيها، أو وإن لم يدخل، فالقيام على بابه. التيسير(1/ 119).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
خصَّ الليل والصلاة لا لإخراج الغير؛ بل لأنه الغالب، فيمنع الناعس من القراءة ولو نهارًا، وفي غير الصلاة؛ حذرًا من تغيُّر النظم القرآني، وإن كان في الصلاة قدرٌ زائدٌ، وهو أنه ما لم تتحقق قراءة الواجب لا صلاة. فيض القدير (1/ 412).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «إذا قام أحدكم من الليل» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن القيام هنا على بابه، والمراد: القيام للصلاة، ثم يحتمل على هذا أن يكون القيام على ظاهره وإن لم يشرع في الصلاة، ويحتمل أن يراد به: القيام للصلاة مع الدخول فيها، ويدل لذلك: قوله في حديث عائشة وأنس -رضي الله عنهما-: «إذا نعس أحدكم في الصلاة».
ثانيهما: أن يراد بالقيام من الليل: نفس صلاة الليل؛ فإنه يقال لصلاة الليل: قيام الليل. طرح التثريب (3/ 89).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
ظاهر لفظ الحديث اختصاص ذلك بصلاة الليل، لكن المعنى يقتضي أن سائر الصلوات في ذلك سواء، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل، والتقييد بالقيام من الليل؛ إنما هو لأن الغالب عليه النعاس في صلاة الليل دون صلاة النهار، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، وقد يقال: إن المعنى يقتضي اختصاص ذلك بصلاة النفل؛ لجواز الخروج من صلاة النفل دون الفرض. طرح التثريب (3/ 90).

قوله: «‌فاسْتَعْجَمَ ‌القرآن ‌على ‌لسانِهِ»:
قال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «‌فاستعجم ‌القرآن ‌على ‌لسانه» بفتح التاء من قوله: «فاستَعجم» ورفع النون من قوله: «القرآنُ» على أنه فاعل، أي: استغلق ولم ينطق به لسانه؛ لغلبة النعاس؛ كأنه صارت به عُجْمَة لاختلاط حروف الناعس وعدم بيانها. طرح التثريب (3/ 89).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ومعنى «استعجم عليه القرآن» أي: لم يُفصِح به لسانه، ولا انطلق به؛ لغلبة النوم عليه، وعَقْلَتِهِ (أي: ربطه) إياه. إكمال المعلم (3/ 152).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
استعجم بمعنى: لم يتوجه له فيه وجه القراءة، يقال: استعجم: إذا لم يفهم. كشف المشكل (3/ 579).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فاستعجم» أي: استغلق «القرآن على لسانه» فلم يُفْصِح به لسانه، ولم ينطق به، ولا قدر على تخليص الحروف؛ لغلبة النوم عليه حتى كأنه صار بلسانه عُجْمة. شرح سنن أبي داود (6/ 464).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا قام أحدكم يصلي بالليل فاستعجم القرآن على لسانه فليرقد؛ فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه»، وفي لفظ: «إذا قام يصلي فنعس، فليرقد» فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة مع النعاس الذي يغلط معه الناعس، وقد احتج العلماء بهذا على أن النعاس لا ينقض الوضوء؛ إذ لو نقض بذلك لبطلت الصلاة، أو لوجب الخروج منها لتجديد الطهارة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما علل ذلك بقوله: «فإنه لا يدري لعله يريد أن يستغفر فيسب نفسه»؛ فعلم أنه قصد النهي عن الصلاة لمن لا يدري ما يقول، وإن كان ذلك بسبب النعاس. مجموع الفتاوى (10/ 438).

قوله: «فلم يَدْرِ ما يقول»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلم يدر ما يقول» في صلاته من القراءة والأذكار والدعوات. شرح سنن أبي داود (6/ 464).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فلم يَدْرِ ما يقول» أي: صار لنعاسه (أي: بسبب نعاسه) لا يفهم ما ينطق به، ولا يدري لشدة نعاسه ما بعد اللفظ المتلوِّ ليأتي به، أو لا يقدر على النطق أصلًا. فيض القدير (1/ 412).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «فلم يَدْرِ ما يقول» يحتمل معناه أوجهًا:
أحدها: أنه لنعاسه صار لا يفهم ما ينطق به.
والثاني: أنه لا يدري لشدة نعاسه ما بعد اللفظ الذي نطق به حتى يأتي به.
والثالث: أنه لشدة نعاسه لا يقدر على النطق أصلًا، وهذه مراتب أخفُّها الأول وأشدُّها الأخير. طرح التثريب (3/ 90).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
فإنْ قلتَ: كيف يؤاخذ العبد بما لا يقصد النطق به من تغيير نظم القرآن، أو دعائه على نفسه وهو ناعس؟
قلتُ: قال والدي -رحمه الله-: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنَّ من عرَّض نفسه للوقوع في ذلك بعد النهي عنه فهو متعَدٍّ بالصلاة في هذه الحالة، فجنايته على نفسه، وهذا إذا كان عالمـًا بالنهي.
والوجه الثاني: إنا وإن قلنا: إنه غير آثم؛ لعدم قصده ذلك، فالمقصود من الصلاة: أداؤها على ما أُمِرَ به، وتحصيل الدعاء لنفسه؛ لكونه أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، فإذا فات المقصود بكونه لم يعلم ما أتى به من الواجبات، ولم يحصل له إجابة ما قصد أن يدعو به لنفسه، فهو منهيٌّ عن تكليف نفسه ما لا فائدة فيه -والله أعلم-. طرح التثريب (3/ 91-92).

قوله: «فلْيَضْطَجِعْ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اضطجع»، وفي رواية مسلم: «فليضطجع» أي: فليرقد. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (8/ 310).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فليضطجع» على جنبه الأيمن للنوم. شرح سنن أبي داود (6/ 464).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليضطجع» أي: ينام ولا يصلي وهو على تلك الحال، أو يستلقي حتى تراجعه قراءته. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 162).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فليضطجع» لأن غلبة النعاس عليه تمنعه من تدبر القرآن، ولا خير في قراءة لا تَدَبُّر فيها...، وختم (النووي) الباب (باب: استحباب قيام رمضان) بهذين الحديثين (حديث عائشة وهذا الحديث)؛ إعلامًا بأنَّ محل فضل القيام ما لم يكن في مثل هذا الحال -والله أعلم-. دليل الفالحين (6/ 650).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فليضطجع» حتى يذهب عنه النوم، وكذا الحكم إذا قرأ القرآن خارج الصلاة. بذل المجهود (5/ 553).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لئلا يُغيِّر كلام الله، ويبدله، ولعله يأتي في ذلك بما لا يجوز؛ من قلب معانيه، وتحريف كلماته، وهذا أشد من الأول. إكمال المعلم (3/ 152).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فإن ظاهره النهي عن الصلاة مع النعاس فقط، لا عدم الوضوء من النعاس الخفيف، إن مفهوم تعليل النهي عن الصلاة معه بذهاب العقل المؤدِّي إلى أن يعكس الأمر، يريد أن يدعو فيسب نفسه، أنه إذا لم يبلغ هذا المبلغ صلى به، أو أنه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة يقتصر على إتمام ما هو فيه، ولا يستأنف أخرى، فتماديه على حالته دالٌّ على أن النعاس الكثير لا ينافي الطهارة، ويحتمل قطع الصلاة التي هو فيها؛ إذ لا يستأنف غيرها. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (4/ 375).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الأمر بالاضطجاع في هذه الصورة هل هو على سبيل الاستحباب أو الإيجاب؟
قال والدي (أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي) -رحمه الله-: ظواهر الأحاديث تقتضي وجوب ذلك، فأما من حيث المعنى فإن كان النُّعاس خفيفًا بحيث يعلم المصلي الناعس أنه أتى بواجبات الصلاة، فإن صلاته صحيحة؛ فلا يجب عليه الخروج منها، وإن كان بحيث لا يعلم ما أَتى به من الواجبات فصلاته غير صحيحة؛ فيجب الخروج منها، ثم إن ذهب عنه النوم بأمر آخر غير الاضطجاع من تبرُّد بماء أو غير ذلك، فلا شك أنه لا يجب ذلك؛ لأنه وسيلة إلى ذهاب النوم وقد ذهب، فإذا حصل المقصد سقطت الوسائل، وإن لم يذهب ذلك إلا بالاضطجاع وجب عليه؛ لأنه مقدمة للواجب. انتهى كلام والدي -رحمه الله-. والظاهر: حمل الأمر في ذلك على الاستحباب مطلقًا، وما دام النعاس خفيفًا فلا وجه للوجوب، وإذا اشتد النعاس انقطعت الصلاة لشدته فلا يحتاج إلى إيجاب القطع؛ لأنه يحصل بغير اختيار المصلي -والله أعلم-. طرح التثريب (3/ 90).
وقال المناوي -رحمه الله- مُتعقبًا العراقي:
وقول ولده الولي (العراقي) لا وجه له؛ لأن النُّعاس إذا اشتدَّ قطع الصلاة فلا يحتاج لقطع، لا اتجاه له: كيف والمدرك في الوجوب خوف أن يغير كلام الله، ويأتي بما لا يجوز من تحريف أو تغيير لمعنى، أو وضع بعض أركان الصلاة في غير محل، أو فعله على صورة غير مرضيَّة، فإذا اشتدَّ النعاس بحيث غلب على ظنِّه الوقوع في ذلك، فوجوب القطع في محل القطع، ثم قضية الخبر أنَّ الكلام في الفرض لا في النفل لحل الخروج منه.
وعبَّر بالاضطجاع لا لعدم حصول المقصود بحصول النوم قاعدًا أو مستلقيًا؛ لأنه الهيئة المعهودة المحمودة. فيض القدير (1/ 412).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا العراقي أيضًا:
القول بوجوب الاضطجاع هو الظاهر؛ لظاهر الأمر، فتأمل -واللَّه تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (16/ 209-210).
وقال العراقي -رحمه الله-:
أمَرَه بالاضطجاع لأنه الهيئة المحمودة في النوم، والمعهودة غالبًا؛ فلو استلقى أو نام قاعدًا حصل الغرض بذلك. طرح التثريب (3/ 92).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: الحثُّ على ‌الإقبال ‌على ‌الصلاة ‌بخشوع وفراغ قلب ونشاط، وفيه: أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور؛ لكن لا يخرج فريضة عن وقتها. شرح مسلم (6/ 74).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومما دلَّت عليه هذه الأحاديث أن الإنسان إذا غلبه النوم وجاءه النعاس وهو يصلي، فلا يصلي؛ وذلك لأنه ربما يذهب يستغفر لنفسه فيسب نفسه؛ لأنه ينعس، وأيضًا ربما يستعجم القرآن على لسانه، فيتكلم بالكلمة من القرآن على غير وجهها؛ فيحرِّف القرآن، فأنت إذا كان من عادتك أن تصلي بالليل وجاءك النوم، فلا تُجْهد نفسك، نَمْ حتى يزول عنك النعاس ثم استأنف القيام، فإن طلع الفجر فاقض الوتر في الضحى، ولكن شفعًا. شرح رياض الصالحين (5/ 215-216).


إبلاغ عن خطأ