«إذا فَرغ أَحدكم من التشهد الآخر، فليتعوَّذ بالله من أَربع: من عذاب جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فِتنة المَحيا والممات، ومن شرِّ المسيح الدَّجَال».
رواه البخاري برقم: (1377)، ومسلم برقم: (588) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فليتعوَّذ»:
العين والواو والذال: أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو: الالتجاء إلى الشيء، ثم يُحْمل عليه كل شيء لصِقَ بشيء أو لازمه. مقاييس اللغة، لابن فارس(4/ 183).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
عاذ به يعوذ: لاذَ بهِ ولجأ إليه واعتصم. تاج العروس(9/ 438).
«فتنة»:
جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان. تهذيب اللغة، للأزهري (14/ 211).
«المحيا»:
قال الرازي -رحمه الله-:
المحيا: مفعل، من الحياة، تقول: محياي ومماتي. مختار الصحاح (ص: 86).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المحيا: مَفْعَل، من الحياة، ويقع على المصدر، والزمان، والمكان. النهاية، لابن الأثير (1/ 471).
«المسيح»:
الذي أحد شقي وجهه ممسوح، لا عين له ولا حاجب، ومن ذلك قيل للدجال: مسيح؛ لأنه فيما يُروى ممسوح العين. شمس العلوم، لنشوان الحميري (9/ 6295).
«الدجال»:
الكذاب، واشتقاقه من الدَّجْل، وهو التمويه والسحر. شمس العلوم، لنشوان الحميري (4/ 2035).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الدَّجْل: تمويه الشيء، وسُمِّيَ الكذَّاب دجَّالًا. مقاييس اللغة(2/ 329).
شرح الحديث
قوله: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا فرغ أحدكم من» قراءة «التشهد الأخير» سواء كانت الصلاة من الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية، أي: إذا قرأ أحدكم التحيات لله والصلوات ... إلى آخرها، سُمِّيَتْ بالتشهد لاشتمالها على الشهادتين، تسمية للشيء ذي الأجزاء باسم أشرفها، أي: إذا فرغ من قراءة التشهد مع ما بعده من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم وآله-. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (6/ 121).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«إذا فرغ أحدكم من التَّشهد الأخير» أي: وتابعه من قوله: «اللهم صلِّ على محمد» إلى «مجيد». فتح العلام (ص: 211).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «إذا فرغ من التشهد الأخير فليتعوذ» يدل على عدم الاستحباب قبل التشهد الأخير، وكذا بعد التشهد الأول، ويُكرَه؛ لأن مبناه على التخفيف، وكان -صلى الله عليه وسلم- فيه كأنه على الرَّضف (الحجارة المحماة). الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (152).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع» فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يستحب في الأول، وهكذا الحكم؛ لأن الأول مبني على التخفيف. شرح مسلم (5/ 87-88).
قوله: «فليتعوذ بالله من أربع»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليتعوَّذ» وفي نسخة: «فليستعذ» «بالله»، والأمر للندب عند الجمهور، وقيل: للوجوب. مرقاة المفاتيح (2/ 752).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «فليتعوذ» للندب والاستحباب، فيُستحب للمصلي أن يدعو بهذا الدعاء بعد التشهد الأخير، وقبل السلام؛ لهذا الحديث. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (152).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
هذا الدُّعاء مستحب عند جمهور العلماء، غير واجب، وذهب طاوس وأهل الظاهر إلى وجوبه، وقع في مسلم: أن طاوسًا أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدعُ بهذا الدعاء فيها، وكأنه حمل الأمر بذلك على الوجوب، ولعل طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيدَ هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه -واللَّه أعلم-. رياض الأفهام (2/ 513).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والحق: الوجوب إنْ عُلِم تأخُّرُ هذا الأمر عن حديث الْمُسيء. نيل الأوطار(2/ 338).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
كونه للوجوب هو الظاهر -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (15/ 260).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
يلزمه فرضٌ: أن يقول إذا فرغ من التشهد في كلتي الجلستين: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدجال»، وهذا فرض كالتشهد، ولا فرق ...، وقد روي عن طاوس: أنه صلى ابنه بحضرته فقال له: أَذَكَرْتَ هذه الكلمات؟ قال: لا، فأمره بإعادة الصلاة. المحلى بالآثار (2/ 301-302).
وقال الشوكاني -رحمه الله- متعقبًا:
قوله: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير» فيه تعيين محل هذه الاستعاذة بعد التشهد الأخير، وهو مقيد، وحديث عائشة مطلق فيُحمل عليه، وهو يَرُدُّ ما ذهب إليه ابن حزم من وجوبها في التشهد الأول. نيل الأوطار (2/ 338).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«من أربع» ينبغي أن يُزَاد على هذه الأربع: التعوُّذُ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة. مرعاة المفاتيح (3/ 294).
قوله: «من عذاب جهنم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من عذاب جهنم» قُدِّم، فإنه أشدُّ وأبقى، بَدَلٌ بإعادةِ الجارِّ ... وفيه إشارة إلى أنه لا مَخْلَص من عذابها إلا بالالتجاء إلى بارئها. مرقاة المفاتيح (2/ 752-753).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «من عذاب جهنم» بدل من قوله: «من أربع» بدل تفصيل من مجمل، قَدَّمَ جهنم؛ لأنه أشدُّ وأبقى. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (6/ 122).
قوله: «ومن عذاب القبر»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
جاء دعاؤه بالتعوِّذ من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة القبر، وهو داخل في فتنة الممات، فدل على جواز الدعاء بالوجهين: (الدعاء بجوامع الدعاء، والدعاء بالتفصيل)، وقد جاءت الأحاديث بالأمر بالدعاء إلى الله في كل شيء، وإن كان قد رُوِيَ عن بعض السلف استحباب الدعاء بالجوامع، كما تقدم من الاستعاذة من فتنة المحيا والممات، وسؤال العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولكل مقام مقال. إكمال المعلم (2/ 543).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من عذاب القبر» أي: من عقوبة فيه؛ فهو من إضافة المظروف إلى ظرفه... كـ{مَكْرُ اللَّيْلِ} سبأ: 33، وأضيف إلى القبر لأنه الغالب، والمراد: البرزخ. الكوكب الوهاج (8/ 296-297).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من عذاب القبر» فيه استعاذة للأمة أو تعليم لهم؛ لأن الأنبياء لا يعذَّبون. مرقاة المفاتيح (2/ 753).
قوله: «ومن فتنة المحيا والممات»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ومن فتنة المحيا والممات» أي: الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك؛ لأن ما كان مُعْتَلَّ العين من الثلاثي؛ فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد، ويريد بذلك: محنة الدنيا وما بعدها.
ويحتمل أن يريد بذلك: حالة الاحتضار، وحالة المساءلة في القبر، فكأنه لما استعاذ من فتنة هذين المقامين، سأل التثبت فيهما، كما قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} إبراهيم: 27، -والله أعلم-. المفهم (2/ 208).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما فتن المحيا فأكثر من أن تحصر، وأما فتنة الممات فتحتمل شيئين: أحدهما: حالة الموت؛ فإن الشيطان يفتن الآدمي حينئذٍ، تارة بتشكيكه في خالقه، وفي معاده، وتارة بالتَّسخُّط على الأقدار، وتارة بإعراضه عن التهيؤ للقدوم إلى ربه بتوبة من زلَّة، واستدراك لهفوة، إلى غير ذلك. والثاني: أنها فتنة القبر بعد الموت. كشف المشكل (3/ 389).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
وفتنةُ المحيا: ما يتعرَّض له الإنسان مدَّةَ حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأشدها وأعظمها -والعياذ بالله تعالى- أمر الخاتمة عند الموت.
وفتنة الممات: يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ لقربها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة حياة الإنسان، وتصرّفه في الدنيا، فإنَّ ما قارب الشيء يُعطى حكمَه، فحالةُ الموت تُشَبَّه بالموت ولا تُعَدُّ من الدنيا، ويجوز أن يُراد بفتنة الممات: فتنة القبر؛ كما صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في فتنة القبر: كمثل أو أعظم من فتنة الدجال، ولا يكون على هذا الوجه متكرِّرًا مع قوله: «من عذاب القبر»؛ لأن العذابَ مُرَتَّب على الفتنة، والسبب غير المسبَّب، ولا يقال: إن المقصود: زوال عذاب القبر؛ لأن الفتنة نفسها أمر عظيم، وهو شديد يستعاذ باللَّه من شرِّه. رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (2/ 512-513).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من فتنة المحيا والممات» تعميم بعد تخصيص، وكرَّر (أعوذ) في كل واحدة؛ إظهارًا لِعِظَمِ موقعها، وأنها حقيقة بإعاذة مستقلة. مرقاة المفاتيح (2/ 753).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وقيل: أراد بفتنة المحيا: الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات: السؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا. ذخيرة العقبى (15/ 255).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: قوله: «فتنة المحيا والممات» يشمل جميع ما ذُكِرَ، فلأي شيء خُصِّصتْ هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟
قلتُ: لعظم شأنها، وكثرة شرِّها، ولا شك أن تخصيص بعض ما يشمله العام من باب الاعتناء بأمره لِشِدَّة حكمه، وفيه أيضًا: عطف العامِّ على الخاصِّ؛ وذلك لفخامة أمر المعطوف عليه، وعظم شأنه، وفيه اللَّفُّ والنشر الغير الْمُرَتَّب؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا. عمدة القاري (6/ 117).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فتنة المحيا والممات» واحدٌ من هذه الأربع؛ لأنه لو عَدَّ اثنين يكون المجموعُ خمسًا. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 168).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وجاء دعاؤه -عليه السلام- في هذه الأحاديث وغيرها جملة كقوله: «فتنة المحيا والممات» فقد دخل فيه جماع دعاء الدنيا والآخرة، وجاء تفصيلًا كقوله: «أعوذ بك من المأثم والمغرم، وفتنة الغنى والفقر، والكسل والهم والبخل» وكذا، وهو داخل في فتنة المحيا...، ودعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- واستعاذته من بعض هذه الأمور التي قد عَلم أنه عُوْفِيَ منها وعُصِمَ؛ ليلزم نفسه خوف الله وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به أمتُه، وليسن لهم سنته في الدعاء والضراعة، وهي حقيقة العبودية. إكمال المعلم (2/ 542-543).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر: فهو من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ ونظائره كثيرة. شرح مسلم (5/ 85).
قوله: «ومن شرِّ المسيح الدَّجَّال»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأما الدجّال، فسُمِّيَ مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى، وقيل: لأنه مسح الأرض، أي: قطعها بالذهاب، ومن قاله بالخاء، فمن المسخ. المفهم (1/ 399).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «المسيح الدجال» قيل: سُمِّيَ الدَّجَّال مسيحًا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة، فيكون فعيلًا بمعنى: مفعول، أو لأنه يمسح الأرض، أي: يقطعها في أيام معدودة، فيكون بمعنى فاعل. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1049-1050).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
المسيح الدَّجَّال: هو عدو الله الكذَّاب؛ سُمِّيَ دجالًا لتَمْوِيْهِهِ وتغطيته الحق ...، وجمعه: دجَّالون، والمسيح -بفتح الميم وتخفيف السين- على المشهور، وقيل: بكسر الميم وتخفيف السين وتشديدها، وقيل: كذلك لكن بالحاء المعجمة؛ وسُمِّيَ بذلك؛ لكونه ممسوح العين، وقيل: لأنه أعور، وقيل: لمسحه الأرض عند خروجه، فعيل بمعنى: فاعل؛ فمسحه الأرض بمحنة، وعيسى -عليه السلام- يمسحها بمنحة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 492).
وقال العراقي -رحمه الله-:
المشهور في لفظ المسيح الدَّجَّال: أنه بفتح الميم وكسر السين المهملة وتخفيفها وبالحاء المهملة كالمسيح ابن مريم -عليه السلام- إلا أنه مسيح الهدى، وذاك مسيح الضلالة؛ سُمِّيَ به لمسح إحدى عينيه؛ فيكون بمعنى مفعول، وقيل: لمسحه الأرض فيكون بمعنى: فاعل، وقيل: التمسح والتمساح: المارد الخبيث؛ فقد يكون فعيلًا من هذا. طرح التثريب (3/ 109).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«المسيح الدجال» قد حذَّرتِ الأنبياء -صلوات الله عليهم- من فتنته، وأن دلائله باطلة كاذبة، وفيه حجَّة لمذهب الشافعي على صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله زيادة في فتنته: من إحياء الميت الذي يقتله، ومن الخصب معه، وجنته وناره، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تُنبِت فتُنْبِت، ثم يُعجزه الله بعد ذلك، ويبطل أمره، ويقتله عيسى -عليه السلام-. شرح سنن أبي داود (7/ 388).
وقال العيني -رحمه الله-:
ولكن ما فائدة تعوُّذِه من فتنة المسيح الدَّجال، مع علمه بأنه متأخِّر عن ذلك الزمان بكثير؟ قلت: فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة، بأنه كذاب مبطل مُفْتَرٍ ساع على وجه الأرض بالفساد، مُمَوِّه ساحر، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمرُه عند خروجه -عليه اللعنة-، ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة، كما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويجوز أن يكون هذا تعليمًا منه لأمته أو تعوذًا منه لهم. عمدة القاري (6/ 117).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«المسيح الدجال» أي: على تقدير لقيه...؛ لأنها أعظم فتن الدنيا مع أنها تؤدي إلى عذاب القبر وعذاب جهنم؛ ولذا كرَّرها إعلامًا بعظم شأنها؛ حتى يكرِّر الناس الاستعاذة منها، فاستغني بها عن بقية فتن الدنيا لسهولتها بالنسبة إليها، كما استغني بالأوَّلين عن بقية فتن الآخرة لسهولتها بالنسبة إليها. مرقاة المفاتيح (2/ 753).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
واستعاذ من المسيح مع أنه لم يكن في زمانه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- لينشر خبره بين الأمة...، وإشارة إلى أن الشرّ يُستعاذُ منه وإن بَعُدَ زمنه. المنهل العذب المورود (5/ 329).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد استُشكِل دعاؤه -صلى الله عليه وسلم- بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدَّم وما تأخَّر.
وأُجيب بأجوبة:
أحدها: أنه قصد التعليم لأمته.
ثانيها: أن المراد: السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
ثالثها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية، وإلزام خوف الله وإعظامه والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة؛ لأن ذلك يُحصِّل الحسنات، ويرفع الدرجات.
وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه» الحديث -والله أعلم-. فتح الباري (2/ 319).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والدجال: الخداع الكذَّاب، فعَّال من الدجل، وهو: الخدع والكذب والتغطية، والمراد به هنا: الكذاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كل مُفسد مُضِلٍّ.
والمراد بفتنة المسيح الدجال هي: ما يظهر على يديه من الخوارق للعادة التي يضل بها من ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بينت خروجه في آخر الزمان، وما يظهر معه من تلك الأمور -أعاذنا الله تعالى من شر فتنته، بِمَنِّه وكرمه، آمين-. ذخيرة العقبى (15/ 254- 255).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في هذا الباب فقال مالك، والشافعي، وجماعة: لا بأس أن يدعو الرجل في صلاته بما شاء من حوائج الدنيا، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، وهو قول النخعي، وطاوس. شرح صحيح البخاري (2/ 449).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وفي ذكر دعائه -عليه السلام- بما ذكر في الصلاة جواز الدعاء في الصلاة بما ليس من القرآن؛ خلاف قول أبي حنيفة.
وقول طاوس لابنه إذ لم يتعوَّذْ، كما علَّمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك: أَعِدْ صلاتك، وفي رواية: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كان يعلِّمهم ذلك كما كان يعلِّمهم السورة من القرآن» يدل أنه حمل أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وبقوله: «عوذوا بالله» الحديث على الوجوب. إكمال المعلم (2/ 539-541).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استدل به ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس من القرآن؛ خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: لا يجوز أن يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، قال ابن بطال: وهو قول النخعي وطاوس، وهو استدلال واضح؛ لكن فيما حَكَوْه عن أبي حنيفة نظر، فإنه لا يقصر ذلك على ما في القرآن؛ بل يلحق به في الجواز: الأدعية المأثورة، والذي يمتنع الدعاء به في الصلاة عند الحنفية: ما يشبه كلام الناس، وهو ما لا يستحيل سؤاله من العباد؛ فلا يرد عليه بهذا الحديث؛ لكن يُرَدُّ عليه بغيره من الأحاديث -والله أعلم-. طرح التثريب (3/ 110).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
وفيه: سُنَّ التعوُّذُ بما ذُكر فيه، بعد الفراغ من التشهد الأخير، أي: وتابعه، بخلاف الأول؛ لبنائه على التخفيف، خلافًا لمن زعم أنه فيهما، وكأنه لم يطلع على رواية مسلم السابقة.فتح العلام (ص: 211).
وقال النووي -رحمه الله-:
حاصل أحاديث الباب: استحباب التعوُّذ بين التشهد والتسليم من هذه الأمور. شرح صحيح مسلم (5/ 85).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فيه: التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارةُ إلى أنه لا يستحب في الأول ... ؛ لأن الأول قُصِد فيه التخفيف، وقد تقدَّم أنه من المواضع الستة التي يُكره فيها الدعاءُ عندنا (أي: المالكية). رياض الأفهام (2/ 513-514).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فهذا (الحديث) فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد، فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيَّر من الدعاء ما شاء، يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام. فتح الباري (2/ 318).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وجه الحكمة في أمره بالدعاء بعد التشهد: تقدُّم الوسيلة وهي الصلاة، وتقديمها مَظنَّة للإجابة. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (152).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: إثبات عذاب القبر وفتنته، وهو مذهب أهل الحق؛ خلافًا للمعتزلة. شرح صحيح مسلم (5/ 85).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قد ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور، حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حقيقة بذلك؛ لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها؛ ولأن أكثرها -أو كلها- أمور إيمانية غيبية، فتَكَرُّرها على الأنفس يجعلها مَلَكَةً لها، وفي لفظ مسلم أيضًا فائدة أخرى، وهي: تعليم الاستعاذة، وصيغتها؛ فإنه قد كان يمكن التعبير عنها بغير هذا اللفظ، ولو عبر بغيره لحصل المقصود وامتثل الأمر، ولكن الأولى قول ما أمر به الرسول -صلى الله عليه وسلم-. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 311-312).