السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«دخلتُ على النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حَرَّهُ بين يدَيَّ فوقَ اللِّحاف، فقلتُ: يا رسول اللَّه، ما أشدَّهَا عليك! قال: إنَّا كذلك يُضَعَّفُ لنا البلاءُ، ويُضَعَّفُ لنا الأجر، قلتُ: يا رسول اللَّه أيُّ النَّاس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ، قلتُ: يا رسول اللَّه ثم مَنْ؟ قال: ثم الصَّالحون، إنْ كان أحدهم لَيُبْتَلَى بالفقْرِ حتى ما يجد أحدهم إلَّا العَبَاءَةَ يَحوبُهَا، وإنْ كان أحدهم لَيَفْرَحُ بالبلاء، كما يفرح أَحدكم بالرَّخاءِ».


رواه أحمد برقم: (11893)، وابن ماجه برقم: (4024) واللفظ له، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (510)، من حديث أبي سعيد الخُدْرِي -رضي الله عنه-.
ولفظ أحمد: «حتَّى يأخذُ العَباءَةَ، فيَجُونَها».
صحيح الجامع برقم: (995)، صحيح الأدب المفرد برقم: (510).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يُوعَكُ»:
الوعك: هو الحمى، وقيل: ألَمُها، وقد وعكه المرض وعكًا، ووُعِكَ فهو موعوك. النهاية، لابن الأثير (5/ 207).

«بَلَاء»:
البلاء: الاختبار. الزاهر، لابن الأنباري (1/ 246).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
البَلاءُ: في الخَيْرِ والشَّرِّ، واللهُ يَبْتَلي العبدَ بَلاءً حَسَنًا، وبَلاءً سَيِّئًا.. العين (8/ 340).

«اللِّحَافِ»:
اللباس الذي فوق سَائر اللباس. الفائق، للزمخشري (2/ 247).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
اللِّحافُ والمِلْحَفُ والمِلْحَفَةُ: هو اللِّباسُ الذي فوقَ سائرِ اللِّباسِ، من دِثارِ البَرد ونحوِه، وكلُّ شيءٍ تغطَّيتَ به: فقد التَحَفْتَ به، واللِّحافُ: اسمُ ما يُلْتَحَفُ به. لسان العرب (9/ 314).

«العَبَاءة»:
بالمدّ، والعَبايَةُ بالياء لغة، والجمع: عَبَاءٌ (بحذف الهاء)، وعَباءَاتٌ.. المصباح المنير، للفيومي (2/ 391).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
العَباءَةُ والعَبَاءُ: ضَرْبٌ مِن الأَكْسِيةِ، والجمع: أَعبِئَةٌ. لسان العرب (1/ 118).

«يَحُوبُهَا»:
مِن حَبَى، بحاءٍ مُهملةٍ، وباءٍ مُوحَّدةٍ في آخره، أي: يَجعلُ لها جَيْبًا.. كفاية الحاجة، للسندي (2/490).

«يَجُوبُهَا»:
بِجيم، ووَاوٍ، وبَاءٍ مُوحَّدةٍ، أي: يَخْرِقُها ويَقْطَعُهَا، وكُلُّ شيءٍ قُطِعَ وسَطُهُ فهو مُجَوَّبٌ.. التيسير، للمناوي (1/ 156).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
(جَوَبَ) فيه «أتَاه قومٌ مُجْتابَي النِّمَار» أي: لابِسيها، يُقالُ: اجْتَبْت القَمِيص والظَّلام، أي: دَخَلْت فيهما، وكلُّ شيءٍ قُطِع وسَطه فهو مَجُوب ومُجَوَّب، وبه سُمِّي جَيْبُ القَمِيص، ومنه: حديثُ عليٍّ -رضي اللَّه عنه-: «أخذتُ إِهَابًا مَعْطُونًا فَجَوَّبَت وَسَطه، وأدْخَلته في عُنُقِي». النهاية (1/ 310).

«يَحْويهَا»:
حَوَى على الشَّيءِ...: ضَمّه واشتمل عليه. معجم اللغة العربية، لأحمد مختار(1/ 591).


شرح الحديث


قوله: «دخلتُ على النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو يُوعك»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يُوعَكُ» على بناء المفعول، أي: وهو محموم. كفاية الحاجة (2/ 490).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«يُوعَكُ» بفتح المهملة، يقال: وُعِكَ الرجل يُوعَكُ فهو مُوْعَكٌ، والوعك بالسكون وبالفتح الحمى، وقيل: ألمها وتعبها. الكواكب الدراري (20/ 179).

قوله: «فوَضَعْتُ يدي عليه فوجدت حرَّهُ بين يديَّ فوق اللِّحاف»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فوضعتُ يدي» بالإفراد «عليه» أي: على جسده الشريف؛ لأُجَرِّب قَدْرَ وَعْكِه؛ «فوجدتُ حرَّه» أي: حَرَّ جسده «بين يَدَيَّ» بلفظ التثنية «فوق اللحاف»، والظرف متعلق بـ«وجدتُ» يُقال: التحف بالثوب؛ إذا تغطى به في جميع جسده؛ واللحاف بكسر اللام: ما يُلْتَحَفُ به في جميع البدن، وكل شيء تغطَّيت به فقد التحفت به. مرشد ذوي الحجا (24/ 198).

قوله: «فقلتُ: يا رسول اللَّه، ما أشدَّهَا عليك! قال: إنَّا كذلك يُضَعَّفُ لنا البلاءُ، ويُضَعَّفُ لنا الأجر»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إِنَّا» معاشر الأنبياء كائنون «كذلك» أي: كما رأيتَ عليَّ من شدة الحمى علينا. مرشد ذوي الحجا (24/ 198).
وقال السندي -رحمه الله-:
«يضعَّف» من التضعيف. كفاية الحاجة (2/ 490).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يضعَّف لنا البلاء» من التضعيف، أي: يجعل علينا البلاء والضرر ضعفين «ويضعَّف لنا الأجر» عليه، أي: يُعطى لنا الأجر عليه، أي: ضعفي ما لغيرنا مكافئةً على تضعيف البلاء علينا. مرشد ذوي الحجا (24/ 198).

قوله: «قلتُ: يا رسول اللَّه، أيُّ النَّاس أشدُّ بلاءً؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أي الناس أشد بلاءً؟» أي: ابتلاءً في نفسه أو أهله أو ماله. مرشد ذوي الحجا (24/ 199).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أشدُّ الناس بلاء؟» أي: محنة واختبارًا. السراج المنير (1/ 216).

قوله: «قال: الأنبياء قلتُ: يا رسول اللَّه ثم مَنْ؟ قال: ثم الصَّالِحُونَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«الأنبياء» المراد بهم: ما يشمل الرسل؛ وذلك لتتضاعف أجورهم، وتتكامل فضائلهم، ويظهر للناس صبرهم ورضاهم، فيُقتَدى بهم؛ ولئلا يفتتن الناس بدوام صحتهم، فيعبدوهم. فيض القدير (1/ 518).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الأنبياء» أي: هم أشد في الابتلاء؛ لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ غيرهم بالنعماء؛ ولأنهم لو لم يُبْتلوا لتُوُهِّم فيهم الألوهية، ولَيُتَوَهَّن على الأمة الصبر على البلية. مرقاة المفاتيح (3/ 1140).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«الأنبياء» ويلحق بهم الأولياء لقربهم منهم، وإنْ كانت درجتهم منحطَّة عنهم. السراج المنير (1/ 216).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثم الصالحون» أي: القائمون بما عليهم من حقوق الحَقِّ والخلق. فيض القدير (1/ 519).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم الصالحون» المعروفون بالصلاح...، ثم بيَّن بعض أحوالهم في الابتلاء. التنوير (2/ 384).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أعظم البلاء سلب المحبوب، وحمل المكروه، والمحبوبات مسكون إليها، ومن أحب شيئًا شُغِل به، والمكروه مهروب منه، ومن هرب من شيء أدبر عنه، والأمثلون أحِبَّاء الله فيسلبهم محبوبهم في العاجل؛ ليرفع درجتهم في الآجل. فيض القدير(1/ 520).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أي: يبتليهم الله في الدنيا؛ ليرفع درجتهم في الآخرة. السراج المنير (1/ 216).

قوله: «إنْ كان أحدهم لَيُبْتَلَى بالفقْرِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إنْ كان...» إلخ، «إنْ» مُخففة من الثقيلة، أي: إنَّ الشأن. حاشيته على مسند أحمد (3/132).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان أحدهم» الأنبياء أو الصالحون. التنوير (2/ 384).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«يُبتلى بالفقر» الدُّنْيَوي الذي هو قِلَّةُ المال. التيسير (1/ 156).

قوله: «حتَّى ما يجد أحدهم إلَّا العَبَاءَةَ يَحوبُهَا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى ما يجد أحدهم» ما يضع على ظهر دابته من الرحل عند الركوب عليها «إلا العَباءة» وهي بالهمز، وكذا العباية بالياء: ضرب من الأكسية تلبسها الأعراب، والجمع: عباءات، حالة كونه «يحويها» أي: يلفُّهَا حول سنام بعيره، فيركب عليها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 199).
وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط -رحمه الله-:
في (نسخة (م) لمسند أحمد) «فيخونها» وهو تصحيف، والمعنى: أي: يقطعها ليلبسها في عنقه، قاله السندي: وفي مطبوع ابن ماجه: «يُحويها» والتحوية: أنْ يدير كساء حول سنام البعير، ثم يركبه، ولا تناسب المعنى، فلعلها: «يجوبها»، وقد اضطرب السندي في شرحه لابن ماجه (2/490) فقال: «يحوبها» من حبى بحاء مهملة وباء موحدة في آخره، أي: يجعل لها جيبًا، وقد اضطرب رسمها كذلك في مطبوع المصنف (مسند أحمد): «فيحولها»، وفي مطبوع أبي يعلى: «يحويها». تحقيق مسند أحمد (18/ 391).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يجوبها» بالجيم والموحدة، وتشديد الواو، أي: يقطع وسطها. التنوير (2/ 384).
وقال السندي -رحمه الله-:
«فيجوبها» أي: يقطعها؛ ليلبسها في عنقه. حاشيته على مسند أحمد (3/132).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها» أي: يُحَصِّل جيبًا لها، فيلبسها. شرح مسند أبي حنيفة (ص: 13).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومع ذلك يرى أنَّ ذا من أعظم النِّعم عليه؛ علمًا منه بأنَّ المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وليس في كثرته فضيلة، ولو كان فيه فضيلة، لخص الله به مَن اصطفاه لرسالته، واجتباه لوحيه، وقد كان أكثر الأنبياء مع ما خصهم به من كرامته، وفضلهم على سائر خلقه فقراء لا يجدون بلغة، ولا يقدرون على شيء، حتى صاروا في الفقر مثلًا. فيض القدير (1/ 520).

قوله: «وإنْ كان أحدُهُمْ لَيَفْرَحُ بالبلاءِ، كما يَفْرَحُ أحدُكُمْ بالرَّخاءِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان أَشد فرحًا بالبلاء» لما يعلمه من الأجر فيه «من أحدكم بالعطاء». التنوير (2/ 384).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ليفرح بالبلاء» أي: بوقوع البلاء والضرر عليه. مرشد ذوي الحجا (24/ 199).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأن المعرفة كلما قوِيَتْ بالمبتلى، هان عليه البلاء، وكلما نظر إلى الأجر الناشئ عنه، سهل، فلا يسألون رفعه، بل يحصل الترقي لبعضهم حتى يتلذذ بالضراء فوق تلذذ أحدنا بالسراء، ويُعَدُّ عدمه مصيبة. فيض القدير (1/ 520).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كما يفرح أحدكم بالرخاء» أي: بسعة العيش عليه. مرشد ذوي الحجا (24/ 199).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
إنْ قلتَ: كراهة البلاء أمر طبيعي، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: 216، والفرح طبعًا لا يكون إلا لمحبوب.
قلتُ: لما عرفوا ما لهم عند الله من الإكرام والإحسان، صيَّر ذلك محبوبًا عندهم مرغوبًا فيه. التنوير (2/ 384).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ شدة الابتلاء على مقدار المعرفة، وكلما علت منزلة العارف، لصق البلاء به، واشتد عليه، وكلما اشتدت، رفق به. كشف المشكل (4/ 361).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
السِّر في ذلك: أن البلاء في مُقابلة النِّعمة، فمَن كانت نعمة الله عليه أكثر، كان بلاؤه أَشد، إلا أنه كُلما قوِيَتْ المعرفة بالمبتلى، هان عليه البلاء...؛ ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك: درجة مَن يرى أنَّ هذا تصرف المالك في ملكه؛ فيسلم ولا يعترض، وأرفع منه: من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء. السراج المنير (1/ 216).
وقال المناوي -رحمه الله-:
مَن ظن أنَّ شدة البلاء هَوَانٌ بالعبد فقد ذهب لُبُّهُ (يعني: عقله)، وعمي قلبه، فقد ابتُلِي من الأكابر ما لا يحصى، ألا ترى إلى ذبح نبي الله يحيى بن زكريا، وقتل الخلفاء الثلاثة، والحسين وابن الزبير وابن جبير، وقد ضُرب أبو حنيفة وحبس ومات بالسجن، وجرد مالك وضرب بالسياط، وجُذبت يده حتى انخلعت من كتفه، وضُرب أحمد حتى أغمي عليه، وقُطع من لحمه وهو حي، وأُمر بصلب سفيان فاختفى، ومات البويطي مسجونًا في قيوده، ونُفي البخاري من بلده؛ إلى غير ذلك مما يطول. فيض القدير (1/ 518).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ومجمل الكلام: أنَّ البلاء علامة الولاء، فإنَّه إما سبب لإعلاء الدرجات كما في الأنبياء، وإما لإمحاء السيئات كما في الأولياء، مع أنَّ هذه الدار مشوبة بالأكدار، سواء فيها الفجَّار والأبرار، كما أشار إليه قوله سبحانه: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} النساء: 104. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 13).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه: من السُّنة أنَّ العائد يمسُّ المريض؛ ليتعرَّف بذلك حاله فيخبره بما يجد منه، فلقد يحس الرجل من لمس صاحبه ما لا يحس به الملموس من نفسه.
وفيه أيضًا: دليل أنَّ الرجل إذا عاد مريضًا عزيزًا عليه، صدَّقه فيما يراه منه. الإفصاح (2/ 41).


إبلاغ عن خطأ