«إِذا قال الرجلُ: هَلَكَ الناسُ فهو أَهْلَكُهُم»، قال أبو إسحاقَ: لا أدري، أهلكَهم بالنصبِ، أو أهلكُهم بالرفعِ.
رواه مسلم برقم: (2623)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَهْلَكُهُم»:
أَهلَكُهُم: أفسلُهم وأَدناهم. غريب الحديث، للخطابي(1/ 537).
شرح الحديث
قوله: «إِذا قالَ الرجلُ: هَلَكَ الناسُ»:
قال الزرقاني -رحمه الله-:
«الرَّجل» جرى على الغالب، والمراد: الإنسان ولو أُنثى... «هلك الناس» إعجابًا بنفسه وتيهًا بعلمه أو عبادته، واحتقارًا للناس. الشرح على الموطأ (4/ 635-636).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا قال الرجل» أو المرأة: «هلك» بفتح اللام «الناس» أو فسدت أحوال الناس، أو فسد الزمان، ونحو ذلك. شرح سنن أبي داود (19/ 118).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«هلك الناس»، وفي معناه: فسدوا، وفسقوا، ونحو ذلك. دليل الفالحين (8/ 430).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إذا قال الرجل: هلك الناس» أي: استوجبوا النار بسوء أعمالهم. شرح المصابيح (5/ 237).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
وكان ذلك على الهلاك في الدين لا فيما سواه. شرح مشكل الآثار (12/ 102).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
تأويل هذا على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في أصحاب الوعيد، ومن يرى رأي الغُلاة منهم في الخلود على الكبيرة والإياس من عفو الله، والقنوط من رحمته...، فمن رأى هذا الرأي كان أشد هلاكًا، وأعظم وزرًا ممن قارف الخطيئة، ثم لم ييأس من الرحمة...
والوجه الآخر: أن يكون ذلك في الرجل يولع بذكر الناس وإحصاء عيوبهم، وعد مساوئهم؛ فهو لا يزال يقول: هلك الناس وفسدت نياتهم، وقلَّت أماناتهم، ويذهب بنفسه عُجْبًا، ويرى لها على الناس فضلًا يقول: فهذا بما يناله في ذلك من الإثم أشدهم هلاكًا، وأعظمهم وزرًا. غريب الحديث (1/ 536-537).
وقال أبو عبيد الهروي -رحمه الله-:
معناه: أن المغالين الذين يُؤيِّسون الناس من رحمة الله يقولون: هلك الناس، أي: استوجبوا النار، والخلود فيها بسوء أعمالهم؛ فإذا قال الرجل كذلك «فهو أهلكهم» وقيل: هو أنساهم لله...، ومن روى بفتح الكاف أراد: هو الذي يوجب لهم ذلك لا الله تعالى. الغريبين(6/ 1936).
وقال أبو نعيم الأصبهاني -رحمه الله-:
قال إسحاق (ابن عيسى الطباع): قلتُ لمالك: ما وجه هذا؟ فقال: إما رجل كفَّر الناس فظن أنه خيرهم فازدراهم؛ فقال هذا القول.
وإما رجل حزن لما رأى في الناس من النقص فأحزنه ذهاب أهل الخير؛ فقال هذا القول، فأرجو أن يكون لا بأس به، وليس عليه شيء أو نحوها من القول. حلية الأولياء (6/ 345).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا معناه عند أهل العلم: أن يقولها الرجل احتقارًا للناس وإزراءً عليهم وإعجابًا بنفسه، وأما إذا قال ذلك تأسُّفًا وتحزُّنًا وخوفًا عليهم؛ لقبيح ما يرى من أعمالهم، فليس ممن عني بهذا الحديث.
والفرق بين الأمرين: أن يكون في الوجه الأول راضيًا عن نفسه معجبًا بها، حاسدًا لمن فوقه، محتقرًا لمن دونه، ويكون في الوجه الثاني ماقتًا لنفسه، موبِّخًا لها، غير راضٍ عنها.
روينا عن أبي الدرداء -رحمه الله- أنه قال: لن يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقتَ الناس كلهم في ذات الله، ثم يعود إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا. التمهيد (13/ 464).
وقال المازري -رحمه الله-:
محمل هذا عند بعض العلماء على أنّ القائل قال ذلك ازدِرَاءً بالناس واحتقارًا لهم وإعجابًا بِنَفسه.
فَأما قوله على جهة الإشفاق والتَّفَجُّع لِذَهاب الصالحين، وتفضيل من مضى من الأولين؛ فإنه خارج عن هذا، والقصد يُغَيِّر أحكام اللفظ، والأوّل عِنوان الكِبْرِ والاستهزاء بالنّاس وهو مذموم، والثاني عنوان الإشفاق والتَّقصِير بالنَّفسِ وتعظيم السلف؛ وذلك لا يكون مَذمومًا. المعلم بفوائد مسلم (3/ 305).
قوله: «فهو أَهْلَكُهُم»:
قال الجوهري -رحمه الله-:
قال مالك: «أَهلَكُهُم» أَفسدُهم وأَرذَلُهم، أَي: يقول: هلك الناسُ، إني خيرٌ منهم. مسند الموطأ (ص: 382).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى هذا الكلام: أن لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساوئهم ويقول: قد فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك من الكلام.
يقول -صلى الله عليه وسلم-: إذا فعل الرجل ذلك فهو أهلكهم وأسوؤهم حالًا مما يلحقه من الإثم في عيبهم، والإزراء بهم، والوقيعة فيهم، وربما أدَّاه ذلك إلى العجب بنفسه؛ فيرى أن له فضلًا عليهم، وأنه خير منهم؛ فيهلك. معالم السنن (4/ 132).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أَهْلَكُهُم» أفعل التفضيل، يعني: من عاب الناس وقال: فسد الناس، أو فسقوا، أو هلكوا، وما أشبه ذلك، فقد حصل ذلك العيب له أكثر مما حصل لهم؛ لأن الغيبة وإيذاء الناس أشد من ذنب لا يتعلق بحقوق الآدميين. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 173-174).
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«أهلكهم» على وجهين:
أحدهما: بضم الكاف، والمعنى: هو أشدهم هلاكًا؛ لأنه إنما قال ذلك لأحد معنيين: إما للإزراء عليهم والاحتقار لهم وتفضيل نفسه، أو للقطع عليهم باستحقاق العقوبة، فكأنه يقنطهم من رحمة الله.
والوجه الثاني: بفتح الكاف، على معنى: هو الذي يحكم عليهم بالهلاك برأيه لا بدليل من أدِلَّة الشرع، والأول أظهر وأشهر. كشف المشكل (3/ 560).
وقال الحميدي -رحمه الله-:
قيل معناه -في من رواه برفع الكاف-: أنَّ مَن أيَّس الناس، فقال: هلَكوا، بمعنى: استوجبوا العقوبة والمصير إلى العذاب، وقنَّطهم من رحمة الله، فهو أشدهم هلاكًا؛ لأنه سدَّ بابًا من الرجاء في الله لم يغلقه عن عباده، وقيل: هو أخشاهم لله.
ومن رواه بفتح الكاف، أراد: فهو الذي يوجب لهم ذلك، لا الله -عز وجل-؛ إذ لا دليل له على هلاكهم عند ربهم. تفسير غريب ما في الصحيحين (ص: 358).
وقال أبو بكر الصقلي -رحمه الله-:
قال مالك: وأما الذي يقول ذلك على وجه التَّحزُّن فليس من ذلك.
يريد: إنما المكروه من قال ذلك طعنًا وتنقُّصًا.
قال مالك: وقد أدركت الناس وهم يقولون: ذهب الناس. الجامع لمسائل المدونة (24/ 126).
وقال النووي -رحمه الله-:
واتفق العلماء على أن هذا الذَّمَّ إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس، واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سرَّ الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزُّنًا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين، فلا بأس، كمن قال: لا أعرف من أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنهم (لا) يُصلُّون جميعًا، هكذا فسَّره الإمام مالك، وتابعه الناس عليه. شرح صحيح مسلم (16/ 175).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«فهو أهلكُهم» -بضم الكاف على الأشهر في الرواية-، أي: أشدهم هلاكًا؛ لما يلحقه من الإثم في ذلك القول، أو أقربهم إلى الهلاك؛ لذمه للناس، وذكر عيوبهم وتكبره. شرح الموطأ (4/ 635-636).
وقال ابن باديس -رحمه الله-:
(المعنى) على الوجه الأول (الضم): لا يجوز الحكم على عموم الناس بالشر والفساد، ولو كان ذلك ظاهرًا بينهم فاشيًا فيهم؛ لأنه حكم بدون علم، وظن سوء بمن قد يكون في غمار الناس على خلاف ما عليه أكثرهم، هذا إذا حكم حكمًا لمجرَّد الإخبار، فأحرى وأولى إذا زاد على ذلك تحقيرهم.
وعلى الوجه الثاني (الفتح): لا يجوز لمن رأى الناس في حالة سيئة أن يُقَنِّطَهُم من رحمة الله، وإمكان تدارك أمرهم وإصلاح حالهم، هذا إذا كان يحمله على ذلك ما تعظمه من سوء حالهم في ظاهر أكثرهم، وأحرى وأولى إذا كان يحمله على ذلك صدُّهم وتثبيطُهم عن التوبة، والأخذ بأسباب الإصلاح. مجالس التذكير (ص: 77-78).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وقيل: المراد به: أهل البدع والغلاة الذين يؤيِّسون الناس من رحمة الله، ويوجبون لهم الخلود بذنوبهم، إذا قال ذلك في أهل السنة والجماعة. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 1053).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: المراد به: أهل البدع الذين يؤيِّسون الناس من رحمة الله، ويوجبون الخلود بذنوبهم، إذا قالوا ذلك في أهل السنة والجماعة، فهم أهلكهم، أي: هم بهذا الاعتقاد الفاسد أنجس من المؤمن الفاسق. مرقاة المفاتيح (7/ 3029).
قوله: «قال أبو إسحاق: لا أدري، أهلكَهم بالنصب، أو أهلكُهم بالرفع»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قال أبو إسحاق: لا أدري أهلكهم بالنصب أو بالرفع، أبو إسحاق هذا هو: إبراهيم بن سفيان، الراوي عن مسلم، شك في ضبط هذا الحرف، وقد قيَّده الناس بعده بالوجهين، وكلاهما له وجه.المفهم (6/ 608).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنه ينبغي للإنسان ألا يقنط من رحمة الله، ولا يرى أن ظل الجود يقلص عن شمول الخلق. الإفصاح (8/ 89).
وقال ابن باديس -رحمه الله-:
هذا الحديث: أصل عظيم في التربية المبنيَّة على علم النفسية البشرية، فإن النفوس عندما تشعر بحرمتها وقدرتها على الكمال، تنبعث بقوة ورغبة وعزيمة لنيل المطلوب، وعندما تشعر بحقارتها وعجزها تقعد عن العمل، وترجع إلى أحط دركات السقوط.
فجاء هذا الحديث الشريف يُحذِّر من تحقير الناس وتقنيطهم؛ وذلك يقتضي أن المطلوب هو احترامهم وتنشيطهم، وهذا الأصل العظيم الذي دلّ عليه هذا الحديث الشريف يحتاج إليه كل مربٍّ، سواء أكان مربيًا للصغار أم للكبار، وللأفراد أم للأمم؛ إذ التحقير والتَّقنيط، وقطع حبل الرجاء قتل للنفوس؛ نفوس الأفراد والجماعات؛ وذلك ضد التربية، والاحترام والتنشيط، وبعث الرجاء إحياء لها؛ وذلك هو غرض كل مربٍّ ناصح في تربيته. مجالس التذكير (ص: 80).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
من فقه الحديث: التحذير من الحكم على الناس بأنهم هالكون عند الله بسبب ما يرى من انحرافهم عن الدين، والتحذير من كثرة عيبهم، وذكر مساوئهم...، والتحجير على رحمة الله، والتدخل في مشيئته -جل شأنه- وتحقير للمسلمين. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (10/ 118-119).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان النهي عن قول: «هلك الناس»؛ لأنه يؤدي إلى تعظيم النفس، واحتقار لغيره.
2. ومنها: أن من آداب الداعي إلى الله تعالى أن يكون وسطًا، فلا يحمل الناس على القنوط من رحمة الله تعالى، ولا يحملهم على الرجاء المفرط الذي يؤدِّي إلى التساهل في أمر الله تعالى ونهيه.
3. ومنها: الحثُّ على التواضع، وعدم رؤية النفس، وسوء الظنِّ بالآخرين، بل الحقُّ أن يكون متَّهِمًا نفسه بالتقصير، واستحقاق الهلاك لولا فضل الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فيكون محبًّا للناس، متواضعًا لهم، محترمًا لهم، ذامًّا لنفسه؛ لأنها أمَّارة بالسوء. البحر المحيط الثجاج (41/ 137).